الرئيسية » مقالات » في ذكرى ثورة اكتوبر العظمى ! 1 من 2

في ذكرى ثورة اكتوبر العظمى ! 1 من 2

تمر هذه الأيام الذكرى الـ 92 لإنتصار ثورة اكتوبر الروسية العظمى التي حوّلت الأمبراطورية القيصرية المترامية الأطراف، التي عاشت مئات ملايينها عصر القنانة والإقطاع والعبودية القيصرية الآرثذوكسية . . الى دولة عصرية شغلت العالم طيلة القرن الماضي وصارت محط انظار دوله الفتية و احزابه التحررية و مناضليه الساعين الى تحرر وانعتاق شعوبهم بالتضامن مع كل القوى الساعية الى تقدم و رفاه البشر، من جهة . . و صارت محط مراقبة و نشاط مخططات انواع كيانات و اقطاب الرأسمال العالمي التي سعت الى وأدها و اجهاضها و تحطيمها منذ نجاحها ، من جهة اخرى . .
بعد ان حققت و لأول مرة في التاريخ دولة قائمة على اساس تحقيق السعادة و الرفاه للكادحين، و على اساس نشر روح التآخي القومي والديني و المذهبي و حرية المرأة، و كشف و الغاء المعاهدات السرية لأقتسام العالم بين الأقطاب العظمى . . فتسابقت مئات الحركات التحررية في العالم لخطب ودّها و للحصول على دعمها النزية الداعي الى التكاتف في وجه المخططات الشريرة الساعية الى الأحتلال و الى التمييز العرقي و القومي و الديني .
و يرى كثير من المحللين ان اهميتها ـ وبالتالي تقييمها كما يسعى البعض ـ لايمكن ان تعرف او تقاس الاّ اذا دُرست و حُسبت ابعادها في زمانها و ظروفها الوطنية الداخلية و ظروفها العالمية آنذاك و ما احدثت . و يصنّفها مؤرخون بانها لا يمكن ان تقلّ اهمية عن الثورة الفرنسية العظمى 1789 و الثورة الصناعية في بريطانيا عام 1848 . . . سواء في دورها الوطني الداخلي في بلد شغل سُدس الكرة الأرضية ، او في تأثيرها الفكري و دورها الإقتصادي والإنساني العالمي . . رغم المآل الطويل كثير التعقيد الذي ادى الى تفكك الأتحاد السوفيتي في الأولى ، و ادى الى نشوء دكتاتورية نابليون الثالث في الثانية، و نشوء النظريات و التطبيقات الصناعية الأستغلالية الشيطانية في الثالثة، الا انها جميعاً تركت اثار لاتمحى في سير التطور الفكري، الإجتماعي والأقتصادي العالمي .
و يرى كثير من علماء التاريخ و المجتمع المعاصرين ان نجاح ثورة اكتوبر اثبت بأن النظريات الداعية الى دولة العدالة الإجتماعية، ليست رجماً بالغيب و ليست رمادية ممكنة على الورق فقط و لا خيالية كـ ” جمهورية افلاطون ” و انما انها ممكنة التطبيق ، حيث نجحت و انجبت دولة ” اتحاد الجمهوريات السوفياتية ” التي غيّرت مسار التاريخ العالمي طيلة القرن المنصرم …
وانها رغم الأخطاء التي اقترفتها (1) والتي لايخلو منها اي تغيير هائل كالذي احدثته في روسيا المترامية و في العالم، الاّ انها كانت التطبيق الخلاّق الأول للفكر الماركسي في زمان انتصارها مطلع القرن العشرين بانشاءها دولة كبرى !! كانت السبب الأساسي للبدء بالتحشيد الرأسمالي العالمي ضدها و لأشعال حروب التدخل الطويلة لخنقها ولإيقاعها في شتى الفخاخ العملية و الفكرية، التي وصلت الذروة في الهجوم الهتلري النازي عليها في محاولة لتحطيمها و فرض نظام احتكاري جديد عليها ..
والذي انتهى بدورها الباسل في تحطيمه منذ معركة ستالينغراد التي كانت الصخرة التي غيّرت مجرى الحرب بالأتجاه المعاكس لينتقل الجيش الأحمر الى تحرير بلاده و تحرير الدول الأوربية الشرقية منه ، ثم دخوله برلين عاصمة الرايخ الثالث بقيادة الماريشال جوكوف، منتصراً معلناً انهائه الخطر الفاشي في 9 ايار 1945 رغم مماطلات الحلفاء و تأخرهم المقصود في فتح الجبهة الثانية في الغرب ـ في مسعى لتكبيد الأتحاد السوفيتي مزيداً من الخسائر ـ في تلك المعارك الدموية الضارية التي فقدت البلاد فيها الكثير (2) .
و وصولاً الى جهود الإحتكارات الغربية و الصهيونية لتوريطه في حرب افغانستان ، التي يكشف عنها النقاب تدريجياً، بعد تم كشف العديد من ملفات المخابرات المركزية الأميركية و البريطانية، عملاً بقوانين الأرشيف ، والتي اعلنت في مواقعها على الأنترنت، اضافة الى تصريحات عدد هام من القادة و الموظفين الكبار فيهما .
و يرى خبراء سياسيون و تنظيميون، ان ذلك الأنتصار الأول للفكر الأشتراكي قد تم بواسطة و على يد الحزب البولشفي الروسي، الذي لم يكن لينجح في اقامة دولة من نمط جديد (3) على اساس تحالف العمال و الفلاحين و المثقفين و العسكريين الثوريين لولا اسلوب بنائه و آلياته . . وان ذلك هو الذي ادىّ الى تبنّي غالبية الأحزاب العمالية و الشيوعية منذ ذلك الوقت، نمط بنائه و قواعده الحديدية في محاولتها تأمين الأنتصار على غراره ، وقد سميّ بـ ” حزب من طراز جديد “. و ادىّ من جهة اخرى الى بلورة ستالين اسس بناء الحزب على ذلك النمط في كتابه ” اسس اللينينية ” التي فرضها بشكل اكثر صرامة على احزاب الأممية الثالثة . . التي لم تتفق كلها معه، كالحزب الشيوعي الفرنسي، الإيطالي ثم الصيني و الإسباني و غيرها ، رغم احتفاظ الجميع بوحدتهم في الموقف من الصراع بين المعسكرين .
و يرجع آخرون تلك الصرامة الى تزايد حدة الصراع مع القوى الخارجية التي استشرست في صراع طويل ضد الإتحاد السوفيتي و انجبت عشرات المنظمات الأرهابية السرية على غرار جماعات المئة السود الأولى وغيرها للقيام بانواع التخريب على اراضيه . الأمر الذي ادىّ بتواصلها و تراكمها اضافة الى تراكم اخطاء و عوامل اخرى في بنائه و نشاطه . . الى نشوء التطرف و التعالي و شيوع روح العصمة من الأخطاء و بالتالي الى البيروقراطية الحزبية و الأوامرية الإدارية، و الخروج عن المنهج العلمي الديالكتيكي الماركسي، في مواجهة التطورات العالمية الفكرية و العلمية ، التكنيكية و المعلوماتية ، في العقود اللاحقة .
و لايمكن باي حال اغفال ان ثورة اكتوبر بقيادة ف . أ . لينين استطاعت ان تحل مشاكل القوميات على اسس الأممية البروليتارية، التي اقيمت على الآليات التي وحّدت شعوب روسيا القيصرية في مواجهة الكولاك و سلطة رأس المال و القيصر ـ رغم ثغرات و نواقص ـ وحققت الكثير من المكتسبات للشغيلة، وحوّلت البلاد من دولة غلب عليها الطابع الإقطاعي الى دولة تسعى للكهربة و التكنيك والتقدم الصناعي، حتى وصلت و سابقت في الفضاء . . و صارت قطبا من القطبين الأعظمين اللذين توقف على مباراتهما و نتائجها مصير المئات من الدول و الحركات التحررية و الإنسانية .
حتى صارت سمة التحول من الرأسمالية الى الأشتراكية سمة معترفا بها في العالم ، وصارت الأشتراكية هي الأمل و حلم خلاص ملايين المحرومين من الظلم و الطغيان و الإستغلال الأقتصادي و الروحي و الديني في العالم في تلك الحقبة التاريخية. ففي منطقتنا العربية الشرق اوسطية صارت دور النشر العربية ومنذ ستينات القرن الماضي تتسابق على نشر المطبوعات الأشتراكية، بل وصارت كثير من الحركات القومية التحررية في الشرق الأوسط تتزيّن و تتمنطق بالأشتراكية (4) للوصول الى عقل و قلب الكادحين بصياغتها مصطلحات جديدة لم تعرف سابقاً : كـ ” الإشتراكية العربية ” و ” الإشتراكية الرشيدة ” ، اضافة الى حركات اسلامية كبيرة غدت تتحدث و تفسّر ” اشتراكية النبي محمد ” ، ” اشتراكية امام المتقين علي ” ، ” اليمين واليسار في الأسلام ” و وصل الأمر الى الإعلان عن نشوء المنظمات ” الإسلامية الإشتراكية ” التي كادت احداها ان تصل الى الحكم في ايران في انتخابات مطلع الثمانينات من القرن الماضي (5) .
الأمر الذي لم يكن بمعزل عن مواقف الإتحاد السوفيتي من قضايا نضال الشعوب و الدول العربية و عموم البلدان النامية ، و دعمه ايّاها من اجل تحقيق حقوقها العادلة و نجاحها في صراعاتها ضد السياسات الأمبريالية و الأحتلال و النهب و التمييز و اشعال الفتن القومية و العرقية و الطائفية . ( يتبع )

7 / 11 / 2009 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. راجع سياسة الأصلاح المقترحة من لينين لحل الأخطاء ، المعنونة بـ ” السياسة الإقتصادية الجديدة ـ النيب ” .
2. اشارت الإحصاءات الرسمية السوفيتية في نهاية الحرب العالمية الثانية الى خسارة الأتحاد السوفيتي اكثر من 10 ملايين انسان جلّهم من الشباب، فيما كشفت معلومات احدث في عام 1990 عن خسارة اكثر من 20 مليون انسان، اضافة الى عشرات المدن الكبرى المخرّبة وآلاف المدن الصغيرة و القرى، اضافة الى الخسائر اللوجستية الهائلة في كل نواحي الحياة .
3. بعد ان جرت محاولات في بلدان اخرى و فشلت . .
4. رغم التحوّل الحقيقي ايضاً ، الذي جرى في عدد منها .
5. منظمة مجاهدي خلق في عام 1981 التي وثّقت حتى وقتذاك نضالها على منهج المادية التاريخية واختلافها مع المادية الديالكتيكية، لأنها تمس الدين، وفق تعبير وثائقها .