الرئيسية » دراسات » ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة 14

ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة 14

أحداث كركوك في الذكرى الأولى
لثورة 14 تموز

أولاً : التركيب السكاني في كركوك ودوره في الأحداث .
ثانياً : احتفالات الذكرى الأولى للثورة ووقوع الأحداث .
ثالثاً : نتائج أحداث كركوك وانعكاساتها ,
رابعاً : قاسم يهاجم الحزب الشيوعي ويتوعد بمعاقبة المسؤولين عن الأحداث .
خامساً : رد فعل الحزب الشيوعي على إجراءات قاسم.


أولاً: التركيب السكاني لمدينة كركوك، ودوره في الأحداث

قبل الولوج في تلك الأحداث التي وقعت في كركوك، في الذكرى الأولى لثورة الرابع عشر من تموز 1958، لابد أن نستعرض أحوال المدينة، والظروف التي كانت سائدة فيها، والمشاكل التي كانت تعاني منها، والتي كان لها الدور الأكبر في تلك الأحداث.
إن مدينة كركوك تضم ثلاث قوميات رئيسية هي التركمانية، والكردية، والعربية، وبالإضافة إلى ذلك أقلية آشورية.
كانت العلاقة بين القوميتين، الكردية والتركمانية يسودها جوٌ من التوتر والريبة منذُ زمن طويل، يمتد إلى أيام الحكم العثماني، وكان هناك صراعٌ بين القوميتين للسيطرة على المدينة، ولاسيما وأن التركمان كانوا يعتبرون أنفسهم يمثلون الأغلبية فيها، في حين يعبر الأكراد أن كركوك هي جزء من منطقة كردستان.
ولما قامت ثورة 14 تموز 958 1، وقف الأكراد في بداية الثورة إلى جانبها وساندوها بشكل حاسم، بعد تلك المعانات التي قاسوا منها أيام الحكم الملكي الذي قمع ثوراتهم المتتالية، واعدم عدد من قياداتهم، وخرب قراهم، واضطر زعيمهم الملا مصطفى البارزاني إلى اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي منذ عام 945 ا وحتى قيام ثورة 14 تموز 58، حيث سمح الزعيم عبد الكريم قاسم بعودته مع رفاقه البيشمركة، وكرمهم، واسكن البارزاني في قصر نوري السعيد، ومنحه راتب وزير، فيما وقف التركمان بعيدين عن تلك الثورة، على أقل تقدير.
وكان لاصطفاف الأكراد مع جبهة الاتحاد الوطني ودفاعهم عن الثورة أثرٌ كبير في ازدياد حنق التركمان على الأكراد، كما أن الأكراد لم يشعروا يوماً بالاطمئنان للتركمان، الذين اتهموا بالولاء لتركيا، ولم ينسى الأكراد ما فعلته الدولة العثمانية بهم، وقد أستمر تنامي الكره لتركيا، بسبب موقفها من الشعب الكردي في جنوب تركيا، والذي يشكل حوالي 15 مليون نسمة.
لقد وقعت أحداث عديدة في كركوك، وكانت مؤشراً على عمق الهوة بين التركمان والأكراد، بتحريض من عملاء شركات النفط، حيث قام التركمان باغتيال عدد من الأكراد، أذكر من بينهم [ سيد ولي] و[ محمد الشربتجي] ومهاجمة [احمد رضا] بماء النار [حامض الكبريتيك].
كما قامت زمرة منهم بزرع قنبلة تحت سيارة الزعيم الكردي [مصطفى البارزاني] لمحاولة اغتياله، ولحسن الحظ تم اكتشاف القنبلة وتعطيلها قبل انفجارها، فقد كانت تلك المحاولة ستؤدي إلى مذبحة لا أحد يعرف مداها. (1)

ثانياً: احتفالات الذكرى الأولى للثورة ووقوع الأحداث:

أقترب موعد الذكرى الأولى لقيام ثورة الرابع عشر من تموز، وجرت الاستعدادات اللازمة للاحتفال بهذه المناسبة في مختلف أنحاء البلاد، وجرت اتصالات في كركوك مع الجانب التركماني، من أجل أن يكون الاحتفال بهذه الذكرى مشتركاً بين كل القوى السياسية، وكل القوميات، فثورة 14 تموز ثورة الشعب العراقي كله، بمختلف فئاته وانتماءاته وقومياته، غير أن التركمان المتعصبين رفضوا ذلك رفضاً قاطعاً، وأصروا على أن تكون احتفالاتهم منفردة، وفشلت كل المحاولات للجمع بين الأطراف. (2)
وعلى هذا الأساس، تقرر أن تأخذ مسيرة الاحتفال خط سيرٍ بعيدٍ عن منطقة تجمع التركمان المتعصبين، حرصاً على عدم وقوع أي احتكاك بين الطرفين.
نظمت المسيرة من قبل الحزب الشيوعي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، ودعيت [مسيرة الجبهة الوطنية ]، وتقرر أن تكون ساحة المدرسة الثانوية، مكان تجمع المسيرة، ثم تنطلق إلى الشارع الرئيسي في [ قورية]، ثم تمر أمام الثكنة العسكرية قرب الجسر، بالقرب من القلعة القديمة، ثم إلى الجسر الثاني، حيث تتجه إلى شارع أطلس، ومن ثم تعود المسيرة إلى المكان الذي انطلقت منه، في ساحة الثانوية، وقد قررت قيادة المسيرة عدم العبور إلى [الصوب الصغير] منطقة تجمع التركمان، تجنباً لأي احتكاك.
بدأت المسيرة بصورة نظامية، تعلوها الشعارات المقررة سلفاً، والتي تدعوا إلى وحدة القوى الوطنية، من أجل دعم مسيرة الثورة، وكان يتقدمها مجموعات كبيرة من الأطفال يحملون حمامات السلام، وهذا دليل على أنه لم تكن في نية القائمين بالمسيرة ولا في تفكيرهم الاحتكاك أو التصادم مع القوميين التركمان، وكل ما قيل عن تصميم مسبق للمسيرة لمهاجمة التركمان، أمرٌ عارٍ عن الصحة، اختلقته الرجعية، وعملاء شركات النفط، من أجل الإساءة للشيوعيين والبارتيين.
تقدمت مجموعة الأطفال في المسيرة مجموعة النساء، من رابطة الدفاع عن حقوق المرأة، ثم بقية المنظمات، والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الفلاحية والتحق بالمسيرة عدد كبير من الجنود، ومن المقاومة الشعبية.
وما أن دخلت المسيرة [شارع أطلس]، ومرت قرب [كازينو14 تموز]، حتى انهال عليها القوميون التركمان المتعصبون بالحجارة وقطع الطابق من سطح الكازينو، ثم ما لبثوا أن انهالوا عليهم الرصاص من كل جانب، وحلت الفوضى بالمسيرة، وأخذ المشاركون يتزاحمون، ويندفعون للخروج من الشارع الضيق، وديس عدد منهم تحت الأرجل، واستطاع بعض المشاركين في المسيرة شق طريقهم نحو مصدر النيران والحجارة، فيما راحت الجموع تزحف فوق بعضها البعض، في جو من الفزع والفوضى ، وكان منظر الأطفال ، والأقدام تدوسهم مؤلم جداً ، كما سقط العديد من النساء بين الأرجل . (3)
لم يكن في تلك اللحظة من الممكن السيطرة على جموح وغضب الجماهير الشعبية بينما الرصاص والحجارة ما زالت تنهمر عليهم من القلعة القديمة، لكن رد الفعل لدى المشاركين في المسيرة من المواطنين الكرد كان اشد بكثير من الفعل سواء كانوا من العناصر المحسوبة على الحزب الديمقراطي الكردستاني أم الحزب الشيوعي، فقد تغلبت الدوافع القومية لدى الأكراد بما فيهم الشيوعيين منهم، والمعبأة بالكراهية بين القوميتين الكردية والتركمانية، مما أفقد القدرة لدى قيادة المسيرة على السيطرة على جموح المشاركين فيها، والذين اندفعوا للانتقام من العناصر التركمانية، وخاصة المعروفة منهم بعدائها للكرد، وللشيوعيين.

وهكذا انفلت الوضع، وباتت السيطرة عليه شبه مستحيلة، وسيطرت روح الانتقام، ووقعت الواقعة التي كان يخشى من حدوثها، وانطلقت لغة الرصاص الذي ستمر ثلاثة أيام متتالية، ولم يسكت إطلاق الرصاص إلا بعد أن نزلت قوات الجيش والمقاومة الشعبية، وجرت مصادمات عنيفة بين قوات الجيش والمقاومة الشعبية وبين العناصر التركمانية، وجرى تمشيط القلعة للبحث عن المسلحين، وقد جرت مشاركة المقاومة الشعبية بطلب من قيادة الفرقة الثانية، بموجب توجيهات وصلتها من بغداد، وكان حصيلة تلك الأحداث ،مقتل [ 32 ] فرداً معظمهم من التركمان، وتم اعتقال عدد آخر منهم وضعوا رهن التحقيق.

ثالثاً : نتائج أحداث كركوك وانعكاساتها:
إن احداث كركوك، لم تكن إلا مؤامرة دبرتها القوى الرجعية المعادية لثورة 14 تموز ومسيرتها، ولم يكن عملاء شركات النفط بعيدين عن تلك الأحداث، ومحرضين عليها.
لقد جرى تضخيم تلك الأحداث، وفبركة وقائع لم تقع إطلاقاً، وظهرت شائعاتهم التي كانت تقول أنه كانت هناك مجزرة أُعد لها مسبقاً، وذهب ضحيتها المئات، بل الألوف، ملصقين أشنع التهم بالحزب الشيوعي، من أجل استعداء السلطة عليه وجرى تصوير جثث عدد من القتلى من جهات مختلفة، وكانت الوجوه مشوهة، لكي يقال أن عدد القتلى كان كبيراً، كما تكّشف فيما بعد، أن كثيراً من صور حرب التحرير الجزائرية، وجرائم المستعمرين الفرنسيين، ضد الشعب الجزائري قد استخدمت في ذلك التزييف، لكي يصوروا ما حدث وكأنه مجزرة كبرى قام بها الشيوعيون ضد التركمان، في حين كان الحزب دائم الحرص على تمتين عرى الاخوة العربية التركمانية، وبيانات الحزب المنشورة في صحيفته [اتحاد الشعب] خير دليل على ذلك، فقد ورد في الصحيفة في عددها الصادر في 3 آب 1959 ما يلي : (4)
{ إننا ننبه أولئك الرجعيين الشوفينيين الذين يوغرون صدور التركمان، ويثيرون المخاوف بين الكردي والعربي والتركماني، ويزرعون في عين الوقت بذور الفتن ويبثون الشكوك والأكاذيب بين الجماهير الكردية، ضد إخواننا التركمان، إننا ندعو المواطنين الكرام إلى التزام جانب الحذر واليقظة، والتمسك بعرى الاخوة والاتحاد بين مختلف القوميات} .
وفي شهادة مدير شرطة كركوك أمام المجلس العرفي العسكري حول الأحداث ورد فيها ما يلي:
{ إنه بسبب العداء المستحكم بين التركمان والأكراد، وبالنظر إلى الاستفزازات التي قام بها التركمان، والتي سبقت المسيرة، وفي أثنائها اتخذت التدابير المقتضية من قبلنا، وفي حوالي الساعة السابعة، عندما وصلت المسيرة إلى الجسر القديم، وهي في طريقها إلى القلعة، اقتربت منها تظاهرة للتركمان، وكان أهلها يركبون سيارات تابعة للجيش، فتدخلت الشرطة، وحجزت بين الطرفين، وتقدمت المسيرة حتى وصلت إلى مقهى 14 تموز، وهي مقهى يرتادها التركمان، وعلى حين غرة انهالت الأحجار فوق رؤوس المشاركين في المسيرة، وصار هرج ومرج، ثم تطور ذلك إلى استخدام السلاح، ودوى صوت إطلاق الرصاص على المسيرة.

أخذ الجنود وقوات المقاومة الشعبية يطلقون الرصاص باتجاه مصدر النيران والحجارة، وكانت غالبيتهم من العناصر الكردية، وقد تمللكم الحنق والكراهية وُقتل نتيجة ذلك 20 فرداً من التركمان، وجرى سحل بعضهم، وكان ذلك العمل بشعاً ومرفوضاً، وكان من بينهم[عطا خير الله] و[عثمان الجايجي] صاحب المقهى، واثنان من أبناء مختار محلة الخاصة [فؤاد عثمان]، وبلغ عدد الجرحى من الطرفين [ 13] فرداً، وقد جرى خلال تلك الأحداث مهاجمة 70 مقهى ومحل تجاري عائدة للتركمان، وجرى نهبها أو إحراقها. ( 5)

رابعاً:قاسم يهاجم الشيوعيين ويتوعد بمعاقبة المسؤولين عن الأحداث:

بدأت التقارير والصور والعرائض من قبل التركمان، تنهال على عبد الكريم قاسم تتهم الشيوعيين بتدبير مجزرة في كركوك ضدهم، وصدّق قاسم تلك التقارير والصور، قبل أن يجري أي تحقيق.
ربما لم يدرك ألاعيب الرجعية، وعملاء شركات النفط، التي غذت تلك الأحداث وضخمتها من أجل تمزيق وحدة القوى الوطنية، وبالتالي إضعاف السلطة وعزلها عن أشد المدافعين عنها.
وربما أراد قاسم نفسه بالذات، تضخيم تلك الأحداث، واتخاذها مبرراً لإضعاف الحزب الشيوعي وتحجيمه، ومن ثم ضربه، بعد أن تنامت قوته، وتوسع تأثيره على مجرى الأحداث في البلاد، فلقد سارع قاسم إلى عقد مؤتمر صحفي تحدث فيه عن الأحداث قائلاً:
{ إن الفوضويون يتوجهون إلى المنازل التي أُشروا عليها سابقاً في خرائطهم، فأخرجوا أصحابها، وفتكوا بهم}. (6)
وقد تبين فيما بعد، أن دائرة الكهرباء هي التي قامت بوضع إشارات على الدور، لأسباب فنية وإدارية تتعلق بعملها. (7)
وفي 2 آب 1959، ذكر قاسم أن عدد القتلى كان [79] فرداً، ثم عاد في 2 كانون الثاني وأكد أن عدد القتلى لا يتجاوز (32 ) فرداً، وقد تأكد للمجلس العرفي العسكري أن عدد القتلى كان ( 32 ) فرداً منهم (29 ) تركمانياً، و( 3 ) أكراد، وجرح ( 130 ) فرداً بينهم (6) أكراد أستمر قاسم في مهاجمة الحزب الشيوعي، وكانت خطاباته عنيفة جداً، وتصريحاته لا تخلو من التهديد والوعيد، وكان رد فعله عنيفاً أثناء خطابه في كنيسة مار يوسف، وفي مؤتمره الصحفي، وفي حديثه مع وفد اتحاد نقابات العمال في 4 آب 1959. (8)

ففي خطابه في كنيسة مار يوسف، قال عبد الكريم قاسم:
{ إن ما حدث أخيراً في كركوك، فأني اشجبه تماماً، وباستطاعتنا أيها الاخوة، أن نسحق كل من يتصدى لأبناء الشعب بأعمال فوضوية، نتيجة للحزازات، والأحقاد والتعصب الأعمى. أنني سأحاسب حساباً عسيراً أولئك الذين اعتدوا على حرية الشعب في كركوك بصورة خاصة، ثم أضاف قاسم قائلاً :
أولئك الذين يّدعون بالحرية، ويدّعون بالديمقراطية، لا يعتدون على أبناء الشعب اعتداءً وحشياً. إن أحداث كركوك لطخة سوداء في تاريخنا، ولطخة سوداء في تاريخ ثورتنا. هل فعل ذلك جنكيز خان، أو هولاكو من قبل؟ هل هذه هي مدنية القرن العشرين؟ لقد ذهب ضحية هذه الحوادث 79 قتيلاً، يضاف إليهم 46 شخصاً دُفنوا أحياء، وقد تم إنقاذ البعض منهم}. (9)
لكن قاسم ما لبث أن تراجع قليلاً عن كلامه قائلاً:
{ إننا لا نلقي اللوم والمسؤولية على مبدأ، أو حزب معين، الأفراد هم المسؤولون عن هذه وسنحاسبهم كأفراد، ولا نريد اضطهاد المنظمات}!!. (10)

لقد كان قاسم في تلك الأيام على غير عادته، قد فقد توازنه، وانساق بشكل عاطفي أنساه ما أعتاد عليه من حذر وصبر وأناة، فكانت خطاباته تلقي الحطب على الحريق، وتبين أن ما ورد حول دفن الأحياء لا أساس له من الصحة، كما ورد في محاكمات المجلس العرفي العسكري. (11)
وتبين فيما بعد أن قاسم أراد استغلال تلك الأحداث كذريعة لتحجيم الحزب الشيوعي وإضعافه، وضربه، بعد أن توسع نفوذه في صفوف الجماهير، وقد أرعبته مسيرة الأول من أيار 1959، والتي رفع خلالها الحزب الشيوعي شعار إشراكه في السلطة { عاش الزعيم عبد الكريمٍ، الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم} .
هكذا إذاً وجد قاسم أن استخدام أحداث الموصل وكركوك خير ذريعة لتوجيه ضربته للحزب. ولا بد لكل منصف، وحيادي أن يسأل:
1 ـ مْن بدأ الاعتداء على المسيرة ؟ ومن أطلق النار وقذف الحجارة ؟
2ـ منْ زور الصور، وصوّر الأحداث كأنها مجزرة كبرى قالت عنها أذاع راديو [ صوت العرب] بأن عدد القتلى بلغ [ 3500 فرداً] ؟ (12)
3ـ هل خُدع قاسم بالتقارير التي نُقلت له عن تلك الأحداث؟ وهل كان من الصعب عليه الوصول للحقيقة؟
4ـ هل كان قاسم يعرف الحقيقة، لكنه أراد استخدام تلك الأحداث لتوجيه ضربته للحزب الشيوعي؟
5ـ هل كان بمقدور الحزب الشيوعي خلال تلك الأحداث، السيطرة على الجماهير الغاضبة، ومنع القتولات التي حصلت، وما رافقها من سحل للجثث؟
6 ـ ما هو دور عملاء شركات في تلك الأحداث؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تلقي الضوء على تلك الأحداث التي كانت تمثل بداية الانتكاسة لثورة الرابع عشر من تموز، واستمرت في تراجعها حتى وقوع انقلاب الثامن شباط 963 1.
لقد قام قاسم بتشكيل لجنتين للتحقيق، ومنحهما صلاحيات واسعة، وأرسل الأولى إلى الموصل والثانية إلى كركوك، وزودها مسبقا بأسماء ابرز الشيوعيين المعروفين في المدينتين المذكورتين، مع مذكرات بإلقاء القبض عليهم، حيث جرى اعتقالهم، مما يشير إلى قرار مسبق من الزعيم عبد الكريم قاسم بتقليم أظافر الشيوعيين تمهيداً لضرب حزبهم وإخراجه من الساحة السياسية، بعد أن حصلت لديه القناعة أن الحزب الشيوعي بات قاب قوسين أو أدنى من انتزاع السلطة !!.
وطافت سيارات عسكرية مجهزة بمكبرات الصوت، داعية الناس إلى التقدم للشهادة ضد المعتقلين، المتهمين بأحداث الموصل وكركوك، وأُحيل المعتقلون إلى المجالس العرفية العسكرية لتحكم عليهم بأحكام قاسية وطويلة، وسيق المحكومون إلى سجن [ نقرة السلمان] السيئ الصيت، والذي أنشأه نوري السعيد في وسط الصحراء بعيداً عن أهلهم وذويهم ، وحينما وقع انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963 وجد الانقلابيون الصيد في القفص، حيث أسرعوا إلى إعادة محاكمتهم من جديد، خلافاً للقانون، بعد أن استخدموا معهم أبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وأصدروا بحق العديد منهم أحكام الموت، ونفذوها في شوارع الموصل وكركوك .
خامساً: ما هو رد فعل الحزب الشيوعي على إجراءات قاسم؟

جاء رد فعل الحزب الشيوعي على الهجوم الذي شنه قاسم عليه سريعاً، حيث أعلن الحزب في مقال افتتاحي لصحيفة الحزب [ اتحاد الشعب ] وجاء فيه:
{ قيل عنا بأننا نؤمن بالعنف، ضمن إطار الحركة الوطنية، وبعلاقاتنا مع القوي الوطنية الأخرى. إن هذا محض دس وافتراء، يقصد به التشهير ليس إلا، وكنا قد أكدنا في مقال افتتاحي معروف نُشر منذُ زمن بعيد، بأن الأسلوب هو المحك، ولكن يبدو الآن أن هناك نية متقصدة لُيقرن هذا الموقف الصحيح الثابت باندفاع بعض البسطاء، وغير الحزبيين من جماهير الشعب.
نحن نرفض وندين بصورة مطلقة كل أشكال الاعتداء على الناس الأبرياء، وأي عمل من أعمال التعذيب حتى بحق الخونة، إن إدانتنا لهذه الممارسات هي إدانة مبدأية}. (13)
وفي الثالث من آب 1959، نشر الحزب موجز التقرير الموسع لاجتماع اللجنة المركزية للحزب الذي أكد على إدانة كل شكل من أشكال الاعتداء، والعنف ضد الخصوم السياسيين، وكل أعمال القتل، أو السحل، أو النهب والحرق، التي حدثت في كركوك والموصل، مؤكداً على أهمية الحلف بين الحزب والسلطة، وكافة القوى الوطنية من أجل دفع مسيرة الثورة إلى أمام لتحقيق أماني الشعب، مؤكداً السير بخطى ثابتة مع قيادة الثورة، وحماية مكتسباتها التي هي ثمرة تضحيات كبيرة عبر السنين. (14)
لقد كانت أحداث كركوك تمثل القشة التي قصمت ظهر البعير، كما تقول الأمثال بالنسبة للحزب الشيوعي، وقد اتخذها عبد الكريم قاسم ذريعة لشن هجومه على الحزب واصفا تصرفاته بأنها أسوأ من تصرفات هولاكو، ولا شك في أن تلك التشبيهات لا صلة لها بالواقع .
لكن موقف الحزب الشيوعي أتسم بعد أحداث كركوك بالتراجع، والضعف، ولم يتخذ موقف الدفاع عن نفسه ضد الهجمة الشرسة التي شنتها القوى الرجعية ضده وساعدها جهاز السلطة الموروث عن العهد الملكي، وكان لموقف قاسم من الحزب الأثر الحاسم في دعم تلك الهجمة من أجل تقليص دور الحزب وتحجيمه، وتوجيه الضربات المتتالية له، كما سيرد فيما بعد.

توثيق الفصل السابع
(1)سلام عادل ـ سيرة مناضل ـ ثمينة ناجي يوسف ونزار خالد ـ ص 66 ـ67 .
(2) العراق ـ الكتاب الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 226
(3) نفس المصدر السابق
(4) بيان صادر من ا الشيوعي العراقي في 3 أيلول 1958
(5) تقرير الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ـ أواسط تموز 1959 .
(6) العراق ـ الجزء الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 269 .
(7) صحيفة اتحاد الشعب ـ العدد 131 ـ 29 حزيران 959 .
(8) ثورة 14 تموز ـ د . ليث الزبيدي ـ ص 252 .
(9) نفس المصدر ـ ص 253 .
(10) المصدر السابق ـ ص 255 .
(11)محاكمة المتهمين بأحداث كركوك أمام المجلس العرفي العسكري في أيلول 1959 .
(12)إذاعة صوت العرب من القاهرة
(13) افتتاحية اتحاد الشعب في 2 آب 1959 .
(14) صحيفة اتحاد الشعب في 23 آب 1959 .