الرئيسية » مقالات » دولة القانون الدولة الحلم(3)

دولة القانون الدولة الحلم(3)

للمرأةِ صوت يجب أن يُسمع, وكلمة يجب أن تُقال, ورأس يجب أن يُرفع, ودور يجب أن يُفعل, وطاقة يجب أن تعمل, في وطن يجب أن يُبنى بسواعد الجميع.

ما زال المجتمع العراقي يرزح تحت نير عبودية مرحلة ذكورية الجاهلية الأولى, أو عاد إليها بسبب تطرف بعض الحركات الإسلامية التي تعمل بولاءات عقائدية تفرضها بعض المرجعيات الطائفية المتعصبة بقوة مليشيوية مسلحة كالقاعدة وغيرها كثير.

لقد تجاوز العالم المتمدن العبودية الذكورية إلى الحرية والعلم والصناعة والمساواة ” المقبولة بقياس تطور العقلية التي تمر بها البشرية وليس المساواة المطلقة “, وهذا يؤكد وجودنا على هامش الحاضر, واقعنا مكتظ بالماضي, واستشراف المستقبل والانتقال إليه واللحاق بركب الأمم المتحضرة عمليه شبه مستحيلة قبل التخلص من أدران الماضي وقيوده. بمعنى آخر نحن نستحضر الماضي ونعيش فيه أو نتمنى, بعيداً عن المرحلة التاريخية التي تمر بها البشرية أو متخلفين عنها وفي وضع مزري لا نحسد عليه.

المرأة في العراق تعاني فقدان الحريات والتهميش والإقصاء, والاستخفاف بالحقوق, تعاني التمييز المدمر للنفس والجسد والروح, من عدم تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والمعاملة والعلاقات, وبالتالي تعاني صعوبة التعبير عن الذات وتحقيقها, تعاني الحرمان من الرياضة والنوادي الرياضية وحضور الأنشطة الثقافية والاجتماعية والسياحة إلا بإذن الولي الذكر، ومن أوامر سماوية إلهية يحرس تنفيذها أوصياء الله على الأرض, من رجال دين معممين, وجند وأنصار الله المليشيويين, والويل لمن يرفض أو يقول ” لا ” فمصيره أما القتل برصاصة طائش من كاتم صوت تسجل ضد مجهول, أو طعنة من غادر ساقط ذليل مرذول, والضحية أما امرأة, أو أُم تخلف أيتاماً أو رجل يترك أرملة وأيتام, أو مثقف أو عالم أو فنان يسعد الإنسان, أو موسيقي يغذي الروح ويهذب الأخلاق, أو مطرب ينعش النفس بشدوه ويطرّيها, ينتظر المجني عليه حسب عقيدتهم تنظير عذاب القبر, ونار جهنم الملتهبة التي يغذيها الله بالحطب ليل نهار لديمومة حفلة الشواء والصراخ والعويل الأبدية.

التمييز ضد المرأة في مجتمعنا متأصل متواصل موصول في كل العهود والعصور, كأنه قدر لا مفر منه, يُمارس بشكل يومي في العمل في المدرسة في الشارع في البيت, التمييز ضد المرأة تقاليد راسخة, وثقافة مجتمعية, وأعراف مرعبة مرعية, وعادات موروثة متوارثة, فضلا عن نصوص إلهية ومواد قانونية, بمعنى آخر المرأة الضحية تخضع لمنظومة عقائدية وقانونية جائرة, تبقي المرأة تابع ذليل والرجل كينونة مستقلة.

العادات والتقاليد والسلوك بشكل عام, هي نتاج عملية تدريبية مستمرة تسمى التربية, داخل البيت وخارجه في الشارع والمدرسة والعمل, التدريب يدخل في كل أنشطتنا الحياتية, نكتسب بواسطته الخبرة والمهارة وأساليب العيش وكيفية إدارة العلاقات.

الطائفية والتكفير والإرهاب, الاستبداد والعنف, الأنانية والكراهية والتمييز والعنصرية, الجهل والفساد …الخ, تدريب يومي تضطلع به المنظومة التاريخية والعقائدية. يقوم به متعصبون عُمي لا يرون الواقع ومتطلبات الناس ويعملون وفق محتويات رؤوسهم الفارغة من كل جديد وحديث, يرون الحق بجانبهم, وعقيدتهم يقين مطلق, صحيحة لا يتسرب إليها الشك, ملزمة للجميع.

اكتساب المهارات الجسمانية والتقنية والعلمية والفنية والأدبية والروح الإجتماعية والوطنية ومتطلبات البناء والتنمية…إلخ, عملية تدريبية تضطلع بها المنظومة الفكرية والثقافية والسياسية والقانونية للمجتمع.

المرأة الأم يجب أن تتصدر المنظومة الفكرية والثقافية للمجتمع, هي المدرسة الأولى للتدريب والتعلم, وإعداد هذه المدرسة مهمة وطنية وإنسانية, التعليم يجب أن يكون للنساء أولا لأهميته ثم للرجال, هي الأقرب للطفل في الخمس سنوات الأولى, أهم واخطر مرحلة من عمر الطفل, , هي من يبدأ غرس حب الوطن والناس وجعل الإنسان منتج ومفيد, هي من ينمي ويرسخ المحبة والتآخي والسلام والأمانة والأخلاق والمبادئ الإنسانية …إلخ فينا.

المرأة الأم هي العامل المؤثر الرئيس في عملية التنمية وتطور المجتمعات, المرأة هي التي تصنع المستقبل, هي من تربي الأجيال على حب العمل والعلم والبناء, هي من يضفي البهجة والسعادة والمعنى على هذا العالم, وصدق حافظ إبراهيم عندما قال : الأم مدرسة.
أقتطع جزءً من قصيدة الشاعر
الأُمُّ مَـدْرَسَــةٌ إِذَا أَعْـدَدْتَـهَـا
أَعْـدَدْتَ شَعْبـاً طَيِّـبَ الأَعْـرَاقِ
الأُمُّ رَوْضٌ إِنْ تَـعَهَّـدَهُ الحَـيَــا
بِـالـرِّيِّ أَوْرَقَ أَيَّـمَـا إِيْــرَاقِ
الأُمُّ أُسْـتَـاذُ الأَسَـاتِـذَةِ الأُلَـى
شَغَلَـتْ مَـآثِرُهُمْ مَـدَى الآفَـاقِ

يبقى المقال مجرد تصورات منصفة وأحلام في إطار الخيالات والتمنيات, لن تتحقق إلا في ظل دولة القانون المرتجاة, والتي تشكل خطوة نوعية لتحقيق حلم العراقيين في الحرية والعدالة والمساواة, دولة القانون تعني إحترام الإنسان وحريته وقيمة وجوده في هذه الحياة وعلى هذه الأرض, دولة القانون هي السند القوي للديمقراطية الواعدة بالعراق, والديمقراطية لابد مفضية إلى دولة القانون.

تراجي ذهب : دولة القانون حرب مقدسة على العنف والعنصرية والتمييز واللامساواة.