الرئيسية » مقالات » على باب مصر..

على باب مصر..

هل نكون متطفلين..ام نكون ممن يتدخلون فيما لا يعنيهم..اذا تكلمنا بصوت عالٍ عما يراد للمحروسة من امور..وهل الذي يجري فيها شأناً داخلياً..وأليس لشعب مصر علينا من الحقوق ما يجعل سكوتنا تواطؤاً..وأليس كل هذا الخرس المخزي من قبل الاعلام الرسمي العربي يعد طعنا لاخوتنا المواطنين المصريين الذين يكابدون الارتهان المؤلم لارادتهم السياسية وتوظيفها كفقرة ثانوية في سيناريو التوريث السلطوي الذي بدات صوره تتوضح شيئا فشيئا..

..عايزينك.. طالبينك.. مفيش بديل غيرك ..زعيق هستيري ممرض يملأ فضاء الاعلام وشبكات الانترنيت يعسر المقاربة الواقعية لمثل هذه التساؤلات..

خصوصا مع التحرك المتعثر الفج للمعارضة التي ابتدأت حملتها باختيار شعار مغرق في السوقية مرتبط بصورة عراك النساء في الحواري..مما حدا بالكاتب وائل قنديل الى القول صادقاً “جميل أن تعارض التوريث، لكن منتهى القبح أن تبتذل المعركة ضد التوريث إلى فقرات أكروباتية يقدمها بهلوانات في ثياب المعارضة”..

وبالاخص مع رسوخ السياسة النفعية الانتهازية للقوة المعارضة السياسية الأهم في مصر التي تتخذ دور المعارضة الصورية الرخوة للتوريث ..من خلال التنكب عن الطريق وانتظار ما يجود به الحكم من فتات تحفظ لهم بعض ماء التموضع في مجلس الشعب..وبسبب كونهم غير معنيين اصلا بالديمقراطية والحقوق والحريات العامة..

ومع اجترارالحديث عن بعض المبادرات المثيرة للغبار الاعلامي من قبل البعض مثل نظرية الخروج الآمن او مجلس الحكماء او طرح بعض الاسماء الاستعراضية التي لا ثقل لها تتقاطع به مع رغبة الرئيس في ترك بضعة منه للغد عندما لايبقى “في الصدر قلب ينبض”..وهذه المبادرات تشترك جميعها في النظر بفوقية متعالية مهينة الى الشعب المصري العظيم والى امكانية فرز قيادات وطنية تنبثق من الخيار الفردي الحر المعبر عنه بصناديق الاقتراع في انتخابات حرة نزيهة..

قد لا يكون لكلامنا اي معنى مع تسنم السيد جمال مبارك للحكم فعليا منذ ان اختار رئيس واعضاء الحكومة من لجنته العتيدة وعصبته التي تأويه.. ومن الذين يسيطرون على مفاصل الاقتصاد والاعلام في البلد.. ومنذ ان سخرت القرارات الحكومية للتعبير عن وجهات نظر السيد الوريث..ومنذ افراغ الحزب الوطني من أي شخصية ذات وزن، يمكن ان تقارن بحكمة الاب او حيوية الابن المؤيد بروح القدس الامريكي الممثل بالمباركة الصامتة التي تحصل عليها الرئيس منذ ايام جورج الابن –ايضا- كمصادفة سعيدة..

ولكننا ان استطعنا التغافل عن القوائم المتطاولة من السمات والامكانات الخلاقة التي تنسب للسيد الابن ..فقد لا نجانب الحقيقة ان تكلمنا عن ان الميزة والموهبة الاساسية للسيد الوريث المرتقب هو كونه ابن الرئيس الذي يقترب من نهاية عمره الافتراضي..

وهنا يكون السؤال الذي لابد منه..هل يعد حكم الرئيس مبارك من الرشد والحكمة والعدل وحسن الادارة ..وهل سنواته العصية على العد كانت سنين ارتقاء ورخاء وازدهار ما يبرر له التماوت على ترك نطفه على عرش مصر وارتهان الشعب معه في قبره محنطين مكفنين بسياساته حتى ياذن الله امرا كان مفعولا..

ارقام مخيفة نسمعها من ارض الكنانة يقطر لها القلب دما..ولو صح بعضها الاقل والاحقر لكنا امام ازمة اجتماعية واقتصادية وادارية تنذر بما لا يحمد عقباه وما يجعلنا نرتجف وجلا على مصائر اهلنا في المحروسة.. فمع اجمالي ديون باكثر من 600 مليار جنيه..وانسحاق 35% من الشعب تحت خط الفقر..وتكديس 20 مليون مواطن في العشوائيات المتسرطنة على طول وادي النيل العظيم..يقابلها هروب 300 مليار دولار من البلاد على يد رجال الاعمال المدعومين غالبا من بعض رموز النظام..ومع انتشار القمع والتغييب السياسي والفساد والمحسوبية والتراجع المخيف لدور مصر العربي والاقليمي ..وذيلية سياساته الخارجية التي ادت الى تقهقر مكانته الطليعية الى الخلف البعيد من دول اكثر اتزانا في المنطقة ..ومع تقزم الدبلوماسية المصرية الى مستوى الاقتصارعلى تقديم الخدمات الفندقية الممتازة لبعض الفعاليات السياسية المتباعدة والفاقدة للاهمية والتاثير باضطراد..مع كل هذا لا نرى في فكرة التمدد عبر الاجيال ما يغري المواطن المصري الصابر بالرغبة في مكابدتها لثلاثين عجاف قادمة..

ان هذه الاحداث والارقام-ونؤكد ان صحت –هي دليل على الفشل المدوي لـ’دولة رجال الاعمال’ والمعبرة عن صورة الحكم الفعلي لجمال مبارك الذي بدأ في العام 2004 ..ذلك الفشل الذي تجلى في مستجدات وحوادث غير معروفة في مجمل التاريخ المصري الحديث مثل الانباء التي تتحدث عن وفاة العشرات في طوابير الرغيف في الدولة التي كانت تطعم جيرانها والابعدين بوفرة وسخاء منذ ايام يوسف الصديق ولحين عصر العزيز المرتقب..وكذلك المآسي التي تدهمنا عن المئات من الضحايا في حوادث وسائل النقل البرية والبحرية،وضحايا قوارب الهجرة غير الشرعية المتهالكة .. “وتراجع مصر في قائمة الشفافية الدولية من المركز سبعين الى ما بعد المئة، ما يعني تفاقم استشراء الفساد، وتفجر كوارث صحية وبيئية تهدد حياة ملايين المواطنين، وعدم تحقق اي تقدم بشأن مشاريع وطنية ستراتيجية مثل المفاعل النووي وتوشكى. ”

واعتماد على كل هذه الوقائع ..وللمكانة العالية والاولية التي للشعب المصري العظيم في قلوب اشقاءه العرب..ولكون الكل يتاجر بهذا الشعب الذي لا تليق بماضيه النضالي كل هذه اللامبالاة تجاه التغييب الممنهج لارادته الشعبية وانتهاك حقوقه الدستورية وربط مصيره ومستقبله بتداول قسري لمؤسسة الحكم ضمن نظام عائلي فاقد للشرعية .. وللضخامة المفرطة للشعور العام بالظلم الذي يعاني منه نحو 75 بالمئة من المصريين حسب دراسة حكومية نشرت مؤخرا..نجد ان المنطق يدل على ضبابية المستقبل الذي ينتظر المحروسة في ظل برنامج التوريث الذي يبدو انه وصل الى حافته الانجازية..

ان مصر ليست سوريا..ولكونها كذلك عليها ان تعتبر من تجربة التوريث التي خلقت نظام مرهون بقاءه بتحالفه مع الحرس القديم وتحوله الى نظام اكثر مخابراتية وقمعا من نظام الاب الراحل..نظام مسكون باللاشرعية وارتهان مقدرات ومصائر ابناء شعبه في معركة متطاولة ومتعاظمة لاثبات النفس امام اللاشئ..نظام يعيش رهاب الشرعية كل نظرة مرآة ..ويعاني من ارتفاع عتبة التحسس من التمثيل الشعبي الحر ومن التجارب الديمقراطية والتحررية للدول المجاورة..

وخيارات صعبة..وتساؤلات اصعب قد لا نجد لها اجابة الا في جراب الحاوي الامريكي الذي يبدو انه يتعامل –اوبامياص- مع الشعوب العربية بمنطق انتم وحكامكم الى الجحيم..والذي لا يعتقد انه سيكون اكثر تحسسا للحالة من الشعب المصري المغيب والمعتدى على حقه في الحياة تحت ظل خياراته الديمقراطية الحرة..مما يفرض علينا التساؤل الذي لا نتمنى ان نتحصل على اجابة متسرعة له..ما الذي ينتظر مصر والمنطقة من حكم يدار من القصر المحاط بالابراج والحراس ..وسط شعب متوتر يحس بمرارة الظلم المستدام..وما الذي ينتظر المحروسة لو تم هذا السيناريو المخيف..