الرئيسية » مقالات » مخاطر عودة البعث بين الحقيقة و؛الخروعة؛

مخاطر عودة البعث بين الحقيقة و؛الخروعة؛

هناك حملة مكثفة هذه الأيام في محاولة يائسة وبائسة ومعروفة الأغراض، تهدف إلى إقناع العراقيين بأن البعثيين لا يشكلون أي خطر في العودة إلى السلطة، وأن أي إجراء احترازي لمنع عودتهم ثالثة لحكم العراق كذبة ملفقة، الغرض منها تخويف العراقيين من خطر وهمي، وهو جزء من الحملة الانتخابية لإبقاء الأحزاب الطائفية الحاكمة في الحكم. والغريب أن هذه الحملة تصدر من جهات هي مشاركة في الحكم، ولكن في نفس الوقت لها رِجِل في السلطة ورجل في المعارضة، إن لم نقل مع الإرهاب.

المؤسف أن نجح أصحاب هذه الحملة في جر كتاب متميزين حريصين على مصلحة الوطن، ومعروفين بمواقفهم الوطنية وكتاباتهم المتميزة لخدمة الشعب، مثل الصديق الأستاذ عودة وهيب، الذي عودنا على كتاباته الرصينة وأسلوبه الساخر الجميل، خاصة اختراعه لشخصية (الحاج زعيبل)، ذلك المواطن العراقي الجنوبي المعروف بنقائه وصراحته وبساطته وطيبته ومواقفه المناهضة للمنافقين والانتهازيين والبعثيين، أقول خرج علينا الصديق بمقال ليس من عوائده، بعنوان (“خرّوعة” البعث لن تخيف طيور الحرية). والخروعة هنا تعني (خرّاعة الخضرة) أو (خرَّيعة) أو ما يسمى بلغة أخواننا المصريين بـ(خيّال المقاتة)، وهو لعّابة ينصبها الناس في بساتينهم ومزارعهم لتخويف الطيور وطردها.



يبدأ المقال بفقرة من كلمة رئيس وزراء العراق، السيد نوري المالكي في مهرجان مؤسسات العدالة الانتقالية لمناهضة البعث الذي أقامته مؤسسة الشهداء في نصب الجندي المجهول، قوله: “إننا لا نسمع الصرخة المطلوبة بوجه البعث والبعثيين وكأننا نريد نسيان الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب العراقي.”

وغني عن القول، أن المقصود بـ”الصرخة المطلوبة بوجه البعث والبعثيين” هو ليس الصراخ والعويل بالمعنى المعجمي للكلمة وإنما بالمعنى المجازي، أي تذكير أبناء شعبنا بجرائم البعث لكي لا تتكرر المأساة، تماماً كما تتخذ الحكومات الأوربية ووسائل إعلامها إجراءات لتذكير شعوبهم بجرائم النازية والفاشية لكي لا تتكرر المأساة.

وكغيره من الكتاب العراقيين، ينتقد الزميل “المحاصصة الطائفية” البغيضة، و يحمِّل السيد المالكي مسؤوليته عنها، علماً بأن المحاصصة ولدت قبل سقوط البعث ومنذ مؤتمرات المعارضة في الخارج التي كانت المشاركة فيها حسب الحصص الحزبية، الدينية والعلمانية. فالحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان، أن المالكي استلم رئاسة الوزارة وفق هذه المحاصصة التي كانت موجودة ولا يمكن تجاوزها. والأدهى من ذلك أن أخبرني صديق على علم بما يجري في السلطة، أن المالكي أراد مرة أن يعين شخصاً من التكنوقراط بمنصب مدير عام في إحدى الوزارات لكفاءته في ذلك الاختصاص، فرفض الوزير قرار رئيس الوزراء لأن المنصب كان من حصة الجهة الفلانية. وإذا ذكرنا هذه الحقيقة، فهل هذا يعني أننا ندافع عن المالكي؟ إن ما أود التأكيد عليه هو أن المحاصصة، طائفية أو غير طائفية، هي نتاج ظروف موضوعية، وشر لا بد منه، وليس بإمكان المالكي ولا غير المالكي من إزالتها في هذه الظروف، وإنما ستتخذ وقتاً إلى أن تتجذر الديمقراطية تدريجياً، وتسود الأحزاب عابرة الطائفية. فهل أستطاع الذين تسلموا رئاسة الوزارة قبل المالكي، مثل إياد علاوي (العلماني) وإبراهيم الجعفري (الإسلامي) إلغاء المحاصصة؟

فوفقاً لهذه “المحاصصة” أقر البرلمان ولأول مرة في التاريخ، للمكون المسيحي خمسة مقاعد، و مقعد واحد لكل من المكون الأيزيدي، والصابئي المندائي، والشبك. وحصة المرأة 25% . فما رأيي أعداء المحاصصة في هذه القسمة؟ في الحقيقة إن أكثر الناس نقداً للمحاصصة هم أشد الممارسين لها (راجع مقالنا: حول إشكالية المحاصصة).

المؤسف أن الاستهانة بخطر عودة البعث، صارت ظاهرة تفشت في مختلف أوساط المثقفين، يبدو أنهم نسوا تاريخ حزب البعث ووسائله الخبيثة في اغتصاب السلطة. إذ كتب لي صديق ناصحاً: (لا تيأس يا عزيزي، فالبعث لن يعود ولا تعتقد أن وجود فرد أو أفراد معينين على رأس السلطة وحدهم سيبقون البعث بعيدا، فالشعب العراقي بمعظمه ضدهم، ومتى عادوا (البعثيون) فإنهم لن يعودوا بأفكارهم، فهم مثل الشيوعيين في الاتحاد السوفيتي، سيذوبون في بوتقة الديمقراطية الجديدة.)!!!



صحيح أن الشعب العراقي بمعظمه هو ضد حزب البعث، ولكن متى أهتم البعث بموقف الشعب منه؟ وهل كان البعث في أي فترة من تاريخه تمتع بشعبية لدى العراقيين؟ وهل الشعب العراقي هو الذي انتخب البعث في 8 شباط 1963، أم اغتصب السلطة عن طريق مجزرة بشعة. وكذلك في عودتهم الثانية عن طريق ما أسموه بالانقلاب “الأبيض” في 17-30 تموز 1968؟ فكلنا نعلم أن البعث مكروه من قبل الشعب، والبعثيون يعرفون هذه الحقيقة قبل غيرهم، لذلك يقترفون كل هذه الجرائم البشعة بحق الشعب انتقاماً منه.



كذلك من الخطأ تشبيه البعثيين بالشيوعيين في الإتحاد السوفيتي سابقاً، لأن قادة الشيوعيين السوفيت هم الذين قادوا الإصلاح، فغورباتشوف بدأ الغلاسنوت والبرسترويكا، ويلتسن كان عضو المكتب السياسي للحزب، ورئيساً لجمهورية روسيا، وكذلك فلاديمير بوتين كان رئيساً للإستخبارات السوفيتية (KGB). فهل قام البعثيون بهذه الإصلاحات في العراق، أم مازالوا يحرقون العراق ويناهضون العملية السياسية الديمقراطية؟. لذلك فتشبيه البعثيين العراقيين بشيوعيي روسيا وغيرها من جمهوريات الإتحاد السوفيتي غير وارد وإهانة بحق الشيوعيين.



كذلك أتفق مع الأصدقاء أن البعث لن يعود إلى السلطة، ولكن التقليل من مخاطره وصفة لكارثة مستقبلية. فالبعث مازال يمتلك مخالب من متفجرات ومفخخات وقنابل بشرية من حلفائه أتباع القاعدة لإلحاق أشد الدمار بالشعب، وإفشال العملية السياسية. لذلك فمن واجب القوى الخيرة وبالأخص المثقفين تنبيه شعبنا بمخاطر البعث الفاشي باستمرار ودون تراخ أو تساهل.



أما إذا كانت هناك جهات سياسية مشاركة في العملية السياسية وفي الحكم، وعليهم سمعة التعاطف مع البعثيين أو هم يضمون بعثيين أو من أشباه البعثيين في تحالفاتهم، وتعتقد أنها هي المستهدفة بتشديد الحملة ضد البعث، وأن هذه الحملة هي مجرد “خروعة أو خراعة خضرة”، فعلى هذه الجهات أن تنأى بنفسها عن البعثيين وتنتقد جرائمهم، وتتوقف عن الطعن بعراقية 60% من الشعب العراقي، والكف عن وصفهم بـ”الصفوية” و”الشروكية”، “وهذولة الراح يحكمونا!!” وغيرها من الأساليب التسقيطية.



كان الزعيم عبدالكريم قاسم أول من استهان بقوة البعثيين، ورفع “شعار عفا الله عما سلف”، و”العفو عند المقدرة، والرحمة فوق العدالة”، ولما قدم رجال الأمن قائمة بأسماء المتآمرين، وطلبوا منه إصدار قرار بتوقيفهم، رفض ذلك قائلاً، لنتركهم يحتفلوا بالعيد مع عوائلهم (خطية!) ثم نقبض عليهم إذا ما قاموا بالمحاولة الانقلابية وهم بالجرم المشهود!!!

فماذا كانت النتيجة؟ ذهب الزعيم وصحبه الأبرار ضحية الثقة العالية بالنفس والاستهانة بقوة وخبث ومخاطر العدو، ودفع الشعب العراقي الثمن باهظاً ومازال يدفع. ولكن يبدو أن العراقيين لحد الآن لم يستخلصوا درساً من كوارثهم وخيباتهم، ونسوا خبث البعث وأساليبه الجهنمية. تقول الحكمة الشعبية العراقية: (تحزَّم للواوي بحزام السبع).



ودليل آخر على محاولات البعثيين للعودة، هو ما كتبه لي الصديق (س.م ) من بغداد ..يستنجد بي لكي اكتب عن موضوع البعثيين والطائفيين ومخططاتهم لإعادة السيطرة تدريجيا على السلطة والحكم، وعن طريق الانتخابات القادمة لأنه ليست لديه القابلية على الكتابة والنشر.. ويرجوني لكتابة مقال لتنبيه القيادات الحالية لما يخطط للعراق في الخفاء …علما انه شيعي علماني ويرفض المحاصصة الطائفية، ولكنه يؤمن بحق المشاركة لكل أطياف الشعب بعدالة وإنصاف وحسب النسبة السكانية والتمسك بالديمقراطية الحقيقية .. أوجز ما جاء في رسالته، ليس نصا، وإنما روحاً، بما معناه، ((إن بعض الشخصيات البعثية السابقة والمتعصبين طائفيا يخططون لاستلام الحكم تحت مختلف الشعارات (الغير حقيقية) كمحاربة الاحتلال والفساد وسيطرة الشيعة. وحقيقة مخططاتهم في العودة للسيطرة القديمة بحجة محاربة الإيرانيين وتحت غطاء التكنوقرط … هناك فخ ينصب للشيعة من خلال دفع واجهات لشخصيات شيعية مهزوزة وأنانية وطموحة بحجة المصالحة الوطنية ومحاربة الطائفية والمحاصصة، ولكن في حقيقتهم هم رب الطائفية والتعصب الطائفي، ومع الأسف الشديد إن القادة الشيعة حمقى وجبناء .. وسيقعون في الفخ ثانية والمصيبة ستقع على طائفتهم المظلومة.. ولات ساعة مندم …ما العمل للتحذير من الفخ المنصوب لهم… الرجاء حاول الكتابة للمسؤلين وتنبيههم قبل أن تقع الفاس بالراس .. لأن الانتخابات القادمة ستكون محور مفصلي.. عسى ان يقرؤوها ويستفيدوا منها .. والله من وراء القصد.. إن الطريقة الوحيدة لتجنب الفخ والنجاة منه هي في ترشيح أناس نظيفين ونزيهين وكفوئين من أبناء المحافظات نفسها .. وإلا سيطير الخيط والعصفور…ويعودون للطم والتطبير والمشي مئات الكيلومترات لتقديم الشكوى للائمة لإنصافهم من الظالمين.)) انتهت خلاصة رسالة الصديق.



ملاحظة أخرى جديرة بالذكر. استلمت قبل فترة تقريراً أدعى كاتبه أنه تسرب إليه من اجتماع للبعثيين، بعنوان: (ملف خطير جداًعن خطط حزب البعث بالعراق !) (1) الرابط في نهاية المقال.

قد يكون هذا “التقرير” مفبرك، ولكن الملاحظ أن معظم التعليمات المذكورة فيه تنفذ بحذافيرها على أرض الواقع. إذ يدعو التقرير إلى: (عمل الخلايا الجهادية في العراق، في الحرس الوطني والشرطة، وبقية المؤسسات الحكومية، وبعض المرافق المجتمعية المهمةـ تفعيل الخلايا النائمة في كل مناطق العراق. توزيع قيادات مراكز القرار على المناطق المهمة والاستراتيجية والتعاون في هذا مع عناصرنا المهمة في الحرس الوطني والشرطة….الخ). وما جاء في رسالة الصديق س.م. يؤكد صحة هذه التعليمات.



كذلك نعرف أن حكومة المالكي هي إئتلافية تشترك فيها جميع التحالفات السياسية، من اليمين إلى اليسار، إسلاميين، سنة وشيعة، علمانيين من مختلف الاتجاهات. فالمفروض في هذه الحالة، أن تتحمل القوى المشاركة في الحكومة مسؤولياتها في السلطة، الحسنات تحسب للجميع والسيئات على الجميع أيضاً. لكن في الحالة العراقية، أن الحسنات تحسب لهذه القوى، أما السيئات فهي من نصيب رئيس الوزراء وحده! ولما ناقشت صديقاً حول هذا الموضوع، أجابني مازحاً: “نعم أن هذه هي خصوصية العراق، فمن حق الشخص في “الديمقراطية العراقية” أن يكون وزيراً في السلطة ومعارضاً لها ويشتمها في آن واحد!! وإذا المالكي لا يعجبه فليستقيل!!” حقاً إنها لقسمة ضيزى!!



قد يبدو هذا الكلام هو دفاعاً عن السيد المالكي، ولكنني أؤكد أنه ليس دفاعاً عن أحد وإنما عرضاً لما يجري في العراق من مسرحية اللامعقول.



ولكن رغم ذلك، شئنا أم أبينا، أن المالكي أثبت جدارة في إدارة السلطة في مرحلة صعبة جداً تتطلب الكثير وذلك بشهادة الصديق، الكاتب والصحفي المتميز، الأستاذ حميد الكفائي، الذي قال في مقاله القيم نشر في صحيفة الحياة اللندنية بعنوان (ائتلاف الخائفين لن يخيف المالكي)،جاء فيه: (… فالمالكي، الذي برهن عن حنكة متميزة خلال السنوات الأربع الماضية وقدرة على البقاء والفوز واستثمار الفرص، ليس من السخاء بحيث يقدِّم على طبق من ذهب إنجازاته وشعبيته لمجموعات منافسة عملت وستعمل على إضعاف موقفه وعرقلة أعمال حكومته وإسقاطها في أقرب فرصة. … فهو الإسلامي الأصيل الذي يقود أعرق حزب إسلامي عراقي، ولا يمكن أحداً أن يزايد عليه في هذا، لكنه في الوقت نفسه معتدل لا يفرض الدين على الناس بالقوة كما تلوح بقية أحزاب الإسلام السياسي باستمرار. وهو المتمسك بمبادئه، لكنه مع ذلك ليس أسيراً لأفكار غير عملية. وهو العروبي المتمسك بقيمه العربية وعاداته العشائرية، … وهو رجل الدولة الذي وقف بصلابة حيال الدول المعنية، ونال إعجاب خصومه ومؤيديه. وهو الحاكم الذي حقق الأمن وحارب الفساد ولم يتلطخ، شخصياً على الأقل، بأي فضيحة مالية على رغم مرور ثلاث سنوات ونصف سنة على حكمه. وهو النزيه الذي لم يسع لمصلحة شخصية ولم يوظف أياً من أقاربه. وهو الوطني العراقي الذي صمد أمام مطالب الأكراد، غير العادلة في نظر الكثيرين، لكنه لم يستعدِهم، فأبقى على علاقة عمل معهم وحظي باستقبال رسمي وشعبي حافل في كردستان… وهو الشيعي الملتزم المقبول سنياً، والزعيم العراقي ذو السمعة الدولية الجيدة”. ويضيف الكفائي: “نعم هذه صورة المالكي بين أنصاره وكثير من العراقيين، وهي صورة ناصعة تؤهله للفوز في الانتخابات المقبلة، خصوصاً إذا ما قورنت بصورة منافسيه المتهرئة في الشارع.” (2).



خلاصة القول، نعتقد أنه من السذاجة الاستهانة بمخاطر البعث، فالبعث شر مستطير، وتاريخه الدموي معروف، ويتمتع بقدرة التلون بمختلف الألوان وحسب الظروف، بل وحتى يلجأ إلى رفع شعارات الديمقراطية، ولكن في حقيقته لن يتوانى أن يهلك الحرث والنسل في سبيل عودته المشؤومة للحكم. فقد ألدغ الشعب من جحر البعث عدة مرات، ومن الكارثة والجنون أن يلدغ مرة أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش، تقرير جدير بالقراءة:

1- ملف خطير جداًعن خطط حزب البعث بالعراق !

http://iraqnews.elaphblog.com/posts.aspx?U=387&A=29294