الرئيسية » مقالات » المجتمع وراء البغاء

المجتمع وراء البغاء

البغاء من الظواهر المستهجنة في جميع المجتمعات ولا تحضي البغي باحترام الناس أو تعاطفهم ليس لمزاولتها الدعارة وإنما لنفاق المجتمع ومحاولته التستر على جريمته في رواج البغاء،وللبغاء أسبابه العديدة في مقدمتها العوز المادي أو المحيط الأسري أو الحاجة لإرضاء الغريزة أو الظلم الاجتماعي وهذه العوامل لا تكون الداعرة فيها هي السبب وإنما هي نتيجة لجريمة وقعت عليها من جهة أخرى لا تتحمل هي مسئوليتها بقدر ما يتحمله المجتمع أو العرف أو الأخلاق أو الظلم الاجتماعي الذي أوصلها لهذا الطريق لذلك تتحمل المرأة جزء من هذا التصرف فيما يتحمل المجتمع الجزء الأكبر وبذلك علينا محاسبة المجتمعات فبل محاسبة الداعرات وعلينا تبين مواقع الخلل في المجتمع لإمكانية معالجة هذا الداء الذي نحاربه نظريا ونشجعه عمليا من خلال تهيئة الظروف لنموه وانتشاره بما نقدم له من محفزات.

في الجانب المادي تتحمل الدولة مسئولية تأمين الضمان الاجتماعي لكل فرد فيها وتقع عليها مسئولية رعاية المحتاجين فعلا فالأرامل جراء العمليات الإرهابية أو العسكرية أو الطبيعية هناك في القانون ما يشير الى ضرورة تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم لهن ومنحهن الراتب الذي يقيهن الحاجة ويؤمن لهن ولأطفالهن العيش الكريم ،ولكن الدولة العراقية عاجزة لحد الآن عن وضع إحصاء للمشمولين بهذا القانون وبالتالي لم تتمكن من توفير المقدمات الأساسية لتطبيقه لذلك تضطر المرأة لسلوك مثل هذه الطرق بعد أن تخلت عنها الدولة ولم تؤمن لها ما يقيها العوز والاضطرار لسلوك هذا المركب الوعر،وتتحمل المؤسسات المختلفة إنسانية ودينية واجتماعية جزءا من الغرم لأنها لم تحاول أيجاد الحل أو تقديم المساعدة رغم قدرتها على توفيرها بما تمتلك من أموال وما تهيأ لها من قدرات،بل شاركت تلك المؤسسات عندما أوحت لها بصحة هذا السلوك من خلال المتعة الشرعية التي تكون الطريق الأول للسير في دروب الرذيلة بعد أن يتم أغرائها عن هذا الطريق وهناك آلاف النساء يتكسبن عن هذا الطريق من خلال مكاتب لها حصتها في الإيرادات المادية لهذه الأعمال التي هي زنى مؤطر بإطار ديني لا ينفي خروجه عن المألوف الاجتماعي السائد.

في الجانب السلوكي نلاحظ أن هناك أسر ومجمعات تتفشى فيها هذه الظاهرة وتنتشر لتتوارث جيل عن جيل بسبب طبيعة التربية الأسرية التي لا تبنى على أسس من الكمال الخلقي مما لا يعصم أبنائها من السير في هذا الطريق وهذه المجتمعات الموبوءة بهذا الداء تتناسل وتتوالد لتنتشر في حالت انتقالها من مكان الى آخر لسبب من الأسباب وربما تكون هذه الأسر وراء السقوط الأخلاقي لأخريات من خلال أغرائهن أو تمهيد الطريق لهن لتبني هذا السلوك وبالتالي يكون للمحيط والأسرة أثرهما في انتشار وتوزع هذا النوع من البغاء،والملاحظ أن المجتمع الغجري الذي تنموا فيه هذه الظاهرة وتأخذ طابعها الاجتماعي المقبول كان له الأثر الكبير في امتدادها وتوسعها من خلال حمايته للهاربات من أسرهن لارتكابهن عملا طائشا فيجدن الملاذ الآمن في هذه الأوساط ويصبحن بمرور الزمن من محترفات مهنة بيع الجسد وفي حال الانتقال الى مدينة أو حي آخر ينفتح لهن المجال لتوسيع هذه الظاهرة وانتشارها وهو ما لاحظناه بعد سقوط النظام ألبعثي عندما قامت القوى الجديدة بتشتيت التجمعات السكانية للغجر وتضييق الخناق عليهم في ممارسة مهنتهم المشروعة اجتماعيا لديهم والمحمية من الحكومات السابقة مما جعل الكثير منهن يلجأن لسكن المدينة مما فاقم المشكلة أكثر فأخذت بالتمدد والتوسع لتشمل عوائل أخرى سارت في طريق بيع الجسد من خلال أغراآت الغجريات وتأثيرهن على هاتيك النسوة بجرهن شيئا فشيئا للمضي في ها الطريق لكسب المال وإرضاء الشهوة وتأمين ما تحتاجه من مستلزمات الحياة.

والأمر الذين علينا وضعه في المقدمة أن البعض من النساء لديهن الشهوة الجنسية العارمة التي لا تجعلهن يكتفين برجل واحد أو ممارسة واحدة فيحاولن إشباع نهمهن من خلال ممارسة البغاء وهذا العامل له انتشاره الواسع وكثرته هي الغالبة في المجتمع العراقي حيث يسعى الكثير من النساء للحصول على اللذة وإرضاء الذات رغم عدم حاجتهن لمال،وبعضهن اضطررن لسلوك هذا الطريق بسبب الزواج غير العادل فقد تجبر المرأة على الزواج ممن يكبرها سنا أو لا يمتلك وسامة تتناسب وطموحها،أو لا يستطيع توفير ما تصبوا إليه من حاجة جنسية فتضطر للبحث عن بديل عن طريق العلاقة الخارجية وربما يتطور الأمر للبحث عن أكثر بعد أن تتذوق حلاوة اللذة المحرمة التي هي الأجمل والأكثر أثارة من لذة العلاقة الزوجية بما يصاحبها من ملل ورتابة وجمود ،وخصوصا إذا كانت المرأة نزاعة للتغيير أو وجدت في زوجها سلوكا آخر بطموحه لبناء علاقات مع أخريات فتضطر بحكم مقابلة المثل بالمثل للدخول في متاهة الممارسة الجنسية خارج أطار الزواج.

والأمر الذي علينا عدم الاستهانة به أن ظاهرة البغاء وجدت مع وجود البشرية وربما كانت من الممارسات الاجتماعية المألوفة لبعض الشعوب،ولا تدخل في أطار المحرمات ألدينية أو الموروث الاجتماعي ،وهي ليست نتاج مجتمع بعينه وتتساوى فيها جميع المجتمعات وأن تباينت من مجتمع عنه في آخر بحسب درجته من الانفتاح والتطور ونظرته لمثل هذا السلوك وأن محاولات تحجيمها أو إنهائها أمر خارج عن نطاق القوانين والأعراف لأنه نتيجة طبيعية لميل الإنسان الفطري للركض وراء الممنوع والانغمار فيه ولكن بالإمكان تقنينها من خلال وضع ضوابط لممارستها وتحديد أماكنها خشية انتشارها في المجتمعات وذلك بتكوين تجمعات سكانية لممارستها ضمن قوانين محددة يراعى فيها الجانب الصحي والاجتماعي لأن محاولات القضاء عليها بأساليب الجبر والإكراه والمنع سيزيد من انتشارها ونموها لتأخذ مداها الواسع في المجتمعات .