الرئيسية » مقالات » مجلس للنواب أم مجلس لكتم الأصوات !

مجلس للنواب أم مجلس لكتم الأصوات !

تناقلت وسائل الإعلام المختلفة خبراً عن نية مجلس النواب العراقي مقاضاة كل من يتحدث أو ينتقد الامتيازات التي يحصل عليها أعضاء هذا المجلس، لأنهم يعتقدون أو يتصورون أو يتوهمون أنهم فوق الجميع و أنهم ذوو درجات و منزلة لا ترقى إلى اللوم والنقد وتصويب الأخطاء.
في بلد يتجاوز عدد الفقراء فيه نسبة 25% من سكانه وعدد أرامله تجاوز الثلاث ملايين وتشكل البطالة بين أوساط شبابه نسباً غير مسبوقة ولا معقولة، يتسابق السياسيون الجدد في العراق الجريح إلى نيل المكاسب المادية التي لو تفرغ احد علماء الرياضيات لحسابها لأصابه الذعر و التوجس.
في جردة بسيطة لراتب عضو مجلس النواب خلال السنة الواحدة سنرى انه يبلغ بحدود 300 ألف دولار، دونما المرور على أنواع المخصصات و الايفادات والمكافآت وغيرها، وإذا علمنا أن مجلس النواب العراقي يتمتع بعطل ربيعية وخريفية وشتوية وصيفية وأعياد ومناسبات وعدم اكتمال النصاب والذي منه، يتضح أن المجلس ربما لا يعمل أكثر من 9 أشهر في السنة على ابعد تقدير، وهذا يعني أن الراتب سيكون 300 ألف دولار لتسعة أشهر أن لم تكن اقل، ولكم أن تقارنوا هذا الراتب مع راتب موظف عراقي يخرج من الفجر ليعود عند مغيب الشمس وينال ما ينال من صعوبات النقل ومضايقات نقاط التفتيش و المخاطر الأمنية وووو ليحصل ربما 2000دولار أو يزيد.
أما قانون التقاعد الخاص بالنواب الذي فصل تفصيلا، فعضو مجلس النواب العراقي سيحصل على 80% من راتبه بعد انتهاء الدورة التشريعية، أي ما لايقل عن 220 ألف دولار لأنه خدم العراق اقل من أربع سنوات، في حين يتقاضى الموظف الذي يخدم العراق أكثر من 15 سنة راتبا لا يتجاوز 150دولار،ولكم أن تنظروا إلى الفارق الكبير والشاسع بين الرقمين وسنوات الخدمة ومقدار الجهد المبذول .
ثم كيف نفسر سعي أعضاء مجلس النواب الحصول على أراض في مواقع مميزة وملايين العراقيين يسكنون في بيوت طين في أماكن غير قانونية و بعضهم متجاوز على أملاك الدولة وآخرون يقضون حياتهم في مكبات النفايات لايجدون في وطنهم الغالي شبرا يسجل باسمهم، حتى أضحى الكثير منهم يصرخ ” لايربطني بالعراق سوى هوية الأحوال المدنية فتعالوا أخذوها لا أريدها” ، ثم جاءت معمعة الجوازات الدبلوماسية للنواب وعوائلهم وأقاربهم ومن لف لفهم لتكشف المستور على أن نوابنا لا يهمهم العراق ولا شعبه وإنما المهم مقدار ما ينالون من مكاسب خلال فترة دورتهم التشريعية، حتى وأن تعالت أصوات المنتقدين والرافضين والناصحين من سياسيين وإعلاميين ومثقفيين وآخر المنتقدين ممثلي المرجعيات الدينية، وكأن أعضاء مجلس النواب لايمثلون سوى أنفسهم رغم أن الكثير منهم ينحدر من أحزاب دينية يفترض ووفق هذا المنظور أنهم يستحرمون كل هذا لأنهم يؤثرون أنفسهم على الشعب.
تخيلوا أن مئات الآلاف من منتسبي هيئة التصنيع العسكري والعاملين بصيغة العقود من وزارة الإعلام المنحلة لم يتقاضوا أي مستحقات أو رواتب طيلة السنوات الست الماضية وبعض العسكريين من الجيش العراقي السابق يتقاضى 125 ألف دينار كل شهر دون أن ينبري أحد من ممثلي الشعب ويصرخ أنصفوا هؤلاء الناس فقد انتخبونا وأوصلونا إلى هنا؟؟؟
لانريد أن نغمط حقوق النواب و ندعي أن العراقيين ينظرون إليهم نظرة لا يرضوها على أنفسهم باعتبارهم ممثلين عن هذا الشعب الذي عانى الويلات، ولانريد منهم أن يتساووا مع بقية موظفي الدولة ولا نريد منهم أن يعانوا من شظف العيش وقحطه، ولا نريد منهم أن يخرجوا إلى الشارع ويقفوا في طوابير نقاط التفتيش ويشربوا من ماء الإسالة والأنهر و يعانوا من الحفر و المطبات والمستنقعات وغيرها لأنهم، بلا أدنى شك، هم أبناء هذا الوطن، لكننا نتمنى عليهم أن ينتبهوا لشيء واحد محدد…وهو أن من وضعهم في هذا المكان الذي من منبره يطالبون بامتيازاتهم هو الشعب لا غيره وأن نقمة الشعب ودعاء المظلومين منه لاتقف كل أموال الدنيا حائلا أمامه وهو يتجه إلى ربه.
أما التهديد بكتم أصوات المنتقدين فأعتقد انه من مخلفات وعقلية الأنظمة الدكتاتورية التي عافها الزمن وأصبح مصيرها مزبلة التاريخ، كيف يكون النائب ممثلا للشعب ولا يسمح للآخرين بإعلان رأيه وإبداء ملاحظاته وبيان الأخطاء والمثالب، فهل يعقل إذا أراد إعلامي أو مثقف قول كلمة عليه استئذان مجلس النواب؟
وكيف يبيح أعضاء المجلس لأنفسهم شيئاً ويحرموه على باقي الناس؟ فطيلة ساعات النهار والليل يتقاذفون بالنقد واللوم والمعارك الكلامية بينهم حتى يجعلوا من الفضائيات ساحة معركة وينعكس كل ذلك على التوترات في الشارع العراقي لكنهم يقاضون كل من يقول أن أعضاء المجلس يتقاضى امتيازات خيالية لا يعرفها شرق ولا غرب.. أنها من غرائب العراق و الساسة الجدد اللذين يرون أن المنبر السياسي وجد للكسب وليس لشيء آخر.