الرئيسية » شؤون كوردستانية » مخططات سلخ كركوك عن كوردستان لن تمر

مخططات سلخ كركوك عن كوردستان لن تمر

(حكمة! ) من قاموس العروبيين:
كتب احد الشوفينيين العروبيين وهو يرد على كاتب كوردي كان قد دافع عن حقه في العودة الى كركوك كونه طرد منها لانه فقط كوردي ، قال الشوفيني العروبي في رده على هذا الكوردي : مادام تقول عن نفسك انك كوردي ، فهذا يعني انك عنصري!
تصوروا اين هؤلاء من العقل و العصر والزمان!!
————————-

مع كل مواجع الترحيل ومحاولات تغيير الهوية القومية للشعب الكوردي والانفالات فالنظام السابق الذي كان يعبر عن نفسه كحامي حمى العروبة لم يستطع ان يستدرج الشعب الكوردي الى مستنقع الاحقاد والكراهية العنصرية ، وكان الكورد يدركون دائما نوايا الانظمة المتلاحقة في جرهم الى مواقف عدائية ضد الشعب العربي ، على الرغم من ان الاحزاب والنخب السياسية العربية في اغلبيتها العظمى لم تقف بصورة حقيقية مع النضال الديمقراطي للشعب الكوردي ، او ان بعض تلك الاحزاب كانت تعبر عن مواقف طيبة في ظروف ثم تتنكر لعهودها كلما اصبحت لها شئ من القوة ، عدا بعض اليسار العربي ( العراقي على وجه الخصوص) وشخصيات ثقافية وسياسية عربية متحررة من الاحقاد الشوفينية ، والان وبعد كل التغيير الذي شهده العراق والدور الكوردي الكبير في اعادة تأسيسه بعد زوال النظام السابق ، نرى فايروسات النوايا الشوفينية نفسها تخرج الى العلن مرة اخرى من خلال مشاريع مشبوهة لنواب في البرلمان العراقي ، وذلك في عملية تواصل معلن وصريح مع سياسات النظام الدكتاتوري السابق التي كانت تعادي كل قيم الاخوة والتسامح والعيش المشترك ، وخصوصا في موضوعة كركوك التي يتم التخطيط لسلخها عن محيطها وبيئتها الكوردستانية وبأي ثمن من قبل هؤلاء الشوفينيين وتعطيل المادة الدستورية 140 ، ووضع العصي في عجلة اي خطوة ديمقراطية تحمي الهوية الكوردستانية الصريحة لهذه المدينة التي مرت بها جيوش وسطوة جبابرة و امبراطوريات من كثير من الاعراق والالوان ، لكنها صمدت في وجه كل تلك الغزوات ودون ان يستطيع كل تلك الضغوطات الرهيبة والقاسية افراغ المدينة من سكانها الاصليين الكورد ، ليظلوا متمسكين بترابها ونيرانها الازلية الى اليوم .

وقد تحل معضلة الانتخابات في كركوك هذه المرة ، ولكن مخططات التامر على كوردستانية كركوك لن تتوقف ، وسنرى سيناريوهات اخرى تصمم في عواصم اقليمية او عبر البحار ، فسياسات فصل كركوك عن محيطها الكوردستاني تحت ستار الحفاظ على عراقيتها (!) اصبحت مفضوحة ، وهذه السياسات لا تعني الا حنينا فاقعا الى سياسات صدام في ذبح الكورد ، تلك السياسات التي لم تغادر عقول الكثيرين في بغداد الى الان.

وكتأكيد على تفهم القيادة السياسية الكوردية لتنوع الطيف السكاني في كركوك ، فقد اقرت حكومة كوردستان في مشروع دستور كوردستان الوجود القومي والحقوق القومية الثابتة للتركمان وقومية الكلدواشورالسريان والقومية الارمنية والعرب الذين سكنوها قبل بدء برامج التعريب المباشرة في بدايات عام 1960 (حيث بدأت عمليات نقل عمال شركة نفط كركوك الكورد اضافة الى الشرطة وواعداد كبيرة من الموظفين والمعلمين الكورد من المدينة) ، وهذا التأكيد موجود في دساتير الاحزاب الكوردستانية منذ تأسيس تلك الاحزاب قبل عشرات السنين ،وقبل ثورة 14 تموز عام 1958 .

ان الكورد وخصوصا اجيالهم الجديدة ، و الذين رحلوا بالقوة القاهرة من محافظة كركوك هم بشر من لحم ودم ، ولديهم احاسيس مثل سائر البشر ، فهم يملكون مشاعر الحنين والحب الفياضة الى بيوتهم واراضيهم ومدينتهم والى محيطهم الكوردستاني الذي على الرغم من العديد من الغزوات والسياسات العنصرية التي شهدتها انحاء كوردستان ومنها كركوك ، وعبر اهل كركوك وكوردستان عموما عن تلك المشاعر بمقاومتهم الثورية المستمرة لسياسات تغيير الهوية والترحيل القسري ، فكانت مقاومة معمدة بالدم الزكي وبصبر جميل وبأدب مكتوب رائع ، وبأغاني ثورية . وبغض النظر عن منطق الممكن وغير الممكن في عالم السياسة والصراعات الكبيرة والمعقدة التي نشهدها ، وعلى الرغم من سفسطات و مشاهد عرض العضلات المختلفة في كل جحور العنصرية والارهاب القاتل في مدن العراق والى عواصم الدول التي تتزين بقلائد الديمقراطية (!) ، فأن تلك المشاعر تحولت الان الى موقف كوردستاني شامل وموحد لكل القوى السياسية الكوردستانية ، وهو الاهم ، وتبقى المواقف المترددة لبعض الجهات الدولية الراكضة وراء مصالحها الخاصة ، امرا لا يهم الشعب الكوردي ، ومن الصعب ان ينال من وحدة ارادته وخصوصا في هذا الموضوع المصيري لشعب كوردستان.

كتب التاريخ تؤكد ان اجداد الكورد الاولين سكنوا كركوك منذ الاف السنين ، والمدينة استقت قدسيتها عندالكورد من تاريخ موغل في القدم وثبات حضورهم المستمر فيها ، كما ان المدينة تستقي قدسيتها عند الكورد من نيرانها الازلية في حقول باباكركر التي كانت والى الان مزارا لكل الاجيال الكوردية التي تباركت بلهيبها وضوئها ودفئها منذ الاف السنين ، و كركوك كانت في فترات تاريخية قريبة مركزعدد من الامارات الكوردية ، وخرائط العثمانيين الاتراك تؤكد هذه الحقيقة ، وفي بدايات ثلاثينات القرن العشرين كانت في قلب الشيخ محمود الحفيد ملك كوردستان ، ولولا المساعدات العسكرية التي قدمتها الحكومة البريطانية انذاك للقوات الحكومية العراقية في ملحمة آوباريك (5/4/1931) لكانت قوات الشيخ الحفيد حررت كركوك ، وفي الثورة الكوردستانية المعاصرة بقيادة القائد الراحل الكبير مصطفى البارزاني اصبحت كركوك النقطة الاستراتيجية في الصراع مع كافة الحكومات العراقية ، واستمرت سياسات التعريب حتى ان نقل الموظفين والشرطة الكورد من كركوك ابتداء من عام 1960 ، واحلال العرب الوافدين من الجنوب والوسط كان احد الاسباب التي اججت الاوضاع في كوردستان حينها لتصل الى اعلان الثورة الكوردية في 11 ايلول 1961 ، وبعد اتفاقية 11 اذار 1970 وعندما جاء وقت الاستحقاق لتنفيذ مضامين الاتفاق في اذار عام 1974 ، قدمت السلطة العراقية مقترحا لتشكيل ادارة مشتركة بين العرب والكورد في كركوك ، حينها لم يسمع احد عن مطاليب للتركمان ولا عن اي موقف تركي بهذا الشأن ، وقد رفض البارزاني الكبير ذلك المقترح ، ووفق حديث لقيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني قال : عندما عرض الاقتراح في الساعات الاخيرة من مفاوضات عام 1974على القائد المرحوم مصطفى البارزاني رفض المقترح جملة وتفصيلا و قال : اليد التي توقع على سلخ كركوك من ارض كوردستان لا تصلح الا للقطع.

ولعل من الاثار البارزة التي تعزز كوردستانية كركوك وجود تكايا بنتها عوائل كوردية في كركوك ، بنيت في فترات تعود قسم منها الى مئات السنين كالتكية الطالبانية والخانقاه . وهناك مقبرة في كركوك تسمى بمقبرة الشيخ محي الدين تضم في ثراها اجساد عشرات الاجيال الكوردية التي دفنت في ترابها حين لم تكن قدم عربية واحدة قد وطأت ارض هذه المدينة . ولعل نوعية الاسماء العربية التي اطلقت على الاحياء الكوردية تفضح حداثة بناء هذه الاحياء التي بنيت مع هبوب الريح العنصرية الصفراء دون اي حاجة للاثبات والبراهين فكيف تكون هذه الاحياء قديمة او تكون لها علاقة بهوية كركوك الحقيقية ، وتطلق عليها اسماء ك( حي البعث ، الخضراء ، القادسية ، الحي العسكري ، الوحدة ، الحرية ، وغيرها) كما غير البعثيون اسماء احياء كوردية الى اسماء عربية مثل حي ( رحيماوا) وقد غيروا اسمه الى ( غرناطة ) تصوروا …غرناطة وسكانها كورد اقحاح لا يمكن ان يلفظوا حرف الطاء حتى لو وضعت رقابهم تحت حد السكين!
ومن الغباء ان يتصور البعض ان من الممكن رحيل اهل كركوك عن ارضهم التي تحتضن النار الازلية ، لان بقاءهم فيها ازلي مع ازلية تلك النار ، ودون اي تجاوز على الحقوق الثابتة للقوميات الاخرى الساكنة في كركوك من تركمان وكلدواشوريين سريان او ارمن او صابئة وعرب ، والاقرار الكامل بحقوقهم و خصوصيتهم ، فهذه المدينة تشكل جزأ لا ينفصم من الجغرافية الطبيعية والديموغرافية لكوردستان ، فلا الزمن ولا التعريب ولا الترحيل القسري ولا تهديدات غلاة الفاشيين تستطيع فصلها عن المكونات الاساسية لطبيعة جنوب كوردستان . والذي يعرف كركوك جيدا يعرف انها مدينة لا تستطيع التنفس والنمو دون ذلك المحيط الجغرافي والاجتماعي

والاقتصادي ، ولا تستطيع وبكل اجزائها المقتطعة والموزعة ايام العهد الدكتاتوري على محافظات السليمانية وديالى وصلاح الدين …. الا ان تكون جزءا من ذلك المحيط الكوردستاني.

الغريب ان غالبية المجاميع الوافدة التي اسكنت في كركوك بقرارات عنصرية والذين يقفون وراءهم يدركون حق الادراك الحقائق المذكورة اعلاه ، ولكنهم يتجاهلونها لاسباب معروفة زينتها لهم العقلية المناهضة للكورد والتي روجتها الانظمة السابقة بدعم من بعض الدول الاقليمية و شركات النفط وبريطانيا حينهاو النظام السابق ، وما زالت تروجها التيارات القومية العربية المتطرفة داخل الحكم العراقي الجديد وخارجه ، واول هذه الاسباب هو السبب الاقتصادي المتمثل في الطمع القاتل في استمرار حلب ثروات باباكركر النفطية ، وثانيا الطمع ايضا في ارض كركوك الزراعية الخصبة والتي استوطن بعض العشائر العربية اجزاءها الجنوبية عندما تفتقت الذهنية العنصرية لرئيس الوزراء العراقي في اواسط ثلاثينات القرن الماضي لاقامة المشروع الاروائي في منطقة الحويجة وتحويل سهولها الى حقول تفيض بالخير والبركة ولكن ليس لاصحاب الارض الحقيقيين بل لاخرين جئ بهم ليحلوا محل السكان الاصليين الكورد ، اضافة الى المستوطنين الجدد الذين جاء بهم الدكتاتور لاسباب عنصرية محضة .


من هم سكان كركوك الاصليون؟

وفي الحالة الانسانية ان الكورد المرحلين يحنون الى محافظتهم ومدينتهم كركوك ويعيشون معها حالة عشق حقيقية كبرى ، وهذا الحنين شعور عميق ولصيق بهم دفعوا وما زالوا وسيستمرون في دفع ثمنه الى ان يصح الصحيح ويعتقدون جازمين ان كركوك تتنفس كوردستانيا وليس هناك حقيقة اخرى غيرها ، لكن الكثيرين من الوافدين يبدو انهم فقدوا ذاكرتهم و لا يشعرون بأي حنين الى الارض التي جاءوا منها وولدوا وعاشوا فيها ، بل يصرون ( ليس كلهم)على استمرار استيطانهم في ارض لا يملكون فيها اي شاخصة تدل على انتمائهم لها ووجودهم فيها ، ثم ان كورد كركوك والتركمان والمسيحيين كانوا دائما عمالها ومحركوها الاساسيين في اقتصادها المحلي ، فالنسبة العظمى من عمال كركوك كانوا من الكورد وتجارة كركوك اساسا كانت مع السليمانية واربيل ، وطبعا كانت لها علاقات اقتصادية قوية مع بغداد كونها العاصمة ، والمدينة في اساسيات انتاجها الزراعي والحيواني كانت تعتمد على ريفها الكوردي بنسبة 90% قبل ان يدمره النظام السابق ، وللتركمان ايضا شواخصهم القومية والثقافية والسكانية التي تدل على كونهم جزءا من المكونات الاصيلة لمحافظة كركوك ، وكذلك هناك كنيسة الكلدان القديمة وكنائس القلعة التي تدل على وجود قديم وعريق للمسيحيين، وكان هناك ايضا وجود سكاني للعرب ايضا قبل البدء بسياسة التعريب المبرمجة ، واكثرهؤلاء جاءوا كشرطة وموظفين وعمال من مناطق اخرى من العراق ، كما انه من البديهي ان البعض من الوافدين يعرفون ان اسكانهم في انحاء محافظة كركوك او( التأميم ، الاسم التعريبي المشوه للمحافظة) لم يتم في ظروف طبيعية بل تم وفق سياسات وبرامج مخطط لها استهدفت السكان الاصليين للمحافظة ونفذت قسرا وبالاكراه ، وقد ( كرمت) السلطة الوافدين العرب حينها بالاموال وقطع الاراضي والمزارع والوظائف مقابل انتقالهم مع قيودهم الخاصة بالاحوال المدنية للاستيطان في الارض الجديدة كركوك ، والاستيلاء دون اي وجه حق على اراضي وممتلكات اناس اخرين من كورد وتركمان طردوا منها قسرا .

ولكن هناك سؤال : هل هناك من يستطيع ان ينكر في اية ظروف قاسية وغير انسانية كان الكورد يعيشون عندما اندفعت جموع الوافدين الى كركوك؟ هل نسوا كيف ان سيارات الزيل العسكرية كانت تجمع عوائل الكورد في رحيماوا والشورجة وازادي وتبة ملا عبدالله والقورية واخي حسين وغيرها من محلات كركوك لينقلوا رغما عنهم وفي زمهرير الشتاء وبرده القارس او في لهيب الصيف الى منافي وبالضد من رغباتهم ؟

يقول الاديب الارجنتيني الكبير ارنستو ساباتو في احاديثه الى كارلوس كاتانيا في مؤلفه ( بين الحرف والدم) ترجمة عبدالسلام عقيل عن موقفه من الحنين الى الوطن الاولي :

” أن قليلا من البلدان في العالم قد شهد عاطفة الحنين الى الوطن تتكرر مرارا كما حدث هنا : لدى الاسبان الاوائل ، لآنهم كانوا يحنون الي وطنهم البعيد ، ثم لدى الهنود (سكان البلاد الاصليين ) لانهم كانوا يحنون الى حريتهم المفقودة ، والى احساسهم بالوجود ….. واخيرا لدى المهاجرين المتأخرين لآنهم يحنون الى ارضهم والى عاداتهم القديمة).
امر غريب ان يكون هناك انسان لا يشعر بشئ من الحنين الى ارضه الاولى وبيته الاول ! ولا يحزن لفراق الدار الاولية حيث مرابع صباه والارض الصلبة التي كان يقف عليها. ومن الجانب الاخر شئ طبيعي لاهل الدار( الكوردي – الهندي الاحمر) المرحل والمطرود من منزله دون وجه حق ان يحن الى حقه المغتصب في الاحساس بوجوده وعلى ارضه ، ويحاول استعادة ذلك الحق.

ان الوافدين يعرفون ان لاشئ من الذكريات والحنين التاريخي والروحي الحقيقي يربطهم بكركوك ، فبرنامج اسكانهم الذي كان يفوح منه الرائحة النتنة للعنصرية كان كافيا لقتل اي شعور بالراحة الانسانية ، وحتى ان كانت لهؤلاء الاخوة ذكريات معينة فهي ذكريات مرة ولا اعتقد ان احدا يحب المرور بها ، فكركوك كانت تغتسل بالدماء والدموع الكوردية ، وابناؤها كانوا يصلبون على جدران المباني في الشورجة ويطلق عليهم الرصاص الغادر ، وبيوتهم كانت (تفرهد) في وضح النهار وباسليب موغلة في الوحشية والتقزز ، فهل من المصلحة ان نبقي على هذه الذكريات المؤلمة التي سببتها سياسات النظام السابق ام دفنها؟ اذن يجب النظر الى مستقبل اكثر عدلا وفتح صفحة ناصعة جديدة يغلب عليها الانصاف والحق ، وتصحيح الوضع .

ومن المعروف ان اعدادا كبيرة من هؤلاء الوافدين عندما يتوفى احد منهم يأخذون جثمانه الى المنطقة الاصلية التي جاء منها ليدفنوه هناك ، اي الى حيث منابع الذكريات الحقيقية ، وهناك من يؤكد انه كان بين هؤلاء الوافدين عدد ممن لم يكونوا يرغبون اساسا في تغيير سكناهم ونقلهم الى كركوك.

كما وللانصاف يجب ان نذكر ان ليس قلوب كل هؤلاء المستوطنين من حجرولا يحنون الى مناطقهم السابقة ، بل ثمة اعداد ليست قليلة طالبوا بعودتهم الى مواطنهم الاصلية وقدموا طلبات بذلك ، بل هناك عوائل تركت كركوك حتى دون ان تنتظر منحة الحكومة العراقية ( العشرون مليون دينار) ، واعرف احد المثقفين العرب من الذين منحوا قطعة ارض وعشرة الاف دينار في حينه الا انه وفي غمرة تنفيذ سياسات التعريب اواسط الثمانينات لم يستطع البقاء هناك تحت ضغط ضميره الحي ، فترك كل شئ في كركوك ولم يمض على مكوثه هناك الا اشهر قليلة جدا وعاد الى بغداد ، وقال امامي وامام صديقين كورديين اخرين وفي حديقة اتحاد ادباء العراق(اذا لم تخني الذاكرة) عام 1988 ، قال : “كنت اشعر بالحرج والخجل وهناك عرفت كم هو قاس وفضيع عندما تحس بأنك تملكت شيئا في ظرف غير طبيعي هو ليس لك والناس ينظرون اليك كالمغتصب فقررت ترك كل شئ وعدت ، ظلم كبير لحق بكم في كركوك … انا اخشى ان انظر الى عيونكم ايها الكورد”.

صحيح جدا ان شرعة حقوق الانسان تكفل حق العيش والسكن للبشر اينما ارادوا ان يسكنوا ، لا جدال في هذا ابدا، ولكن السلطة الحاكمة الدكتاتورية تعاملت مع اهل البلد كالاغراب وحرمت الكورد الذين كانوا يسكنون ارضهم و بيوتهم من هذا الحق وعلى رؤوس الاشهاد وامام انظار الامم المتحدة واميركا وبريطانيا وفرنسا والجامعة العربية والمؤتمر الاسلامي ، فسلبت منازلهم وممتلكاتهم وحقهم في العيش حيث عاش اجدادهم ، ومنحت هذا الحق لاخرين جيء بهم لاسباب عنصرية بحتة ووفق اجراءات مبرمجة غير طبيعية وغير انسانية تناقض كليا مبادئ حقوق الانسان وكل الشرائع النبيلة.

الوافدون الى محافظة كركوك لم يسكنوها لاسباب معيشية خاصة بهم ولم يأتوا اليها في ظرف طبيعي ، ولم تكن سفنهم تجنح في البحر وعلى وشك الغرق فأتخذوا (جزيرة!) كركوك ملجأ لهم ، انهم لم يكونوا مهاجرين او لاجئين حتى تطبق بحقهم المعايير الدولية ، انما جئ بهم بحسب جداول رسمية ووفق قرارات سياسية من اعلى سلطة كانت تحكم العراق انذاك ، ولغرض عنصري بحت وواضح ، بهدف تغيير التركيبة الديموغرافية للمحافظة ، ورافقت مجئ هؤلاء ترحيل عشرات الالاف من السكان الاصليين الكورد من المحافظة الى اماكن اخرى وبالقوة القاهرة ، ورموز الحكم اقروا هذه الحقيقة بعظمة لسانهم. ومحاكمات المحكمة العراقية الخاصة اكدت وبالوثائق الدامغة على خطة التطهير العرقي المبرمج التي مارستها السلطة الدكتاتورية السابقة في كركوك ومناطق اخرى من كوردستان ، وحتى ضد العرب الشيعة في مناطق الاهوار.

وثمة معلومات يتداولها الوافدون في كركوك ان اعدادا منهم من الذين قدموا طلبات للاستفادة من المنحة والعودة الى ديارهم السابقة تم اقناعهم اخيرا من جهات متطرفة وربما ( حسب بعض المصادر) من قبل اطراف في الحكومة العراقية لسحب طلبات اعادتهم تلك ، والبقاء في كركوك !



الحنين الى الحبيب الاولي في الضمير العربي:

قال شاعر عربي في الحنين الى الوطن الاولي:

كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل

قال اعرابي في الغرض نفسه:

ذكرت بلادي فاستهلت مدامعي
بشوق إلى عهد الصبا المتقادم
حننت إلى ربع به اخضر شاربي
وقُطّع عني قبل عقد التمائم

قال اخر:

أحب بلاد الله ما بين منعج
إليّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي
وأول أرض مس جلدي ترابها

وقال ابو تمام :

نقل فؤادك اينما شئت من الهوى ما الحب الا للحبيب الاولي

كل هذا الكلام المليء بالمشاعر الصادقة والجياشة قاله فطاحل الشعر العربي ، اضافة الى مضامين الاغاني الشعبية العراقية التي تتغنى بالقصص الجميلة المليئة بالعواطف والحب والشوق الى الديار الحبيبة ، فاين كل هذا الحنين الذي يزخر به التراث العربي الى الحبيب الاولي والوطن الاولي؟ اين حنين الوافدين الى المنزل والحقل والشط والنخل والتراث و الارض التي تركوها في وسط وجنوب العراق في زمن بات كل سياسات الترحيل القسري التي مارستها السلطة الساقطة مكشوفة ومفضوحة؟ لماذا خمد هذا الحنين الى الحبيب الاولي عندهم ؟ لماذا انطفأ الشوق والمشاعر العاطفية وهم يرون الحقيقة المأساوية الماثلة والمتجسدة في منازل وبيوت وحقول يعرفون جيدا انها ليست لهم بل استلبت من اناس كانوا اصحابها الحقيقيين في حرب عنصرية غير عادلة شنها نظام فاشي على شعب كوردستان ؟

وفي هذه الحالة المقلوبة في نظام العواطف والاحاسيس البشرية ، ترى الكوردي المرحل من مدينته ، حيث لم يعد الا عدد محدود منهم لاسباب كثيرة منها الارهاب الذي يضرب المدينة ، فترى العائد اليها مرميا في اكواخ وبيوت من تنك غارقة في الاوحال، انظر الى الوانهم عندما يظهرون على شاشات التلفزيون ، انهم يحملون لون التراب الكركوكي ، انهم البشر – الارض التي تحكي قصة الترحيل القسري والظلم العنصري ، ومع هذه الحقيقة الدامغة يطالب البعض الفاشيين في البرلمان بمقاعد تعويضية على حساب الاصوات الكوردية ، اي انهم يريدون ثمنا لعودة بعض المرحلين الكورد الى مدينتهم ، او بعبارة اخرى انهم يريدون تعويضا عن (خرق !) العراق الجديد لسياسات الترحيل والتعريب التي تعرض لها الكورد الكركوكيون في العهد الدكتاتوري السابق ، وامام هذا الوضع السافل بكل المعاني يصمت (حلفاء الكورد) صمت اهل المقابر ..لاهين عن مقولة: الساكت عن الحق شيطان اخرس.

ربما يقول البعض ان ثمة ضغوطات اقليمية ودولية على الحكومة تجعلها تتجاهل تطبيع اوضاع كركوك ، ولكن يبرز هنا سؤال هو : ايهما اهم : الامتثال للرغبة الوطنية والشعبية التي صوتت للدستور الذي ضمن هذا التطبيع ؟
ام الاستسلام للرغبات الكيدية لاطراف نرى كيف ان اكثرها ضالعة في القتل اليومي للعراقيين؟ ثم هل تحتاج الاطراف الحكومية غير الراغبة في المضي بتطبيع اوضاع كركوك ان يقول لها احد ان هذه المعضلة كانت احد الاسباب الاساسية لاستمرارحمامات الدم في كوردستان واندلاع الثورات الكوردية منذ ان وجدت الدولة العراقية؟

الكوردي الذي يحن الى بيته الكركوكي ، و يرغب في عودة مدينته الى محيطها الكوردستاني ، لا يتحمل وزر المستوطن الذي فقد الحنين الى بيته الاولي وانطفأ الشوق عنده الى الارض التي جاء منها ، وليس من العدل ان يتحمل العشاق اخفاقات الاخرين الفاشلين في الحب ، اذ ان حنين الكوردي الى مدينته واصراره على عودة مدينته تلك الى جسدها الكوردستاني يشتد يوما بعد يوم حتى وان كان ساكنا في كوخ من طين او خيمة قديمة مرقعة في مشارف كركوك او معسكر قديم او ملعب او مهاجرا بعيدا في قرية صغيرة في مجاهل الثلج الاسكندنافي او جزيرة الواق واق الاسترالية . فعودة كركوك الى حضنها الكوردستاني تعني خلاصها من الارهاب ، تعني اقرارا كاملا وحقيقيا بالحقوق القومية لكل مكونات سكانها ، تعني انهاء خراب كركوك وبدء عمليات الاعمار فيها ، وتعني انتهاء فصل دام من المشاكل في المنطقة وفي العراق بوجه خاص.

وليست المادة 140 هي الوسيلة الوحيدة التي تقرر اين هي كركوك من جغرافية المكان ، وان كان لهذه المادة وزنها وتأثيرها السياسي الكبيروكونها وثيقة سياسية مهمة ومنجزا للقيادة السياسية الكوردستانية ولشعب كوردستان ، بل ثمة شيئان اخران ايضا اولهما : هو تداعيات الشعور بالظلم الفاحش عند الكورد في حق لاغبار على مشروعيته وقد استلب منهم وتبعات هذا الشعور بالظلم . و ثانيهما : ” العناد” الراسخ والثابت في الشخصية الكوردية ، وقد يكون لهذا العناد بعض المساوئ في مقاييس هذا الزمن وطبيعة العلاقات الدولية والاقليمية ، وفي حسابات الممكن وغير الممكن ، ولكن يبدو انه جاء اليوم الذي يجب فيه ان يوظف فيه هذا العناد لكن بالوعي والحكمة المعروفة عن الرئيس مسعود البارزاني والقيادة الكوردستانية عموما ، في القضية التي تعتبر جوهر النضال التحرري الكوردستاني المعاصر حتى وان كان الخصم هنا الجن الازرق بعينه.
وتحية للرئيس مسعود بارزاني الذي اراح الامة الكوردية وروح القائد الراحل مصطفى بارزاني عندما قال مؤخرا: لن نقبل بوضع خاص لكركوك وليحصل ما يحصل.
والف تحية الى الموقف القومي الديمقراطي الثابت لنواب كوردستان في البرلمان العراقي لدفاعهم المشرف عن كوردستانية كركوك وحقوق شعب كوردستان عامة.