الرئيسية » مقالات » دردشة * النكات الطائفية !

دردشة * النكات الطائفية !

صندوق بريدي الاليكيروني يزدحم برسائل لا عد لها ، تأخذ مني يوميا وقتا ليس قليلا في مراجعتها ومطالعتها والرد عليها ، اذ تصلني ـ عزيزي القاريء ـ يوميا عشرات الرسائل ، من مختلف الاصدقاء والزملاء والمعارف ، فالايميل صار قناة تواصل اساسية بين الناس لا تتوقف ، تجري فيها وعبرها يوميا مئات الرسائل . هناك من الاصدقاء من يؤمن بعدم احتكار المعلومة ، وما أن يقرأ شيئا نافعا مفيدا ، حتى يوزعه للعشرات من معارفه واصدقائه تحت عنوان “للاطلاع “. وهناك كتاب محترمون ، حريصون على التواصل مع قرائهم ، يرسلون مقالاتهم ليطلع عليها من لم تتسن له فرصة قراءتها عند نشرها . وهناك من يجد متعة في ارسال اخبار طريفة ولقطات فيديو من برامج مثل “الكاميرا الخفية” وهدفه زرع البسمة بين معارفه واصدقائه . وهناك فئة من الاصدقاء يرسلون رسائل تحت عنوان “انظرها وحدك “! مع علامة ” مسموح لمن تجاوز الثامنة عشرة” !!، وفيها تجد ما لا تسمح لك الزوجة بمعاينته ، ومن بين كل الرسائل الالكترونية صارت تثير انتباهي رسائل تصلني تحت عناوين متقاربة ، لكنها يوما بعد اخر صارت تأخذ عنوانا واحدا ثابتا : ” نكات طائفية ” !
اقرأ معي ـ عزيزي القاريء ـ ما وصلني قبل أيام من أحد زملاء الدراسة الاعدادية ، الذي أتواصل وأياه عبر الانترنيت :
ـ ( دخلت فتاة لاهلها باكية تشكو من رجل معمم عرف بطائفيته ، لاحقها وتحرش بها ، فخرج اليه أخوة الفتاة واشبعوه ضربا، واثار انتباه الناس سائق تاكسي ، ترك سيارته والتحق بأخوة الفتاة وصار يضرب الرجل المععم أكثر من غيره . في مركز الشرطة صاح الضابط : ” هؤلاء اخوة البنت ، وفهمنا سبب ضربهم له ، لكن انت ما السبب الذي يدعوك لذلك ؟ ” فقال السائق : ” سيدي والله العظيم اعتقدت صار انقلاب عليهم !! ” )
لا اخفي عليك ـ عزيزي القاريء ـ اني ضحكت كثيرا ، لكن سؤال برز أمامي ، ادعوك لتشاركني اياه : مالذي يهدف اليه موزعو مثل هذه النكات ؟ هذا اذا عرفنا ان مرسل النكتة ، هو عراقي ملتزم دينيا ، ولكنه خارج سياق الالتزامات الحزبية والطائفية ؟
لأتوقف معك ـ عزيزي القاري ـ قليلا عند دور النكتة في حياة الناس . فمن تجربة شعبنا العراقي ، نجد ان النكتة، وتأريخيا ، لم تكن وسيلة للترويح عن النفس فقط ، بل انها كانت سلاحا فعالا ، سريا وعلنيا ، ولكنه سلاح ” اضعف الايمان ” بيد شعبنا العراقي المظلوم ، الذي استخدمها كسلاح في مواجهة عسف النظام المقبور. هل نسيت ـ عزيزي القاريء ـ تلك النكات الساخنة الساخرة التي كانت تصل من جبهات الحرب المجنونة ، يؤلفها الجنود بأنفسهم ويتناقلوها وينشروها كموقف واضح من الحرب التي طحنت شباب العراق ؟ اتتذكر معي ـ عزيزي القاريء ـ هذه النكتة :
ـ ( كان عزوز ـ عزت الدوري ـ في زيارة مع عدي ابن الطاغية الى جبهات القتال ، وحصل قصف ايراني مفاجيء ، ومن خوفه ورعبه سقطت بندقية ” عوعو” ، فأمر عزوز الذي دفن نفسه في ملجأ : “هات لي بندقيتي” ، فصاح به عزوز : ” روح انت جيبها ليش هي قادسيتي لو قادسية ابوك” !)
النكتة موقف ، تحمل روح الرفض لواقع يتمنى المواطن العراقي تغييره . ولم يكن بدون معنى ان النظام المقبور اسس شعبة مختصة في اجهزته الامنية تتابع وترصد انتشار النكتة المضادة لنظامه ، بل وتروج اجهزته لنكات معينة تصنع في مطابخها من قبل خبرائها محاولة لحرف انتباه الناس عن التنكيت على صدام وعائلته .
واليوم ـ عزيزي القاريء ـ ومثلما سجل الشعب العراقي موقفه من الحرب والديكتاتورية وشخص الديكتاتور وازلامه ، بنكات لاذعة كانت تثير اجهزة النظام الديكتاتوري وزبانيته ، بحيث سجن واعدم الكثير من شباب العراق بسبب روايتهم لنكته، راحت تنتشر بين العراقيين النكات التي تسخر من المدعين بالتدين والمستغلين لازمة شعبنا ومحنته مع الاحتلال وقوى الارهاب، وخصوصا الطائفيين منهم ، وتسخر من الباحثين عن المناصب والغارقين في الفساد ، والمتمترسين خلف لافتات الطوائف لتفيذ مأربهم النفعية الشخصية . ليس جزافا ان سمى ابناء شعبنا هذه النكات بأنها “نكات طائفية”، فهي مواقف مضادة للسلوك الطائفي والديني المتزمت . لم نجد ـ يا عزيزي القاريء ـ نكاتا تمس الدين أو تمس شخصية رجل دين معتدل ، فصناع النكتة من أبناء العراق يعرفون هدفهم جيدا ، مثلما عرفوه سابقا . وسيواصلون نشر سلاحهم الساخر اللاذع ، وان كان اضعف الايمان . ولكن اضعف الايمان لابد ان يقود الى الفعل ، وهنا هو أيديهم المطالبة بحقوقهم حين تمتد الى صناديق الاقتراع لتقول كلمتها بصوت عال !
وسنلتقي !!

* عمود دوري ، عن الملحق الثقافي الاسبوعي لصحيفة المدى البغدادية / العدد 1649 الاحد 8 تشرين الثاني 20092