الرئيسية » مقالات » عيوب العملية السياسية

عيوب العملية السياسية

تنفسنا الصعداء عندما هبطت الديمقراطية في مطار العراق الدولي وفرشنا على عتبة سلم طائرتها العاجي آمال واحلام وتطلعات شعب نحرت وحمصت عظامه قبضة الحديد والفولاذ والنار لاكثر من اربعة عقود متتالية, وما ان بدأت عجلة الديمقراطية البنفسجية بالتحرك حتى اتضح لنا بأنها لاتختلف عن دكتاتورية القائد الاوحد, فلم تثمر لنا ديمقراطية العراق الجديد سوى مئات بل ألوف المتنفذين والمتنفعين والدكتاتوريين والانتهازين في السلوك والتصرفات, فكأننا ابدلنا صدام حسين بألوف منه, فقد اختلفت التسميات والوجوه ولكن الممارسات والعقليات ظلت كما هي ولكن صناعها تكاثروا وكأنهم قطيع ارانب يعبث في حقل حلوب بلا رادع ولا مانع, فماذا حصل؟, ولماذا فقط في العراق ودون غيره من دول المنظومة الدولية لبست الديمقراطية ثوب الدكتاتور الاستغلالي؟, كي نجيب عن هذا السؤال وغيره من الاسئلة التي اصبحت لاتعد ولاتحصى, علينا ان نبدأ بالبديهيات, فنجاح الديمقراطية يعتمد على استكمال ثلاث مقومات مجتمعة وهذه المقومات هي ثقافة الناخب الانتخابية وسلامة آلية التطبيق ومدى تقبل المسؤول لنتائج العملية الديمقراطية وإلتزامه الكامل بأسسها. فثقافة الناخب في اختيار ممثليه هي عملية تفرض نفسها مع مرور الوقت, ففي اول المشوار وبدون توفر سجل كامل عن نشاط وسلوك المرشحين سواء كانوا اشخاصا او كيانات سياسية في ادارة وقيادة دفة البلد, فأن من الطبيعي ان يعتمد الناخب العراقي على عواطفه في اختيار ممثليه وقادة عمليته السياسية, وهذا بالضبط ما حصل في انتخابات 2005 فالشيعي انتخب الاسلام السياسي الشيعي والسني انتخب اما الاسلام السياسي السني او الاحزاب القومية اما الكورد فقد انتخبوا الاحزاب الكوردية القومية, ولكن وبمرور الوقت وبعد اطلاع الناخب على الاداء الميداني لمن اختاره فأن الناخب سوف تدريجيا يعيد حساباته ويبدأ بالبحث عن الشخص الكفوء بعيدا عن تداعيات العاطفة, فانتخابات 2005 حددت العاطفة هويتها, اما في الانتخابات البرلمانية القادمة فسوف يكون خيار الناخب مبنيا على مزيج مابين العاطفة والسجل العملي للاحزاب والمرشحين خلال الست سنوات الماضية, وشخصيا اتوقع ان تكون خيارات الناخب في انتخابات 2010 مقسمة بالتناصف ما بين العاطفة والاداء, ولكن بعد كم دورة انتخابية سوف تتلاشى ظاهرة العاطفة في تحديد خيارات الناخب, اما آلية الديمقراطية (الدستور) فهذه الطامة الكبرى حيث ان هذه الآلية وضعها المستفيدون والمتنفعون من هذه العملية واغلب عيوب العملية السياسية يمكن ايعازها الى نواقص الدستور العراقي, أما تقبل المسؤول لنتائج العملية الانتخابية ومدى التزامه بأسسها فهذا يعتمد بالدرجة الاساس على سلامة وفعالية قتوات المراقبة كالمعارضة البرلمانية والاعلام والقضاء. ونزاهة وفعالية هذه القنوات تعتمدان بالدرجة الاساسية على سلامة آلية الديمقراطية (الدستور) ولكن حتى ان كانت هذه الآلية سليمة ومتكاملة فأنها تظل بحاجة الى مرحلة نضج فكري حيث من الطبيعي في السنوات الاولى من العملية الديمقراطية ان يكون القضاء مسيرا من قبل الاحزاب المتنفذة ولكن بمرور الزمن سوف تدريجيا يكتشف القضاء بأن قوته ونفوذه تكمن في استقلاليته وليس في ارضاء الاحزاب المتنفعة, وهذا الامر ايضا ينطبق على الاعلام العراقي ففي البداية سوف يكون اما اعلاما سياسيا خاضعا لاجندة الاحزاب المتناحرة او اعلاما مستقلا ضعيفا ومحاربا من قبل وسائل ونفوذ الاحزاب السلطوية واجهزتها الامنية او اعلاما منافقا.

في العراق لم تنطلق العملية السياسية التعددية من نقطة البداية ولكنها انطلقت من تحت نقطة الصفر نتيجة ترسبات فردية حكومات الاربعة عقود الماضية, فليس فقط خضع العراق الى حكم ونفوذ وتسلط اقلية واحدة من مكونات المجتمع العراقي ولكن في زمن البعث الصدامي مارس الطاغية باسم هذه الاقلية سياسة القمع والابادة الجماعية والغاء الهوية للمكونتين الشيعية والكوردية. وبناء عليه اصبح من الطبيعي ان تمارس هاتين المكونتين سياسة الانتقام والمعاملة بالمثل عندما اعيد لهاتين المكونتين حقوقهما الشرعية في المساهمة الصادقة في العملية السياسية. ايضا لم يكن الامر سهلا على المكونة السنية التي تسيدت الساحة العراقية السياسية لأكثر من اربعين عاما ان تجد نفسها قابعة في الظل, مضافا اليها خوفها من انتقام الشيعة والكورد. ايضا وعلى الرغم من أن الشعب الكوردي قد ظلم بنفس الطريقة التي ظلمت بها المكونة الشيعية ولكن القيادات الكوردية تنظر الى هذا الظلم على انه كان نتيجة صراع قومي هدفه نزع الهوية الكوردية عنه بغض النظر عن نسب ومذهب المكونة العائدة لها حكومة بغداد المركزية. هذه العوامل مجتمعة ألغت اول اسس الديمقراطية والمتمثلة بحكم الفئة او التيار السياسي الفائز حيث اصبح عامل المحاصصة والمشاركة هو الصبغة السائدة وحتى تتخلص الاحزاب السياسية من صبغة الطائفية فأن العملية الديمقراطية الحقيقية سوف تظل تتراوح في مكانها فبغض النظر عن ما تفسر عنه صناديق الاقتراع فأن الحكومات العراقية القادمة سوف تظل تعمل ضمن سياق ومفهوم المحاصصة الطائفية مما سوف يفقدها عامل التجانس والمركزية والوطنية.

بعد سقوط نظام الصنم وتهديم جميع مؤسسات الدولة, ارتكبت واشنطن خطأ فادحا متمثلا بتجاهلها الكامل لعراقيي الداخل واناطة قيادة العملية السياسية لعراقيي الخارج الذين اغلبهم ينتمون الى احزاب المعارضة التي اما كونتها دول الجوار او رعتها دول الجوار وذلك ليس حبا بها ولكن من اجل اشباع غريزة عدائها لصدام حسين وتطلعاتها الاقليمية, مضافا اليها ان هذه الاحزاب هي اصلا احزاب طائفية دكتاتورية بحتة ومنذ لحظة ولادتها. وبناء عليه فقد اصبح العراق سوقا لصراع وهيمنة ونفوذ دول الجوار منذ اللحظة التي سقط بها نظام الصنم. وبما ان من اوكل لهم صياغة الدستور العراقي هم اشخاص عائدون الى هذه الاحزاب فأن من الطبيعي ان يكتب الدستور بصورة تمكن هذه الاحزاب الاجنبية المصنع والمنتج من الهيمنة على نتائج العملية الانتخابية ليس فقط في لحظة انطلاقها ولكن لعقود قادمة. فأول نواقص الدستور العراقي هو عدم وجود قانون الاحزاب حيث ان عدم شمول الدستور العراقي على قانون الاحزاب كان عن قصد وليس اهمال لأن هذه الاحزاب مرتبطة بدول الجوار. فدول الجوار تمولها ماليا واعلاميا وتوفر الحماية لقياداتها وعوائلهم وهذه الاموال وباقي اشكال الدعم والاسناد الخارجي وضعتها في موقع السيادة والصدارة والنفوذ وبما ان هذا الدعم الخارجي لا يأتي بدون ثمن حيث ثمنه هو تحقيق سياسيات دول الجوار في العراق على حساب المصلحة الوطنية العراقية فمن الطبيعي ان ترفض هذه الاحزاب فكرة وجود قانون الاحزاب الذي يحرم استلام الاموال المستوردة والدعم الخارجي والنوم في احضان الاجنبي. وبما ان هذه الاحزاب لم تكن احزابا وطنية ولكنها كانت ولازالت احزابا عميلة تعمل لمصلحة الاجنبي على حساب مصلحة الوطن وبما ان تمزيق واضعاف العراق يصب في مصلحة الاجنبي فأن من الطبيعي ان تلجأ هذه الاحزاب الى تفعيل ظاهرة الطائفية وذلك لأن اهداف هذه الاحزاب لم تكن وطنية هدفها بناء دولة ديمقراطية عصرية متمدنة تعمل وتتحرك بيد واحدة ولكن اهدافها مزيج مابين المصلحة الشخصية والفئوية ومصالح دول الجوار. وعليه فقد تقوقعت هذه الاحزاب في اطر الطائفية وتمت صياغة الدستور العراقي بطريقة تساعد على تفعيل ظاهرة الطائفية كتشكيل الائتلافات من اجل خوض الانتخابات والقائمة المغلقة والمنطقة الانتخابية الواحدة والاصوات التعويضية والقاسم الانتخابي, فحتى عندما رفض الشارع العراقي فكرة القائمة المغلقة لم تستجب هذه الاحزاب المتنفعة لرغبة الشعب ولكنها وفقط وجزء من سياسات الضحك على الذقون اعتمدت في قانون الانتخابات المعدل مبدأ القائمة النصف مفتوحة نصف مغلقة. فأحد اهم اسباب تواجد اكثر من ثلاثمائة حزب وتيار سياسي هو فكرة القائمة المغلقة او النصف مفتوحة, فلو كان التصويت على اسماء المرشحين وليس القوائم او الائتلافات لوجدنا بأن القسم الاكبر من هذه الاعداد الهائلة من الاحزاب والتيارات السياسية سوف تتلاشى تدريجيا بعد كل دورة انتخابية وليس بالبعيد ان تتقلص الى احزاب رئيسية لاتتعدى اصابع اليد الواحدة بعد ثلاث او اربع دورات انتخابية ولكن طالما العملية الانتخابية لاتفرز مدى شعبية او ثقل كل مكونة من مكوناتها فأن اعداد الاحزاب والتيارات السياسية مستمر في التكاثر. وإذا اخذنا بنظر الاعتبار العدد الكمي الهائل للتيارات السياسية المشتركة في العملية الانتخابية فمن الطبيعي ان لاتفرز العملية الانتخابية عن فوز مقنع لاحد مكوناتها تمكنه من تشكيل حكومة فعالة يقودها ذراع واحد وليس عشرات الاذرعة او حكومة يختار عناصرها رئيس الوزراء بنفسه وليس حكومة تفرض اسمائها على رئيس الوزراء. فلو اخذنا الائتلاف الوطني الموحد نموذجا واستندنا على نتائج انتخابات المحافظات الماضية فأن هذا الائتلاف المتكون من اكثر من اربعين مكونة سياسية سوف لايحصل على اكثر من 15% من اصوات الشعب. ولو كان التصويت وفق المكونة الواحدة وليس الائتلاف فمن المتوقع حصول المجلس على اقل من 8% من اصوات الشعب والتيار الصدري على 5% والفضيلة على 0.5% وتيار الاصلاح على اقل من 0.5% بينما باقي المكونات مجتمعة بضمنها حزب المؤتمر سوف تتقاسم نسبة ال (1%), فهذه النسبة بعد تقسيمها على اكثر من 40 مكونة سوف لاتكفي لمعقد برلماني واحد. وايضا لو طبقنا نفس المعادلة اعلاه على باقي الائتلافات والقوائم لوجدنا أن اكثر من 250 حزب وتيار سياسي سوف لايحصلون على اصوات تكفي لمقعد برلماني يتيم فوجود هذه الاحزاب والتيارات السياسية ليس له مبرر لأن شعبية المكونة الواحدة لاتتعدى شعبية العائلة والاقارب والعشيرة, اما الاحزاب الرئيسية فيمكن حصرها بأقل من ثلاثين حزبا, وهذه الاحزاب لوحدها لن يكون باستطاعتها تجاوز نسبة العشرة بالمائة, فأكثرها شعبية كالحزبين الكوردين والدعوة والمجلس والوفاق (اياد علاوي), فكل منها لن يكون بمقدوره عبور حاجز العشرة بالمائة وعلى الاغلب سوف تحصل هذه الاحزاب الرئيسية على نسبة اصوات تتراوح مابين 5-10% من اصوات الشعب, بينما احزاب المرتبة الثانية كالصدرين والحوار (المطلك) وحزب ابو ريشة واخوان المسلمين وقائمة التغيير الكوردية والحزب الدستوري فكل منها سوف يحصل على نسبة تتراوح مابين 2-5%. أما باقي الاحزاب الرئيسية كحزب الاصلاح والتجديد والشيوعي والامة والفضيلة, فكل منها سوف يحصل على اصوات تكاد فقط تكفي لمعقد برلماني واحد. وبما أن هذه الائتلافات قد شكلت لغرض واحد وهو المنافسة في الانتخابات فأن هذه الائتلافات سوف تتفكك او يشب الخلاف مابين مكوناتها حال انتهاء العملية الانتخابية ومثلما حدث للائتلاف العراقي الموحد او قائمة العراقية او قائمة التوافق. أذن وبظل آلية العملية الانتخابية الراهنة فأن الحكومة القادمة سوف يقودها حزب شعبيته لاتتعدى العشرة بالمائة من اصوات الشعب وسوف لن يكون بمقدور ائتلاف واحد ناهيك عن حزب واحد تشكيل حكومة متجانسة فعالة لوحده ولكن سوف تسفر انتخابات 2010 وكسابقتها عن حكومة محاصصة او مشاركة او مقاسمة, كل مكونة فيها تعمل لحسابها واهدافها الخاصة. فلو نظرنا الى الائتلافات الرئيسية واعتمدما مرة ثانية على نتائج انتخابات المحافظات فأن القوائم الرئيسية من المتوقع ان لاتحصل على اكثر من النسب المئوية التالية:

ائتلاف دولة القانون 15-20%

الائتلاف الوطني الموحد 10-15%

تحالف علاوي والمطلك 5-10%

القائمة الكوردية 10-15%

قائمة التغير (نشوان) 5-10%

قائمة البولاني وابو ريشة 5-10%

باقي القوائم مجتمعة 20-30%

على الاغلب سوف لاتفرز انتخابات 2010 عن اي تغير جوهري الا اذا تمكنت قوائم علاوي/المطلك والبولاني/ابو ريشة من انتزاع بعضا من اصوات ائتلافي دولة القانون والائتلاف الوطني الموحد, حيث لو حدث هذا الاحتمال فأنه سوف يكون طلقة الرحمة التي سوف تقضي نهائيا على الاسلام السياسي في العراق.