الرئيسية » شؤون كوردستانية » سياسة التعريب، بين التنكيل و الترغيب

سياسة التعريب، بين التنكيل و الترغيب

سياسة التعريب؛
أن الهدف الأساسي من هذه السياسة هو تعريب الشعب الكردي من جميع مفاصل حياته اليومية، سواء كانت من ناحية اللغة أو التقاليد الاجتماعية، أو حتى الشعور القومي و بالشكل الفلسفي و الفكري. هذه السياسة أحدثت شرخاً ذاتياً في الشخصية الكردية و تحويله إلى مسخ للشخصية العربية و إلحاقه بركب العربي وتحويل انتباهه من القضية الكردية المحورية و همومها الوطنية إلى القضية العربية و صهر الأكراد في بوتقة القومية العربية.
أن هذه السياسة كانت متبعة منذ القدم و بشتى السبل و من ق[ل الكثير من الجهات و الأنظمة، فبعضها نجحت وبعضها منيت بالفشل الذريع؛ ومن بين الشعوب التي تعرّبت كلياً أو غالبيتهم، أولهم الأمازيغ في شمال أفريقيا! فالشعب الأمازيغي كان يقطن ما بين مساحة جغرافية و كانت حدودهم تمتد من الصحراء الغربية في مصر إلى المغرب ومن البحر المتوسط شمالاً إلى الصحراء الكبرى جنوباً. مع دخولهم في الإسلام تقلصت حدودهم شيئاً فشيء، حتى أصبحت اليوم مقتصرة على بعض المدن الداخلية فيما راح غالبيتهم الساحقة يتكلمون ويعيشون على الطريقة العربية ولا يختلف حالهم عن حال الأقباط في مصر. و نفس السياسة أُتبعت مع الشعب الكردي من خلال عدة جبهات منها التركية والعربية و حتى الفارسية. كل جبهة و اتجاه حاول و يحاول جذب رأي الشعب الكردي إلى طرفه سواءً من خلال الترهيب أو الترغيب. منذ العصور القديمة و منذ احتلال قورش (مؤسس الامبراطورية الفارسية) ثم تلتها الحملة المقدونية و الرومانية ثم العربية وحتى التركية و الأوربية، و كل المستعمرين الذين مروا على تراب كردستان حاولوا بسط نفوذهم و ثقافتهم و هويتهم و لكنهم فشلوا في مساعيهم هذه بدرجات متفاوتة لعدة أسباب منها الجذور العميقة للأمة الكردية و منها صعوبة أراضيها و عصي جبالها.
مع قدوم الاستعمار الأوربي إلى المنطقة وتقسيم أراضي شعب صلاح الدين الأيوبي إلى أربعة أجزاء ومنحها إلى دول عميلة للاستعمار، راح كل طرف من هذه الدول المصطنعة تمارس في الجزء المُحتل سياسات شوفينية بغية محو هوية الشعب الكردي نهائياً و فرض لغاتهم الاستعمارية وتحريف التاريخ ومحاربة المفكرين الأكراد وإغلاق المكاتب و الصحف والمدارس الكردية و نهب الثقافة الكردية و فلكلوره و كل قيمه و ثرواته الوطنية و القومية…
أن سياسة التعريب أتت على عدة خطوات متتالية بغية إخضاع الشعب الكردي لسياسة العروبة من هذه السياسات المتبعة نذكر ما يلي:
أولا: بعد تقسيم الأراضي الكردية في اتفاقية (سايكس بيكو) بين دول الجوار أصدرت الدول الأربعة مراسيم ودساتير تؤكد حدودها واعتبار هذه الأراضي جزءاً من دولهم، و الشعب الكردي جزءاً من قوميتهم العرقية، مؤكدين بأنه لا يوجد هناك أقليات أو أثنيات قومية غير القومية الحاكمة(العربية و التركية و الفارسية).
ثانياً: بتهجير وطرد الشعب الكردي واستقدام شعوبهم من المناطق الأخرى بغية تسكينهم في المناطق الكردية بحجة عدم امتلاك الأكراد مستندات و (طاوبات) تؤكد أحقيتهم على الأراضي التي توارثوها أباً عن جد، مثلما قامت به الحكومة البعثية الفاشية في كل من سورية والعراق. السلطات في سوريا قامت بطرد الأكراد من أراضيهم في قامشلو و الحسكة و استقدام العرب الشمر إلى المنطقة، و هذه تعتبر من منجزات الحركة التخريبية التي قام بها الأسد الراحل و نفس الشيء في كركوك وخانقين حيث قامت البعث العراقية بطرد الأكراد واستقدام عرب الجبور إلى تلك المنطقة و نفس الشيء من طرف الأتاتوركيين الفاشيين بطرد الأكراد من مدنهم على حدودها مع سورية و تشكيل شريط عازل.
ثالثا:ً سحب الجنسية من الشعب الكردي في سوريا في مناطق قامشلو و ديريك من خلال إحصاء استثنائي غادر، لمنعهم من ممارسة أي نشاط سياسي أو التوظيف وحتى من حرمانهم من الهجرة والسفر و التعليم العالي و إسقاط رتب العسكريين في الجيش بغية منعهم من الوصول إلى أعلى المراتب في الدولة. وكل السوريين يدركون جيداً بأن الانتصار في حرب تشرين(إن كان هنالك انتصاراً من أساسه) كان بفضل الضباط و الجنود الكرد و خاصة بفضل ضابط كردي و لكنه غرق في بحر النسيان وطاف على السطح ضابط من العرب لم يكن له أي انتصارات مثل عدنان مالكي وجول جمال وغيرهم.
رابعاً: إغلاق مكاتب الأحزاب الكردية وملاحقة قيادتها وكوادرها، و تعرضوا للنفي و السجن و الاغتيال. كما تم إغلاق المجلات والجرائد الكردية التي كانت فيما مضى تحارب الاستعمار الأوربي وتدافع عن حقوق الأكراد والعرب في نفس الوقت، حتى بلغ بهم العنصرية إلى معاقبة كل كردي بالسجن والغرامة المالية في حال إذا كان محله يحمل اسما كردياً أو سمى أولاده بأسماء الزعماء و العظماء و الشهداء من الأكراد.
خامساً: فرض تعليم اللغة العربية على أبناء الشعب الكردي و منع التدريس باللغة الكردية ومعاقبة أي شخص يحاول تعلمها أو تعليمها لأبناء الأكراد، و تزوير التاريخ وتحويل الأبطال الأكراد التاريخيين إلى عرب، مثل صلاح الدين الأيوبي، و إبراهيم هنانو، و ابراهيم خليل، و الفراهيدي، و أصبحت هذه الأكاذيب البغيضة تدرس في مناهج جميع الدول العربية وراحت الدول العنصرية ترسم وتدرس شخصية الكردي كما يحلو لهم ولم يتوقف أيديهم القذرة عن اللغة فحسب، بل امتدت لتشمل بيوت الله، فعلى سبيل مثل مسجد شيخ صحن في مدينة كوباني المحرفة إلى (عين العرب) تحول إلى مسجد عثمان بن عفان؛ فبعد أن قام شيخ صحن رحمه الله التبرع بأرضه لبناء المسجد تأتي الحكومة الفاشية بتغير الاسم التي لم تخسر فيه ليرة واحد. تغيير أسماء القرى و المدن في غربي كردستان في كوباني و عفرين و قامشلو و ديريك و كذلك قاموا بتغيير أسماء القرى و النواحي و المعالم الجغرافية. حيث أصبحت كوباني عين العرب، و قرى مثل شيران أصبحت (فرذدق) و قره حلنج اصبحت (غسانية)، و ديريك أصبحت (مالكية) و تربي سبي أصبحت (قبور البيض)…الخ
سادساً: محاربة العادات والتقاليد الكردية من الزي الكردي إلى الغناء و الفن و الأعياد الوطنية الكردية مثل عيد نيروز، و منع إشعال نار الحرية فوق قمم الجبال الشامخة، و تشجيع التكلم بالعربية، و فرض التداول بهذه اللغة على الموظفين الأكراد في بيتهم ومع ذويهم، و جعل الانتماء إلى حزب البعث من احد الشروط الضرورية للتوظيف.
إن هذه السياسات الفاشية و الشوفينية لا تكلّ ولا تملّ و أصبحت متجذرة في السياسة العربية و لدى الساسة العرب وحتى في نفوس أبنائهم.
أن هذه السياسة التي تتبع ضد الشعب الكردي لا تستطيع أن تأتي بثمارها العنصرية و ليست لصالح العرب أيضاً، فمنذ ألفي عام ونحن محتلون ومضطهدون، و لكن جميع الممارسات العنصرية ضدنا باءت بالفشل و أنقلب السحر على الساحر، لأن أيمان الشعب الكردي بقضيته لا تستطيع سياساتهم ولا الزمن من محوها في أذهان وقلوب الأكراد. و بما أن العرب قد علمونا مقولتهم التالية: “كما تدين تدان”! أقولها للساسة و للسياسات العربية، كما تدينونا الأكراد فان إسرائيل تدينكم، فكما تعربونا الأكراد تقوم إسرائيل بنفس الشيء من خلال تهويد القدس. و يجب أن نتذكر دائماً بان الإنسان كما يفعل بأخيه الإنسان يسلط الله عليه من يفعل به مثلما فعلت يداه…
فعلى العرب أن يتأكدوا من حكمتهم “كما تدين تدان”