الرئيسية » دراسات » ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة الثامنة

ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة الثامنة

أولاً : الإعداد الثورة
إثر قيام الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958، قررت حكومة نوري السعيد، بإيعاز من سادة حلف بغداد، إرسال قوات عراقية إضافية إلى الأردن، حيثُ سبق وأن أرسلت رتل الهادي من قبل، بغية التهيئة والأعداد للعدوان على سوريا، وفك الوحدة، ومن ثم التقدم نحو لبنان لتقديم الدعم والإسناد لرئيس الجمهورية اللبنانية [كميل شمعون]،ولقمع الثورة التي أشتعل لهيبها آنذاك. (1)
وقع الخيار على اللواء التاسع عشر الذي يقوده الزعيم الركن [ عبد الكريم قاسم ]، واللواء العشرين الذي يقوده الزعيم الركن [احمد حقي ] وهو لا يرتبط بأي علاقة بتنظيم الضباط الأحرار.
كان اللواء العشرين يضم ثلاثة أفواج، يقود الفوج الأول فيه العقيد الركن [عبد اللطيف الدراجي ]، فيما يقود الفوج الثالث العقيد الركن [عبد السلام عارف]، أما الفوج الثاني فكان بقيادة العقيد الركن [يسين محمد رؤوف] وهو من غير المنتمين لحركة الضباط الأحرار.
صدرت الأوامر بتحرك القوات المذكورة في 3 تموز 1958 من جلولاء نحو الأردن، لكن التحرك أرجئ لمدة عشرة أيام بسبب بعض النواقص التي كانت تعيق حركتها، وتقرر أن تتحرك ليلة13/ 14 تموز 1958.
وهكذا جاءت الفرصة المناسبة للثورة، لاسيما وأن عبد الإله ونوري السعيد اللذان كانا قد غادرا العراق قد عادا إلى بغداد في 12 تموز، وكان من المقرر سفرهما مع الملك فيصل الثاني صباح ذلك اليوم المقرر الثورة إلى تركيا لحضور اجتماع قمة حلف بغداد.(2)
وعليه عقدت القيادة العليا لحركة الضباط الأحرار اجتماعاً لدراسة التحرك وتم ّالاتفاق على أن يقوم اللواء العشرين بتنفيذ الثورة أثناء مروره في بغداد في طريقه إلى الأردن، فيما يقوم اللواء التاسع عشر بحماية مؤخرة اللواء العشرين من جهة، والتوجه نحو بعقوبة للسيطرة على مقر قيادة الفرقة الثالثة، واعتقال قائدها اللواء الركن [غازي الدغستاني ] أحد كبّار الضباط المعتمدين للنظام الملكي، وتشكل أكبر خطورة على الثورة.
هكذا إذاً حلت الفرصة التاريخية التي طال انتظارها، وجرى على عجل التخطيط والتهيئة لمستلزمات السيطرة على بغداد، وبقية المدن الأخرى، وتعبئة القوى الثورية المنضوية تحت لواء اللجنة العليا للضباط الأحرار، وجرى الاتصال برتل الهادي في الأردن، في يوم 13تموز، قبل يوم واحد من قيام الثورة، حيث قام الملازم [محمد حسن شلال ] بإبلاغ الرتل المذكور.
كان عدد الضباط الأحرار في الرتل 22 ضابطاً بقيادة المقدم الركن [عبد الكريم فرحان] حيث بادر الضباط المذكورون إلى عقد اجتماع لوضع خطة السيطرة على الرتل، والخروج من الأردن بسلام، والعودة إلى بغداد دون علم آمر الرتل الزعيم الركن [هادي علي رضا ] لكي لا يُستخدم الرتل المذكور لإجهاض الثورة من جهة، وليكون قوة دعمٍ وإسناد للثورة من جهة أخرى. (3)
وهكذا جرى توزيع المهام وتهيأ الجميع للاستماع إلى دار الإذاعة، كما جرى الاتصال بقيادة اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني، وتمّ إبلاغهم بموعد الثورة من أجل التهيؤ لإسنادها من قبل جماهير الشعب حال انطلاقها.
وبالفعل أصدر الحزب الشيوعي العراقي بياناً داخليا وزع بصورة محدودة على الكوادر العليا للحزب في 12تموز 958 يشير إلى قرب وقوع أحداث هامة، ويعطي التوجيهات التالية:

الحزب الشيوعي العراقي
توجيه عام : (4)
نظراً للظروف السياسية المتأزمة، الداخلية والعربية، ووجود احتمالات تطورها بين آونة وأخرى، وبغية ضمان وحدة النشاط السياسي لمنظماتنا الحزبية في الظروف الطارئة، والمعقدة نرى من الضروري في الوقت الحاضر أن تكون شعاراتنا الأساسية:
الخروج من ميثاق بغداد، وإلغاء الاتفاقية مع بريطانيا والوقوف ضد [مبدأ أيزنهاور] إطلاق الحريات الديمقراطية لجماهير الشعب [حرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحرية النشر والاجتماع …الخ ]،وإعلان العفو العام عن المحكومين السياسيين وإطلاق سراحهم، وإلغاء المراسيم والقوانين غير الدستورية التي تستهدف الحركة الوطنية، واتخاذ التدابير الفعالة لحماية ثروتنا الوطنية واقتصادنا والعمل على حل المشاكل المعيشية لجماهير الشعب، وقيام حكومة تنتهج سياسة وطنية عربية مستقلة، تدعم نضال الشعب اللبناني وسائر الشعوب العربية، وتخدم السلم، وتحول {الاتحاد العربي} إلى اتحاد حقيقي بين الأردن والعراق ليضمن مصالح شعبنا، ويخدم النضال ضد الاستعمار والصهيونية، ومن أجل الوحدة العربية، وإقامة اتحاد فيدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة. ونرى التأكيد على ما يلي :
1ـ ضرورة تجنب إبراز شعارات مبهمة أو متطرفة،أو تلك التي تمجد هذا الزعيم أو ذاك من قادة الحركة الوطنية على حساب طمس شعاراتنا الأساسية، والتقليل من شأن نضال الجماهير الشعبية، والجبهة الوطنية.
2ـ ضرورة إبداء اليقظة السياسية العالية تجاه مختلف المناورات والمؤامرات، وتجاه نشاط عملاء الاستعمار، والعمل بحزم وبأمانة تامة لسياسة الحزب، واعتبار أن واجبنا الأساسي في كل الظروف هو تعبئة أوسع الجماهير الشعبية، ولفها حول الشعارات الصائبة في اللحظة المعينة، وحول الشعارات الكبرى لحركتنا الوطنية الديمقراطية.
الحزب الشيوعي العراقي
12 تموز 1958

كان إذاعة البيان الأول عبر دار الإذاعة بمثابة ساعة الصفر لتحرك قوى الثورة، وقيام الضباط الأحرار في رتل الهادي بالسيطرة على الرتل، وإعلان ارتباط الرتل بقيادة الثورة، وتلقي الأوامر منها، وفعلا تمّ إعداد كل شيء.
كما جرى تحديد الأهداف التي ينبغي التوجه إليها والسيطرة عليها على جانبي الكرخ والرصافة وهي:
1ـ دار الإذاعة، التي تتسم بأهمية خاصة، حيث ينبغي إذاعة البيان الأول للثورة، الذي يمثل ساعة الصفر لبقية القوى المشاركة في الثورة، ولدفع جماهير الشعب للنزول إلى الشوارع لدعم الثورة وإسنادها.
2 ـ السيطرة على قصر الرحاب قرب [ جسر الخر] حيث كان الملك فيصل وولي العهد عبد الإله متواجدين فيه في تلك الليلة استعداداً للسفر إلى تركيا صباح ذلك اليوم 14 تموز للمشاركة في اجتماع القمة لدول حلف بغداد.
3 ـ السيطرة على مديرية شرطة القوة السيارة، الجهاز القمعي الذي جرى إعداده لقمع أي تحرك شعبي ضد الحكومة، والذي كان يتميّز بالتدريب العالي، وقوة السلاح، وسرعة الحركة، فكان لابد من السيطرة عليه وشل حركته.
4 ـ السيطرة على معسكرات الوشاش، وأبو غريب، والرشيد، والقاعدة الجوية فيه لضمان شل حركة العناصر الموالية للسلطة.
5 ـ السيطرة على شبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية لضمان شل تحرك السلطة وقواتها المسلحة، وقطع اتصالاتها مع بقية القطعات العسكرية المتواجدة في أنحاء البلاد.
6 ـ السيطرة على مطار بغداد الدولي لضمان عدم هروب كبار رجال السلطة إلى الخارج.
7ـ السيطرة على قصر نوري السعيد واعتقاله، حيث يعتبر أخطر شخصية يمكن تهدد نجاح الثورة .
8ـ السيطرة على وزارتي الدفاع والداخلية، ومديرية الشرطة العامة ومديرية التحقيقات الجنائية [مديرية الأمن العامة ]، والبنك المركزي ومن ثم بقية الوزارات الأخرى.
9 ـ السيطرة على كافة النقاط الحساسة في بغداد كالطرق والجسور ومراكز الشرطة وغيرها من الأماكن الهامة. (5)

ثانياً : عبد الكريم قاسم قائد الثورة
ولد عبد الكريم فاسم في 21 كانون الأول 1914، من عائلة فقيرة تسكن محلة المهدية، وهو حي ٌفقير يقع في الجانب الأيسر من مدينة بغداد.
أبوه جاسم محمد البكر الزبيدي ـ جرى تغييره إلى قاسم ـ وأمه كيفية حسن اليعقوبي، وله شقيقان هما حامد قاسم، شقيقه الأكبر، ويعمل كاسباً في بيع الحبوب والأغنام، وشقيقه الأصغر لطيف قاسم، الذي كان نائب ضابط في الجيش العراقي، وبقي بتلك الرتبة طيلة مدة حكم أخيه عبد الكريم قاسم، أما والده فكان يعمل نجارا ، كما كان يردد عبد الكريم دائماً في خطبه، ويفخر بكونه أبن ذلك النجار الفقير.
انتقلت عائلته إلى بلدة الصويرة، وهي بلدة صغيرة في جنوب العراق، وكان عمره 6 سنوات، ولكن العائلة ما لبثت أن عادت إلى بغداد عام 1926، حيث أكمل عبد الكريم دراسته الإعدادية، وتخرج منها عام 1931 واختار بعد تخرجه أن يعمل معلماً لمساعدة عائلته، وتعيّن بالفعل في إحدى قرى الشامية، وهي بلدة صغيرة تقع في جنوب العراق، وقضى في التعليم سنة كاملة، غير أن مهنة التعليم لم ترضِ طموحه فقد كان وهو أبن العائلة الفقيرة يتطلع إلى طموح ٍبعيد المدى يحقق حلمه في إحداث تغييرٍ عميق في حياة الشعب العراقي، وفي تحرير العراق من ربقة الاستعمار من جهة، وفي معالجة مشكلة الفقر من جهة أخرى، وفكر عبد الكريم قاسم في ترك مهنة التعليم، والتحول نحو الجيش الذي كان يرى فيه أمل الشعب في إجراء التغيير الحقيقي والجذري المنشود، بعد أن عجزت انتفاضات الشعب المتتالية عن تحقيق هذا الهدف.
كان لأبن خالته العقيد الطيار[محمد علي جواد] قائد القوة الجوية آنذاك دوراً في دخول عبد الكريم قاسم الكلية العسكرية عام 1932، حيث تخرج منها بتفوق في 15 نيسان من عام 1934 ضابطاً برتبة ملازم ثاني في الجيش، وتدرج في رتبته العسكرية حتى وصل إلى رتبة رئيس [ نقيب] حيث دخل كلية الأركان في 24 كانون الثاني 1941، وتخرج منها بتفوق عام 1943.
وفي 4 تشرين الأول 1950 أُرسل عبد الكريم إلى لندن للمشاركة في دورة عسكرية للضباط الأركان أنهاها بتفوق، وعاد إلى العراق، وتدرج في رتبته العسكرية حتى بلغ رتبة زعيم ركن [عميد ركن] وكان آخر مركز شغله في المؤسسة العسكرية هو آمر اللواء التاسع عشر الذي كان له شرف قيادة ثورة 14 تموز عام 1958.
شارك عبد الكريم قاسم خلال خدمته العسكرية في حرب فلسطين آمراً لأحد الأفواج، وأبدى بطولة نادرة في معركة [ كفر قاسم ]، غير أنه عاد من تلك الحرب ناقماً على السلطة الحاكمة في بغداد، التي خذلت الجيش، ومنعته من تنفيذ مهامه، وتحقيق آمال الأمة العربية في الحفاظ على عروبة فلسطين، فقد قُيدت حركة الجيش، ومنع من القيام بمهامه بسبب التواطؤ المعروف بين بريطانيا والحاكمين بأمرهم في بغداد، فلم تكن حرب فلسطين سوى مسرحية نفذها الحكام العرب آنذاك، بإخراج أنكلو أمريكي، من أجل تحقيق وعد بلفور، وزير خارجية بريطانيا، الذي وعد اليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين.
ويتذكر الذين عاصروا تلك الأحداث وكنت واحداً منهم، فضيحة الأسلحة الفاسدة التي جهزت بها بريطانيا الجيش المصري، أيام الملك فاروق، والتي أستخدمها في تلك الحرب، مسببة وقوع خسائر جسيمة في صفوف الجيش المصري، وتدمير معنوياته وخذلانه، من أجل تحقيق أهداف بريطانيا والحركة الصهيونية في سلب قلب الأمة العربية، وصلة الوصل بين المشرق العربي ومغربه، وكان لاختيار فلسطين لإقامة هذا الكيان، الغيرشرعي أهداف بعيدة المدى للإمبريالية الأنكلو أمريكية، ظهرت جلية لكل ذي بصيرة، في تمزيق العالم العربي ومنعه من التوحد، وفي فرض السيطرة الكاملة على المنطقة العربية، والهيمنة على ثرواتها النفطية، وليجعلوا من دولة إسرائيل سيفاً مسلطاً على رقاب الأمة العربية، وحارساً قويا وأميناً للمصالح الإمبريالية في الشرق الأوسط والخليج.
ولدت تلك الحرب وسلوك الحكام العرب لدى عبد الكريم قاسم سخطاً مشروعاً على النظام العراقي، وخيانته لمصالح الوطن، ومصالح الأمة العربية، وجعلت فكرة الثورة تختمر في تفكيره، فكرس جهده لتنفيذ هذه الفكرة حتى تحقق له ذلك صبيحة 14 تموز 1958.
كما أن الأحداث التي تلت حرب فلسطين في العراق، والتي كان على رأسها وثبة كانون المجيدة في نفس ذلك العام، ووثبة تشرين المجيدة عام 1952، وعقد حلف بغداد، وانتفاضة عام 1956، إبان العدوان الثلاثي على مصر، والتي قمعها الحاكمون بالحديد والنار، جعلت الشعب العراقي وقواه الوطنية، والعناصر الوطنية الثورية في الجيش، وفي المقدمة منهم عبد الكريم قاسم، يفقدون أي أمل في إصلاح أوضاع البلاد سلمياً، ووجدوا أن العمل الثوري هو السبيل الوحيد لإزاحة الفئة الحاكمة من الحكم، وأن السبيل لذلك لا يمكن أن يتم إلا بتدخل الجيش.
وهكذا جاءت ثورة الرابع عشر من تموز 1958، والتي قادها بنجاح [عبد الكريم قاسم] مدعوماً بكل فئات الشعب من قوميين وديمقراطيين وشيوعيين خرجوا جميعاً صبيحة ذلك اليوم لإسناد الثورة ودعمها، ومستعدين للتضحية والفداء من أجل نجاحها وديمومتها، ومن أجل تحقيق آمال وطموحات الشعب العراقي في الحياة الحرة الكريمة.(6)
واستطاعت حكومة الثورة التي شكلها عبد الكريم قاسم أن تحقق الكثير من الإنجازات في عامها الأول كان في مقدمتها قانون الإصلاح الزراعي، الذي كان بحد ذاته، ثورة اجتماعية كبرى حيث حررت الفلاحين الذين يمثلون 75% من الشعب العراقي من نير الإقطاعيين وخلقت علاقات إنتاجية جديدة، وألغت قانون العشائر المتخلف، حيث أصبح سكان الريف شأنهم شأن سكان المدن جميعاً خاضعين للقانون المدني.
ولأول مرة في تاريخ العراق، نصّ دستوره المؤقت الذي أصدرته حكومة الثورة، على أن العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن، وفي ذلك خير تأكيد على حقوق الشعب الكردي القومية، وقد تم استقبال الزعيم الكردي [الملا مصطفى البارزاني] ورفاقه العائدين من الاتحاد السوفيتي استقبالاً رسمياُ وشعبياً كبيراً، وتمّ منح العائدين رواتب شهرية، وجرى إسكانهم في بيوت بنيت لهم حديثاً، وتمّ إسكان القائد الكردي مصطفى البارزاني في قصر نوري السعيد، وجرى تأمين كافة احتياجاته بما يليق به كزعيم كبير للشعب الكردي.
وجاء قانون الأحوال المدنية الجديد ليحرر المرأة، ويجعلها على قدم المساواة مع الرجل، فكان بحق ثورة اجتماعية أخرى، وفي المجال السياسي أقدمت حكومة عبد الكريم قاسم على إخراج العراق من حلف بغداد والاتحاد الهاشمي، فكان ذلك نقلة نوعية كبرى في طريق التحرر من الهيمنة الإمبريالية، وعودة العراق إلى الصف العربي، وتقديمه لكافة المساعدات لحركة التحرر العربية، وخاصة للشعبين الفلسطيني والجزائري واستطاعت حكومة عبد الكريم قاسم أن تقيم علاقات متوازنة مع جميع البلدان الأجنبية، ومنها دول المعسكر الاشتراكي بعد أن كانت حكومة نوري السعيد قد قطعتها فيما مضى.أما في المجال الاقتصادي فقد كان تشريع قانون رقم 80 لسنة 1961 أخطر ضربة وجهها عبد الكريم قاسم لشركات النفط، حيث تم ّبموجب القانون أستعاد 99,5% من الأراضي الداخلة ضمن امتياز شركات النفط، والحاوية على احتياطات نفطية هائلة، وإصدار قانون شركة النفط الوطنية، بغية استغلال مكامن النفط وطنياً. ولست هنا في مجال استعراض كافة منجزات حكومة الثورة، حيث سيكون لها مكان آخر في صفحات هذا الكتاب، ولكني أردت فقط استعراض بعض تلك الإنجازات التي تحققت على يد حكومة الثورة بقيادة عبد الكريم قاسم .
لقد كان من المؤمل للثورة أن يتجذر عمقها، بالسير إلى الأمام من أجل تحقيق ما يصبو إليه شعبنا، لكن الانشقاق الذي قاده عبد السلام عارف، الشخصية الثانية في قيادة الثورة والذي دعمه جانب كبير من القوى القومية والبعثيين، ومحاولة تلك القوى فرض الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية بالقوة،عن طريق اللجوء إلى التآمر المسلح، أعاق تجذر الثورة وتطورها، فقد جرت ثلاث محاولات انقلابية والثورة ما تزال في عامها الأول، وأدى سلوك عبد السلام عارف إلى شق وحدة الشعب، وجبهة الاتحاد الوطني، وتحول ذلك التعاون والتآلف بين القوى الوطنية إلى حالة من الاحتراب العنيف.
استطاع عبد الكريم قاسم بدعم وإسناد من الحزب الشيوعي أن يتجاوز كل المؤامرات والمخاطر التي كانت محدقة بالثورة، حيث سخر الحزب الشيوعي كافة إمكاناته لدعم الثورة وقيادتها دون قيد أو شرط، كما ورد في البرقية التي طيرها إلى الزعيم عبد الكريم قاسم، وإلى مجلس السيادة، وجاء فيها: (7)
مجلس السيادة للجمهورية العراقية
رئيس مجلس الوزراء السيد عبد الكريم قاسم
نهنئكم من صميم قلوبنا على خطواتكم المباركة التي وضعت نهاية حاسمة لعهد طويل من المآسي والمحن التي قاسى منها شعبنا المجاهد النبيل على يد الاستعمار وأعوان الاستعمار.
إننا نعبر عن تفاؤلنا بأن هذه الخطوة الحاسمة ستكون فاتحة عهد جديد، عهد حرية وتطور عراقنا الحبيب، وتبؤ شعبنا البطل مركزه في الموكب الظافر، موكب العروبة المتحررة الناهضة والحبة للسلام، وموكب الإنسانية العاملة من أجل تحررها من نير الاضطهاد والاستعمار.
إن شعبنا العراقي بعربه وأكراده سيسجل لكم بفخر جرأتكم وتفانيكم من أجل تحقيق أهدافه الوطنية الكبرى، وهو يحمي ويصون بدمائه الغالية جمهوريته الوطنية الفتية، وإنه لعلى ثقة كبرى من قدرته على القيام بهذا الواجب المقدس، ومن مساندة القوى التحررية العربية في جميع ديارها، وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة ، ومن قوى الحرية والسلام في
جميع أنحاء العالم، وعلى رأسها الإتحاد السوفيتي .
إن اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي العراقي تضع كافة قوى حزبنا إلى جانب مؤازرتكم، وللدفاع عن جمهوريتنا البطلة.
سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي
14 تموز 1958
كان عبد الكريم قاسم، شأنه شأن أي إنسان آخر، له إيجابياته وسلبياته معاً، فليس هناك من استطاع الطعن في وطنيته وأمانته، وحرصه على ثروات البلاد، ومصالح الشعب، ولم يستطع انقلابيي 8 شباط 1963 أن يجدوا أي تهمة تمس أمانته ووطنيته.
لكن عبد الكريم قاسم كانت له أخطاؤه وسلبياته التي أوقعته في المكيدة التي نصبها له الإمبرياليون وعملائهم، وأوقع شعبه معه فيها.
لقد أخطأ عبد الكريم قاسم في تقيمه لطبيعة الصراع بين قوى الثورة وقوى الردة، ولاسيما بعد دحر الطبقة الحاكمة، من كبار الملاكين والإقطاعيين الذين قضت الثورة على سلطانهم، وخاصة بعد إصدار قانون الإصلاح الزراعي، فهذه القوى كانت قد أصبحت أكثر شراسة بعد إقصائها من الحكم وأكثر استعداد للتعاون والتنسيق مع الإمبرياليين من أجل اغتيال الثورة وقيادتها.
لقد أخطأ عبد الكريم قاسم في سياسة التسامح مع أعداء الثورة، وأخطأ في اعتماده على عناصر غير أمينة على مصالح الشعب والوطن، وأخطأ بسياسة [فوق الميول والاتجاهات] وسياسة [التوازن] بين القوى التي تحمي الثورة وتدافع عنها، وبين التي سعت منذُ البداية للتآمر عليها، وأخطأ أخيرا بسياسة [ عفا الله عما سلف ] ‍‍‍.
لقد بلغت سياسة عبد الكريم إلى حد إعفاء كل الذين تآمروا عليه وحاولوا ونفذوا محاولة القتل، ليدبروا انقلاب 8 شباط1963، وليقُتل على أيديهم فيما بعد.
ومن جهة أخري سعى عبد الكريم قاسم عملاً بسياسة [التوازن] التي أتبعها إلى تحجيم الحزب الشيوعي سنده الحقيقي، والأكثر اندفاعاً في حماية الثورة، وكذلك المنظمات الشعبية النقابات والاتحادات التي كانت قد جندت كل قواها لحماية الثورة ودعمها، مما أدى في نهاية المطاف إلى عزلته عن جماهير الشعب ذات المصلحة الحقيقية في الثورة.
كما أنه أخطأ في تقديره لمكائد الإمبرياليين الذين أستفزهم إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، ولم يتعظ من أحداث إيران على عهد الدكتور مصدق والانقلاب الأمريكي الذي قاده الجنرال زاهدي عميل المخابرات الأمريكية بعد إقدام مصدق على تأميم النفط الإيراني، حيث لم يتخذ الإجراءات الكفيلة لصيانة جبهة الاتحاد الوطني، وزجها في المعركة ضد الإمبريالية، فكان تحرك الإمبرياليين أسرع منه، واستطاعوا إسقاط حكومته. (8)
لم يكن عبد الكريم قاسم المخطئ الوحيد على الساحة السياسية للبلاد، بل أن سائر الأحزاب السياسية كان لها دور ونصيب في تلك الأخطاء سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر، وسوف أتحدث عن ذلك بالتفصيل في فصول قادمة.
ورغم كل الأخطاء التي وقع فيها عبد الكريم قاسم فأنه يبقى شامخاً، كقائدٍ وطنيٍ مخلص، معادي للاستعمار، نذر حياته في سبيل تحرير وطنه من نير الإمبريالية، وسعى إلى إسعاد شعبه والنهوض بالعراق في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية، محققاً العديد من الإنجازات رغم قصر عمر الثورة، ورغم الظروف التي أحاطت بها.

ثالثاً:عبد السلام الشخص الثاني في قيادة الثورة:
ليس هناك أدنى شك لدى كل القوى السياسية، وجماهير الشعب والتنظيمات الثورية في الجيش أن عبد السلام عارف كان الرجل الثاني في قيادة الثورة وأنه قام بدور كبير في تنفيذ الثورة صبيحة الرابع عشر من تموز، حيث استطاع السيطرة على اللواء العشرين الذي كان آمراً للفوج الثالث فيه بالتعاون مع آمر الفوج الأول [العقيد عبد اللطيف الدراجي ].
فقد تمكن عبد السلام عارف من اعتقال آمر الفوج الثاني، العقيد الركن [ياسين عبد الرؤوف] الذي رفض التعاون والاشتراك في الثورة، فيما جرى التحفظ على آمر اللواء العشرين الزعيم الركن [أحمد حقي]، وبذلك تسنى له قيادة اللواء، والاندفاع به نحو بغداد لتنفيذ الأهداف التي تمّ التخطيط لها من قبل مع الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، في حين توجه اللواء التاسع عشر بقيادة عبد الكريم قاسم نحو مقر الفرقة الثالثة في بعقوبة للسيطرة عليها، ومنع قائد الفرقة [غازي الداغستاني]، أحد دعائم النظام الملكي، القيام بأي تحرك ضد الثورة.
واستطاع عبد السلام عارف تنفيذ المهام التي أُوكلت له بكل شجاعة حيث سيطر على دار الإذاعة، وأذاع البيان الأول للثورة الذي كان يمثل ساعة الصفر لتحرك كافة قوى الثورة في مختلف أنحاء القطر.
ولد عبد السلام عارف عام 1921، ويرجع أصل أُسرته إلى عشيرة الجميلات من بلدة [سميكة] التابعة آنذاك لمحافظة بغداد، وأنهى دراسته الثانوية في بغداد عام 1938، حيث دخل الكلية العسكرية وتخرج منها ضابطاً برتبة ملازم ثاني عام 1941، وتدرج في رتبته العسكرية حتى رتبة رئيس [ نقيب ]،حيث دخل كلية الأركان، واستمر بعد تخرجه بالتدرج في رتبته العسكرية حتى رتبة عقيد ركن، وكان آخر منصب عسكري شغله هو آمر الفوج الثالث في اللواء العشرين عندما بزغ فجر الثورة، وعُين بعد نجاحها نائباً لرئيس الوزراء، ونائبا للقائد العام للقوات المسلحة، ووزيرا للداخلية.
لكن عبد السلام عارف اتصف بالعصبية والتهور، وضعف مستواه الثقافي، وقد بدا ذلك واضحاً في تصرفاته وخطاباته في الأيام الأولى للثورة كما أتصف بالصبيانية وضحالة التفكير، مما أوقعه في مطبات كبيرة سببت إحراجا لمرات عديدة لوزير الخارجية السيد [عبد الجبار ألجومرد ] بسبب مهاجمته لبعض الملوك ورؤساء الدول، في وقت كان العراق أحوج ما يكون لكسب ود تلك الدول، واعترافها بالحكومة الثورية الجديدة. فلم تكن خطاباته فيها شيء من النضوج والتعقل والحكمة كما كان خشناً في تصرفاته حتى مع رفاقه في الثورة. (9)
أما ما يخص أفكاره واتجاهاته فقد كان عبد السلام عارف يرى في الرئيس جمال عبد الناصر مثله الأعلى، حيث كان يركز في كل خطاباته على شخصيته، وكان يدعو إلى إقامة وحدة فورية مع الجمهورية العربية المتحدة، وخاصة عندما قام بزيارة رسمية إلى دمشق على رأس وفد عراقي كبير ولقائه مع الرئيس عبد الناصر، حيث كانت تصريحاته تتوالى بهذا الاتجاه وكانت أحاديثه من السذاجة ما جعلت عبد الناصر يصاب بخيبة أمل فيه. (10)
وفي الوقت نفسه أثارت تصريحاته قلقاً شديداً لدى عبد الكريم قاسم وحكومته، وخاصة عندما كان يزور القطعات العسكرية في مختلف المدن العراقية داعياً للوحدة، ومتجاهلا عبد الكريم نفسه، مما سبب بوقوع انشقاق كبير في حركة الضباط الأحرار، وجبهة الاتحاد الوطني، وقوات الجيش. (11)
قام عبد السلام عارف بإصدار صحيفة [صوت الجماهير] باسمه، ورأس تحريرها الدكتور سعدون حمادي، من كوادر حزب البعث، في حين أنه يتقلد عدة مناصب رسمية رفيعة، مما يتنافى وعمل وظيفته، وقد أثار تصرفه هذا مشكلة مع الحكومة، وأضطر بعدها إلى التخلي عن الصحيفة لحزب البعث، حيث أصبحت صحيفته الرسمية، وناطقة باسمه. (12)
لكن الصحيفة كانت تعبر عن توجهاته وأهدافه، ودعواته للوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وكان المسبب الرئيسي في شق وحدة الشعب، وجبهة الاتحاد الوطني واللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار منذ الأيام الأولى للثورة، حيث جرى استقطاب للقوى السياسية في البلاد، عبد السلام وحزب البعث والقوى القومية من جهة، وعبد الكريم قاسم والحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والديمقراطيين المستقلين من جهة أخرى.
وقد تعمق هذا الاستقطاب وتحول إلى صراع سياسي مرير تمثل في المظاهرات، والمظاهرات المضادة التي اجتاحت شوارع بغداد والمدن الأخرى، وتخللها العنف والعنف المضاد بين الجانبين في وقت كانت البلاد في أحوج ما تكون للتكاتف والتعاضد من أجل تثبيت الكيان الجديد، وإقامة النظام الديمقراطي المنشود من خلال سن دستور دائم للبلاد ، وانتخاب المجلس التأسيسي، والعمل على تحقيق آمال الشعب وطموحاته في إكمال تحرره السياسي والاقتصادي، وسأتعرض إلى ذلك بالتفصيل في فصول قادمة . (13)
التوثيق
(1) أسرار ثورة 14 تموز ـ إسماعيل العارف ـ ص 169.
(2) نفس المصدر السابق .
(3) سلام عادل ـ الجزء الأول ـ ثمينة ناجي يوسف ونزار خال ـ ص 218 .
(4) صفحات من تاريخ العراق الحديث ـ الكتاب الثاني ـ ص 48 .
(5) نفس المصدر السابق ـ ص38 .
(6) الذاكرة التاريخية ـ صبيح علي غالب ـ 33 .
(7) سلام عادل ـ الجزء الأول ـ ثمينة ناجي يوسف ونزار خالد ـ ص 224 .
(8) صحيفة الأهرام القاهرية في 27 أيلول ـ 1963 .
(9) عبد السلام عارف ـ أحمد فوزي ـ ص 80 .
(10) العراق الجمهوري ـ مجيد خدوري ـ ص 120 .
(11) حقائق عن ثورة 14 تموز ـ محسن حسين الحبيب ـ ص 106 .
(12) صفحات من تاريخ العراق الحديث ـ الجزء الثاني ـ حامد الحمداني ـ ص 84
(13) أسرار ثورة 14 تموز ـ محي الدين عبد الحميد ـ ص 120 .

للحصول على نسخة من هذا الكتاب يرجى الاتصال بالمؤلف على العنوان التالي:
Alhamdany34@gmail.com
Hamid-Alhamdany.com

 29/10/2009