الرئيسية » دراسات » ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة السابعة

ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة السابعة

حركة الضباط الأحرار،وجبهة الاتحاد الوطني
أولاً : نشوء حركة الضباط الأحرار
ثانياً: تنظيمات حركة الضباط الأحرار
ثالثاً : تشكيل اللجنة العليا لحركة للضباط الأحرار
رابعاً :أهداف حركة الضباط الأحرار
خامساً : قيام جبهة الاتحاد الوطني في شباط 1957
سادساً: تحقيق اللقاء بين اللجنة العليا للضباط وجبهة الاتحاد الوطني

أولاً : نشوء حركة الضباط الأحرار:
كان لتمادي السلطة الحاكمة في العراق في سياستها المناقضة لمصالح الشعب والوطن، وانتهاكها للحقوق والحريات العامة، وقمع الصحافة، وتزوير الانتخابات النيابية، واتخاذ الأحكام العرفية وسيلة لقمع الاحتجاجات الشعبية على تلك السياسة اللا وطنية، والخنوع التام للسيطرة الإمبريالية وتآمر الحكام العرب، ومن بينهم حكام العراق على القضية الفلسطينية من أهم العوامل التي شجعت الضباط الوطنيين في مختلف صنوف الجيش على التفكير في تنظيم الخلايا الثورية في صفوف الجيش، والعمل على إسقاط النظام الملكي المرتبط كلياً بالمصالح الإمبريالية.
وجاءت ثورة 23 يوليو في مصر عام 1952، والتي أطاحت بالنظام الملكي، أحد أعمدة التآمر على القضية الفلسطينية لتعطي دفعة أخرى أكثر قوة للعمل الجدي لإسقاط النظام العراقي، فكانت تلك السنة بداية تشكيل أول تنظيم عسكري جدي بهدف الأعداد للثورة، وكان على رأس ذلك التنظيم كلٌ من الرائد [رفعت الحاج سري ]، والعقيد المهندس [رجب عبد المجيد ] وقام الاثنان بمفاتحة العديد من الضباط، وسعت لضمهم للتنظيم المذكور، وبالفعل فقد تصاعد عدد الضباط من مختلف صنوف الجيش. (1)
لكن الحكومة اكتشفت أن هناك اجتماعاً لبعض الضباط في الكاظمية ضمّ الرائد رفعت الحاج سري، والعقيد الركن عبد الوهاب الأمين، والمقدم إسماعيل العارف، والمقدم صالح عبد المجيد السامرائي، فقامت الحكومة بإجراء تحقيق معهم، إلا أنها لم تستطع إثبات أي تهمة ضدهم، لكنها بادرت إلى تفريقهم وإبعادهم إلى وحدات غير فعالة، وبذلك شتت السلطة ذلك التنظيم إلى حين.(2)
غير أن وقوع الاعتداء الثلاثي على مصر عام 1956، ووقوف حكومة نوري السعيد موقف المتشفي من مصر وقيادتها، وتحديها لمشاعر الشعب العراقي والأمة العربية، ووقوفها بجانب الإمبريالية، جعل السخط يتصاعد على تلك السلطة، وتجددت المحاولات لتشكيل منظمات متعددة للضباط الأحرار كان أبرزها أربع تنظيمات كونت فيما بعد ثلاث منها لجنة عليا سُميت {اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار}، فيما بقي التنظيم الرابع محتفظاً لنفسه بتنظيمه الخاص، ولكنهُ أبدى استعداده لمساندة أي حركة تقوم بها اللجنة العليا لإسقاط النظام القائم.

ثانياً: تنظيمات حركة الضباط الأحرار:

1 ـ تنظيم العقيد رفعت الحاج سري :
وقد ضم هذا التنظيم كل من: العقيد المهندس[ رجب عبد المجيد] و العقيد الركن [ ناجي طالب ] والعقيد الركن [ محسن حسين الحبيب] والعقيد الركن [ عبد الوهاب الأمين ] والعقيد المتقاعد [ طاهر يحيى] والمقدم [صالح عبد المجيد السامرائي] والمقدم الركن [ إسماعيل الجنابي] والمقدم الركن [ شاكر محمود شكري ] والرائد[ شكيب الفضلي ] والرائد الطيار [محمد السبع ]، هذا بإلاضافة إلى عدد آخر من الضباط من مختلف الرتب الصغيرة. (3)
ويعتبر العقيد رفعت الحاج سري أول من كون الخلايا السرية في صفوف ضباط الجيش في عام 1952، بهدف القيام بانقلاب عسكري بالتعاون مع رفيقه العقيد المهندس رجب عبد المجيد، ويتصف الضابطان بميولها العروبية والتوجه الإسلامي، وهذا ما أكدته وصيته لزوجته قبل إعدامه على اثر مشاركته في محاولة العقيد عبد الوهاب الشواف الانقلابية الفاشلة في الموصل في 8 آذار 1959 بأن تربي الأولاد على الإيمان بالله، والقرآن الكريم، والنبي الأمين…الخ.
2ـ تنظيم الزعيم عبد الكريم قاسم :
وقد ضّم هذا التنظيم كل من [العقيد الركن عبد السلام عارف]، وأخيه العقيد [عبد الرحمن عارف] والزعيم الركن [ احمد صالح العبدي] والزعيم الركن [ ناظم الطبقجلي] والعقيد الركن [ عبد الوهاب الشواف] و[العقيد فاضل عباس المهداوي] والزعيم [ فؤاد عارف ] والزعيم الركن [ عبد العزيز العقيلي ] والعقيد الركن [ خليل سعيد] وعدد آخر من مختلف الرتب الأدنى، وقد دُعي هذا التنظيم [تنظيم المنصورية] وكان معظم ضباطه من
اللواءين التاسع عشر والعشرين.(4)
3 ـ تنظيم العقيد الركن محي الدين عبد الحميد
وقد ضم هذا التنظيم كل من العقيد ناجي طالب، والعقيد الركن محسن حسين الحبيب، والمقدم الركن عبد الكريم فرحان، والقدم الركن صبيح علي غالب، والمقدم وصفي طاهر، والرائد الطيار محمد سبع، وغيرهم من الضباط ذوي الرتب الصغيرة.
4ـ التنظيم الشيوعي:
وقد ضمّ هذا التنظيم كل من: الزعيم الركن [إبراهيم حسين الجبوري] و[الرائد الركن فاضل البياتي ] والرائد [موسى إبراهيم ] والرائد [خزعل السعدي ] والرائد [كاظم الموسوي ] والرائد [خليل إبراهيم اللامي] والرائد [ كاظم عبد الكريم ] و[الملازم إحسان مهدي ] و[الملازم حسن الوائلي ] و[الملازم منعم جاسم ] و[الملازم أول المتقاعد عطشان الازيرجاوي ] عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ومسؤول الخط العسكري وعدد آخر من صغار الضباط المنتسبين للحزب الشيوعي.(5)

ثالثاً : تشكيل اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار
في كانون الثاني 1956 جرى لقاء بين تنظيم عبد الكريم قاسم وتنظيم رفعت الحاج سري، وتنظيم محي الدين عبد الحميد من أجل توحيد الجهود وتعزيز حركة الضباط الأحرار، وبعد مناقشات مستفيضة حول أهداف التنظيمات وتوجهاتها، تم الاتفاق على دمج التنظيمات الثلاثة في تنظيمً واحداً دعي {اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار}.
فقد تم اللقاء في منزل الرائد الطيار المتقاعد[ محمد السبع] حيث حضر قادة المجموعات الثلاث، وجرى انتخاب الزعيم الركن [عبد الكريم قاسم ] رئيسا للتنظيم، وجرى أداء القسم من قبل الجميع وهذا نصه:
{ أُقسم بالله العظيم، وبشرفي العسكري، أن أخدم وطني إلى جانب إخواني الضباط المشتركين لتحريره من المستعمرين وعملائهم، ومن الحكم الاستبدادي، الذي يعاني منه الشعب، وأعمل دون خوف أو تردد لمصلحة الشعب بناءاً على ما يقرره إخواني الضباط الأحرار، وأن أكتم أسرارهم، وأحميهم من أي أذى في جميع الظروف والأحوال}.
وبعد ذلك جرى انتخاب أعضاء اللجنة العليا وكانت على الوجه التالي :
1ـ الزعيم الركن عبد الكريم قاسم.
2ـ الزعيم الركن محي الدين عبد الحميد.
3ـ الزعيم الركن ناجي طالب.
4ـ العقيد المهندس رجب عبد المجيد.
5ـ العقيد الركن عبد الوهاب الأمين.
8 ـ العقيد الركن عبد السلام عارف.
9ـ العقيد الركن عبد الوهاب الشواف.
10ـ العقيد عبد الرحمن عارف .
11ـ المقدم المتقاعد مدحت الحجاج سري.
12ـ المقدم وصفي طاهر.
13 ـ المقدم الركن المتقاعد محمد السبع.
14 ـ الرائد الركن صبيح علي غالب.
15ـ العقيد الركن محسن حسين الحبيب.
وقد تمّ انتخاب عبد الكريم قاسم، وهوأكبرهم رتبة رئيسا للتنظيم، فيما انتخب محي الدين عبد الحميد، وناجي طالب نائبين للرئيس، وانتخب رجب عبد المجيد سكرتيراً. (6)
كما تمّ تشكيل لجنة للخطط، وأخرى للدعاية والتنظيم، وثالثة لجمع المعلومات، ورابعة للمالية، وتم الاتفاق على منع الكتابة بأي شكل من الأشكال حرصاً على سلامة التنظيم، ولم يتم وضع ميثاق مكتوب يتضمن أسس العمل، كما اتخذ قراراً بعدم جواز ضم أي ضابط جديد دون موافقة جميع أعضاء اللجنة العليا، وأن يكون التنظيم على شكل خلايا لا يتجاوز عدد كل خلية عن خمسة أعضاء، ولا يقل عن ثلاثة.
كما أتفق على عدم إصدار أي نشرة باسم اللجنة حرصاً على سلامة التنظيم من الانكشاف أمام السلطة.
كما جرى الاتفاق على أن الاتصال بالأحزاب السياسية الوطنية يجري من قبل عدد قليل من أعضاء اللجنة، مع عدم الارتباط بأي حزب سياسي، وتم الاتفاق كذلك على الاستفادة من حركة أي وحدة عسكرية تمّر في بغداد لتنفيذ الثورة .
كما جرى الاتفاق على عدم الاتصال بأي جهة أجنبية حفاظاً على سرية الحركة، وجرى الاتفاق على أن يكون إذاعة البيان الأول للثورة من دار الإذاعة بمثابة ساعة الصفر لتحرك كافة تنظيمات حركة الضباط الأحرار، ليقوم كلٍ بدوره. (7)
بلغ عدد الضباط المنتمين للحركة 203 ضابطاً من مختلف الوحدات العسكرية، ومختلف الرتب من رتبة ملازم وحتى رتبة زعيم، هذا بالإضافة إلى عدد كبير من الضباط الذين تربطهم علاقات وثيقة بأعضاء التنظيم، والذين آثروا عدم الانضمام للتنظيم، لكنهم ابدوا استعدادهم لمساندة أي تحرك في حينه.
ومن الملاحظ أن أغلبية أعضاء التنظيم من الضباط تنتمي إلى الطبقة الوسطى، والبرجوازية الصغيرة، ما عدى الزعيم عبد الكريم قاسم الذي ينحدر من أسرة فقيرة، و خالد مكي الهاشمي الذي ينتمي إلى أسرة برجوازية.
أما ما يخص التنظيم الشيوعي، فقد بقي خارج اللجنة العليا، ولكنه اتفق مع اللجنة العليا على أن يقوم بدعم فوري لتحرك اللجنة العليا، وتنفيذ كل الواجبات التي يتطلبها نجاح الثورة دون تحفظ. (8)
لقد كان حُسن التنظيم وسريته عاملان حاسمان في نجاح الثورة التي فاجأت ليس النظام العراقي فحسب، وإنما المخابرات البريطانية والأمريكية على حد سواء، ولم يعرف أحد عنها إلا عند إذاعة البيان الأول من دار الإذاعة في بغداد في الساعة السادسة والنصف من صبيحة الرابع عشر من تموز 1958.

رابعاً :أهداف حركة الضباط الأحرار:
تباينت الآراء حول الأهداف التي خططت لها اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار، حيث لم يكن هناك أهداف مكتوبة أومحددة بسبب سرية الحركة وضرورة حماية التنظيم من وقوع أي وثيقة مكتوبة بأيدي السلطة وأجهزتها الأمنية، غير أن معظم الضباط الذين يشكلون اللجنة العليا اتفقت أرائهم على ما يلي :
1ـ إلغاء النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري، ولكن لم يحدد مصير الملك، و إنما جرى الاتفاق على اعتقال عبد الإله، ونوري السعيد وأزلامهم وإحالتهم إلى المحاكمة، وإنزال العقاب الصارم بهم جراء الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب والوطن.
2ـ الخروج من الاتحاد الهاشمي، الذي لم يكن يمثل سوى العائلة المالكة، ومصالح الإمبريالية في المنطقة.
3 ـ الخروج من منطقة الإسترليني، وتحرير العملة العراقية من سيطرة بريطانيا، والاعتماد على عدد من العملات لدعم العملة العراقية، بدلا من الإسترليني.
4 ـ نبذ سياسة الأحلاف، والخروج من حلف بغداد، وإتباع سياسة عدم الانحياز، والحياد الإيجابي، والعمل بمقررات [مؤتمر باندونك] وتصفية كافة القواعد العسكرية الأجنبية كقاعدتي الشعيبة والحبانية البريطانيتين، وإلغاء كافة الاتفاقيات العسكرية والسياسية المعقودة مع الولايات المتحدة.
5 ـ إلغاء الإقطاع وتشريع قانون الإصلاح الزراعي، وتحرير الفلاحين الذين يمثلون 75% من سكان العراق من ربقة الإقطاعيين، وإلغاء قانون العشائر، وإحداث تغيير واسع وعميق في المجتمع العراقي.
6ـ إقامة أفضل الروابط مع الدول العربية المتحررة، وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة في كافة المجالات السياسية، والاقتصادية والثقافية، وصولا إلى تحقيق أفضل ارتباط مع الجمهورية العربية المتحدة.
7 ـ العمل على تحرير فلسطين بكل الوسائل والسبل المتاحة بالتعاون مع جميع الدول العربية الأخرى، والعمل على إعادة اللاجئين إلى ديارهم .
8 ـ إقامة العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع جميع البلدان، وخاصة بلدان المعسكر الاشتراكي على قدم المساواة والمنافع المتبادلة.
9ـ العمل على تأمين حقوق الشعب العراقي بثروته النفطية، ومن أجل رفع الإنتاج، وتأمين دخل اكبر لتنفيذ المشاريع الطموحة للثورة.
10 ـ العمل على النهوض بالبلاد من حالة التخلف والتأخرالذي لازمه في مختلف المجالات الاجتماعية، والثقافية، والصحية، ورفع مستوى معيشة الشعب. (9)

خامساً: قيام جبهة الاتحاد الوطني [ شباط 1957]: (10)
أدركت القوى والأحزاب الوطنية استحالة تغيير الأوضاع في البلاد من دون تعاونها المشترك، وبموجب برنامج يتم الاتفاق بشأنه من قبل كافة الأطراف، ونتيجة للمساعي المبذولة في هذا السبيل من قبل سائر الأطراف فقد جرت لقاءات بين [الحزب الوطني الديمقراطي] و[حزب الاستقلال] و[الحزب الشيوعي] و[حزب البعث العربي الاشتراكي] والعديد من الشخصيات الوطنية المستقلة.
وتم خلال تلك اللقاءات دراسة مكثفة حول السبل والوسائل الكفيلة لتحقيق أهدافها وطموحاتها، وإنقاذ الشعب العراقي من تلك الزمرة التي امتهنت حقوقه وحرياته ومصالحه، وربطت البلاد بعجلة الإمبريالية.
وقد أسفرت تلك الجهود عن تشكيل {جبهة الاتحاد الوطني} في شباط من عام 1957، وتم تشكيل لجنة عليا تضم ممثلين عن تلك الأحزاب باستثناء الحزب الديمقراطي الكردستاني.
حاول الحزب الشيوعي إشراك [الحزب الديمقراطي الكردستاني] في الجبهة، إلا أن تلك المحاولة لقيت المعارضة من قبل الحزبين القوميين، البعث والاستقلال، ولذلك فقد أكتفي الحزب الشيوعي بالتحالف الثنائي مع الحزب المذكور.
وفي 9 آذار 1957 صدر البيان التأسيسي لجبهة الاتحاد الوطني، وقد استعرض البيان أسباب قيام الجبهة وأهدافها، وقد أجمعت الأحزاب المنضوية فيها على الخطوط والأهداف الرئيسية التي ستناضل من اجل تحقيقها والتي تتلخص فيما يأتي :
1 ـ إسقاط حكومة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي .
2 ـ الخروج من حلف بغداد، وأتباع سياسة الحياد الإيجابي .
3 ـ إطلاق الحريات الديمقراطية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإلغاء كل ما يتعارض معها من مراسيم وتشريعات شاذة .
4 ـ إلغاء مرسوم الإدارة العرفية، وحل المجالس العرفية، وإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين السياسيين، وإعادة المفصولين إلى وظائفهم وكلياتهم ومدارسهم ، وإلغاء مرسوم إسقاط الجنسية عن المواطنين.
5 ـ تعزيز الروابط مع البلدان العربية المتحررة .
وفيما يلي نص البيان التأسيسي الذي أعلنته اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني :
البيان التأسيسي لجبهة الاتحاد الوطني
أيها الشعب العراقي الكريم :
نظرة في الوضع الدولي العام :
يتميز الوضع الدولي العام باشتداد الكفاح على النطاق الدولي بين الدول الاستعمارية من جهة وبين القوى الوطنية والتحررية من جهة أخرى، باتخاذ الكفاح المذكور أشكالاً جديدة، بعد أن تغير ميزان القوى داخل الجبهة الاستعمارية، وبينها وبين القوى الوطنية التحررية، تغيراً حاسماً، بعد فشل العدوان الجنوني الغادر على الشقيقة مصر، وتصدع البناء الاستعماري تصدعاً خطيراً، وانكشاف زيف المواثيق والأحلاف الاستعمارية، والدور المستنكر الذي قامت به دول حلف بغداد، وخاصة [ تركيا ] و[ العراق ] في العدوان المذكور.
ومن البديهي أن يحاول الاستعمار، الذي يرى في نمو القومية العربية، ونشوء كتلة الدول العربية المتحررة، وتبلور الوعي القومي للشعوب العربية، أكبر خطر على مصالحه، وأعظم عائق في إحكام طوقه الاستعماري، وأكبر ثغرة في سلسلة مواثيقه وكتله، وأحلافه.
ومن البديهي أن يحاول تجديد أشكاله، وتغيير أساليبه، والقيام بتوزيع جديد لأدوار أبطاله، ورفع شعارات جديدة تتلاءم والمواقف المستجدة المتغيرة. وبالرغم من عدم تبلور الموقف الاستعماري الجديد، وشدة التناقضات التي تنخر في جسمه، إلا أن الخطط الأولى لهذا الوضع الجديد بدأت تتضح في محاولات مفضوحة للقضاء على الوضع السياسي الوطني في الشقيقتين مصر وسوريا، بطريق الضغط الاقتصادي المتواصل، والمؤامرات المكشوفة، وتهديدات الدول المجاورة، الضالعة في ركاب الاستعمار، والاتهامات الرخيصة الكاذبة، وحملات التهويش والتضليل، وسياسة الدس، عن طريق الرشوة وشراء الذمم، وإفساد الضمائر، ومحاولة تحويل قوات الأمن الدولية إلى قوات احتلال دائمة، هذا فضلاً عن حماية إسرائيل، وإسناد سياستها العدوانية، وتوسعها الإقليمي، والعمل على فرض الصلح معها على العرب، والتلويح بتدويل الأراضي العربية لاستخدامها كقواعد ضد حركة التحرر القومية، واندفاع الاستعمار الأمريكي للحلول محل الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط، والاستعمار الفرنسي في المغرب العربي، والاستمرار في إسناد ميثاق بغداد، ومحاولة جر الدول العربية المتحررة إليه، بالضغط والتهديد والإكراه، وتكوين اتحاد استعماري جديد في المغرب العربي، وخنق القومية العربية، بمنع مصادر الحياة والقوة عنها، بما في ذلك الموارد الاقتصادية والمالية، والأسلحة الدفاعية، وتدعيم المصالح النفطية في الشرق الأوسط باسم حرية التجارة والملاحة العلمية والنقل، والتآمر المكشوف على أمن الشعوب وسلامتها، ومصالحها باسم نظرية الفراغ السياسي المزعوم، وصيانة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وأخيراً، وليس آخراً تثبيت الأوضاع الفاسدة في الشرق الأوسط، ومنع أي تطوير ديمقراطي لها بكل الوسائل التي ينطوي عليها [مشروع إيزنهاور] الجديد .
وبالرغم من هذه المؤامرات الاستعمارية التي استنفذت جميع أشكالها، من معاهدات غير متكافئة، إلى أحلاف عسكرية استعمارية، إلى تحالف مع [إسرائيل] إلى عدوان مسلح على الشقيقة مصر، نقول على الرغم من هذه المؤامرات، فقد خرجت القومية العربية من هذه المعركة منتصرة، قوية ونامية، بعد أن صقلتها التجارب، وثبتت أركانها المحنة، إذ ردّت العدوان على مصر، وألغت معاهدة قناة السويس لسنة 1954، وأرغمت الدول الاستعمارية، بريطانيا وفرنسا، وربيبتهما إسرائيل على الانسحاب، كما أنها فضحت الدولة المزعومة إسرائيل في المجالات الدولية، فبدا حق العرب واضحاً في فلسطين، وسما مركزهم مشفوعاً بروح جديدة تدفعهم للنضال، وتشدهم للاتحاد.
لكن الاستعمار لن يلقِ سلاحه بسهولة، لأنه ما زال يتثبت بالبقاء في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما في العراق، تحت ستار حلف بغداد الاستعماري، مستعيناً بأذنابه الذين ربطوا مصالحهم به. إن هذا الوضع الشاذ، والمرحلة الخطيرة التي تجتازها الأمة العربية في تاريخها، تفرض على العراقيين أن يقوموا بواجبهم في الكفاح من أجل التحرر والاستقلال، فاجتمع الوطنيون، وتدارسوا الأوضاع الداخلية والخارجية، وثبتوا الأهداف التي تعبر عن هذه المرحلة نقطة ابتداء، لتحقيق الحرية والاستقلال للشعب العراقي، والسير به في موكب الأمة العربية التحرري . إن هذه الأهداف الوطنية الكبرى التي أجمع عليها العاملون في الحركة الوطنية يمكن تلخيصها بما يأتي :
1ـ تنحية وزارة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي :
إن هذا المطلب يشكل بالبداهة الخطوة الأولى لأية سياسة وطنية محتملة، فنوري السعيد هو العميل الأول للاستعمار البريطاني، والصفقات الاستعمارية الكبرى في تاريخ العراق الحديث، بل وفي الشرق الأوسط . شكل وزارته الحالية في صيف عام 1954، ليقوم بالدور الاستعماري المرسوم له، وعَقدَ حلف بغداد، وعمل على جرّ الدول العربية إليه، وعقد الصلح مع إسرائيل، والقضاء على القومية العربية المتحررة، وتحويل الشرق العربي إلى قلعة استعمارية كبرى، وبالرغم من جميع الوسائل الوحشية، والجرائم المنكرة والمجازر الفظيعة،التي ارتكبها نوري السعيد .
وبالرغم من جميع المراسيم الكيفية، والأحكام العرفية، والمؤامرات على الدول الشقيقة، فقد أثبتت الحوادث الأخيرة فشل سياسة نوري السعيد فشلاً تاماً، فهو وإن كان قد حقق بعض أغراض الاستعمار في العراق، بتجديد المعاهدة، وشق الصف العربي، إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً في ضرب الحركة القومية العربية، كما فشل في جر أي بلد عربي إلى حلفه الاستعماري، فهو لم يستطع إذن تحقيق الأهداف الاستعمارية في هذه المنطقة الحساسة من العالم .
أن نوري السعيد، بعد فشل العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر، وانكشاف مؤامراته على سوريا، وقبل ذلك على الأردن، وافتضاح دور ميثاق بغداد للقضاء على حركة التحرر العربية، وانعزاله انعزالاً تاماً في الحقلين الداخلي والدولي، سوف لن يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم الجديدة،للمحافظة على المصالح الاستعمارية في العراق، والشرق العربي، وسوف يواصل مؤامراته، وتهديداته، ومناوراته في محاولة يائسة للقضاء على استقلال الدول العربية المتحررة، والذي ما انفك يخلق لها المتاعب، ويثير المشاكل باستمرار، وسوف لا يتردد في القيام بدوره الجديد في المرحلة الجديدة للاستعمار العالمي، بعد تغير ميزان القوى داخل الجبهة الاستعمارية، وبنفس الوحشية والقسوة التي عرف بها في خدمة أسياده القدامى، وما المجلس النيابي الحالي، المكون أكثره من الاستغلاليين والانتهازيين، والإمعات، والذي عين أعضاءه بأفظع وسائل التزوير والتلفيق، إلا أداة طيعة لتنفيذ المشاريع الاستعمارية، يسخره نوري السعيد كيفما أراد في خدمة المستعمرين المغتصبين، على حساب الشعب العراقي، ومبدأ حق تمثيله، فالمجلس النيابي الحالي هو أبعد ما يكون إذن عن كونه جهازاً تشريعياً مستقلاً محترماً.
لهذه الأسباب جميعاً أصبحت تنحية وزارة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي، المطلب الأول من مطالب الحركة الوطنية .

2 ـ الخروج من حلف بغداد وتوحيد سياسة العراق مع البلدان العربية المتحررة :
إن الصراع بين القوى الاستعمارية وسياسة التكتل والأحلاف الأجنبية من جهة، وبين القوى الوطنية، ومبادئ [ باندونك ] من جهة أخرى، أنعكس في الشرق العربي في صراع عنيف متواصل مستمر، واتخذ أشكالاً وألواناً شتى بين الشعوب العربية،في نزعتها إلى التحرر والاستقلال، بين بعض الحكومات العربية الرجعية الضالعة في ركاب الاستعمار، والحريصة على تثبيت المصالح غير المشروعة للفئات الحاكمة، والمرتبطة بمصالح الاستعمار، ولعل أكبر حدث سياسي في تاريخ الأمة العربية الحديث، هو ظهور حكومات عربية استطاعت لأول مرة في تاريخنا المعاصر أن تفلت من طوق الاستعمار، وتتبع سياسة عربية مستقلة، تخدم مصالح شعوبها وتسهم في التيار المتجه بقوة نحو استقلال جميع الأمم، وتحرر الإنسان من شبح الاستغلال والاستعباد، وقد كان لهذا الحدث السياسي الخطير وقع الصاعقة على الاستعمار العالمي، فأسرع لعقد ميثاق بغداد، وركز جهوده لجر الدول العربية لهذا الحلف .
ولقد قامت دول الميثاق المذكور، لتحقيق مهمتها العدوانية بكل الكبائر، وآثار هذه السياسة الإجرامية ماثلة لدينا في العراق، في حلّ الأحزاب السياسية، وتعطيل الصحافة الوطنية، وخنق الحركة الفكرية، والأزمة الاقتصادية الآخذة بخناق أكثرية أبناء الشعب، وفي هذه السجون والمعتقلات المملوءة بالوطنيين، وتلك الكليات والمعاهد الغاصة بالأرصاد والجواسيس، وخنق الشعب بالجاسوسية، وتبذير موارد البلاد عليها، لخدمة الدول الاستعمارية، وفي الثكنات والقلاع المحولة إلى وسائل عقاب تعذيب للشباب، وفي مجازر الحي والنجف، والموصل، وبغداد وغيرها، وفي إعدام الوطنيين، وفصل الأساتذة والطلاب والموظفين، ونفي السياسيين، ونزع الجنسية العراقية عنهم، وفي الأوضاع القائمة على الاستغلال والرشوة والفساد، وعلى النهب والسلب والتبذير والتبديد،والمحسوبية،والعنف والإكراه، وأخيراً في هذه المعاهدة الجديدة التي هُربت تهريباً تحت ستار حلف بغداد العدواني، لتجديد معاهدة 1930، لتمكين نفوذ الاستعمار ومصالحه في العراق .
على أن الاستعمار بالرغم من فشل ميثاقه في تأدية مهمته الأساسية، وخاصة بعد انكشاف دوره المفضوح في العدوان الثلاثي على مصر، فقد بادرت الولايات المتحدة وبريطانيا، وقادة الدول المنضوية تحت راية هذا الميثاق، يفكرون بتغذيته بدم جديد، والعمل على إسناده بوسائل جديدة ترد له بعض الحياة، ولذلك فإن خروج العراق من هذا الميثاق الذي كان وسيلة لتمكين الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط، وجعل العراق قاعدة لضرب الحركات الوطنية فيه، والذي فرق كلمة العرب، وهدم التعاون العربي، الذي كنا نأمل في أن يصل إلى درجة الاتحاد، والذي شل الجامعة العربية، وربط مصير العراق بالدول الاستعمارية، ومهد للنفوذ التركي البغيض كخطوة أولى لنفوذ أوسع وأكبر، نقول أن خروج العراق من هذا الميثاق هو الشرط الأول والأساسي لكسب العراق استقلاله السياسي، وانفكاكه من القيد الاستعماري، وخروجه من عزلته المصطنعة، والالتحاق بقافلة الدول العربية المتحررة، ومساهمته في تحرير الشعوب العربية، وعمله كقوة إيجابية من القوى العاملة على وحدة الأمة العربية .
3ـ مقاومة التدخل الاستعماري بشتى أشكاله ومصادره،وانتهاج سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي :
إن هذا المطلب الأساسي المتعلق بموقف العراق من السياسة الدولية، هو امتداد ضروري وطبيعي للمطلب السابق الذي يتعلق بموقفه من السياسة القومية. وقد سبق أن المحنا في أول هذه الكلمة أن الاستعمار يتخذ بالضرورة أشكالاً مختلفة، وألواناً شتى، حسب تطور ميزان القوى الدولية .
إننا نشجب ميثاق بغداد، لأنه مظهر جوهري من مظاهر الاستعمار، ولكن الاستعمار أتخذ وسيتخذ حتماً مظاهر جديدة أخرى، اقتصادية وسياسية وعسكرية وفكرية، وواجب الحركة الوطنية أن تتابع حركة التطور والأساليب الاستعمارية بكل يقظة وحذر، وأن تكشف جوهرها وخطرها، وأن تطور هي الأخرى أساليب عملها وكفاحها حسب تطور ظروف المقاومة للاستعمار، بسائر ألوانه وأشكاله، وإدراك جوهره الحقيقي، وما يخفيه وراء شعاراته المضللة، واعتباره منظمة عالمية عدوانية، رغم الخلافات المحتدمة بين أجزائه، وإتباع سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي، بتجنيب البلاد من الانغمار في تيار الحرب الباردة بين المعسكرات الدولية، وانتهاج سياسة مستقلة في الحقل الدولي مستوحاة من مصالح الأمة العربية، بعيدة عن مؤامرات الاستعمار، وإغراءاته وتهديداته، وحذراً من كتله ومواثيقه، مدركة لزيف مساعداته، وخبرائه، مستندة لمصالح الشعوب العربية التي لا تطمح لغير الاستقلال والحرية والرفاه والسلم والازدهار المادي والأدبي، في جو عالمي هادئ خالٍ من التوتر والعدوان .

4 ـ إطلاق الحريات الديمقراطية:
إن مبدأ سيادة الشعب انتزعته الشعوب منذ قرون، وكسبت بتحقيقه فعلاً حقوقاً كثيرة، منها حق تمثيل الشعب لنفسه عن طريق الانتخاب الحر المباشر، والعمل لهذا الغرض في جو تكتنفه الحريات، وتعمه الديمقراطية المبنية على أساس حرية التنظيم الحزبي، وحرية التعبير عن الرأي والضمير، وعلى أساس المسؤولية الوزارية.
في مثل هذه الأجواء الديمقراطية فقط يمكن أن تتيح الشعوب لنفسها محيطاً تنموا فيه القابليات، وتتضاعف الثروات، ويخطو المجتمع إلى أمام في مدارج الرقي والمدنية. فالحريات الديمقراطية هي الإطار العام الذي لا يمكن للحياة العامة أن توجد، وتتحرك، وتنمو وتتطور وتتفاعل، وتتوالد بدونه.
فالمراسيم الكيفية اللا دستورية، وإسقاط الجنسية عن أحرار العراق المطالبين بالحق والكرامة وإلغاء الأحزاب، وتعطيل الصحف، وتزييف الانتخابات، ودكتاتورية الفرد، وكم أفواه الناس، وخنق الحريات، كلها وسائل سلكتها وزارة نوري السعيد، لتعيد العراق إلى عهد الطغيان والعبودية، إنها سموم تميت الديمقراطية، وتمتهن الكرامة، وتقضي على القومية. ولذلك فالقضاء على هذا الفساد السياسي، وإعادة الحكم الديمقراطي، بإطلاق الحريات الدستورية، هما الشرط الأول لبناء حياة سياسية صحيحة.
إن الحريات الديمقراطية تؤلف وحدة لا يمكن أن تتجزأ، فيجب أن تشمل حرية الاجتماع، وتأليف الأحزاب، والتنظيم النقابي، والجمعيات، وحرية الانتخاب، والحرية الفكرية بسائر ألوانها، والحريات الشخصية والمدنية، كما يجب أن تكون عامة شاملة، يتمتع بها جميع المواطنين دون تمييز.
إن ضمان هذه الحريات الدستورية، وإلغاء ما يتعارض معها من مراسيم شاذة، مطلب وطني أساسي لا غنى عنه للشعب .
5 ـ إلغاء الإدارة العرفية، وإطلاق سراح المعتقلين، وإعادة المدرسين والطلاب والموظفين والمستخدمين المفصولين لأسباب سياسية :
إن هذا المطلب الأخير، وإن كان نتيجة حتمية يمكن أن تدخل في نطاق المطلب السابق، إلا أن طبيعته الآنية المستعجلة، وكثرة عدد ضحايا الإرهاب السعيدي، والتعذيب والإرهاب الذي لازال يلاقيه الألوف من ضحايا الحركة الوطنية مع عائلاتهم وذويهم، يجعل المطالبة بتحقيق هذا المطلب الملح، مظهراً من مظاهر العمل على إزالة المظالم التي قامت بها وزارة نوري السعيد ضد الوطنيين .
أننا ندعو جميع أفراد الشعب العراقي الكريم، وجميع العاملين في الحركة الوطنية، إلى وحدة التكتل، والالتفاف حول مطالب الأمة الكبرى. ندعوهم إلى نبذ الخلافات، والانشقاقات بمختلف أشكالها من صفوف الحركة الوطنية، والكفاح المشترك من أجل تنحية وزارة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي، والخروج من حلف بغداد، وتوحيد سياسة العراق الخارجية مع البلاد العربية المتحررة، ومقاومة التدخل الاستعماري بشتى أشكاله ومصادره، وسلوك سياسة الحياد الإيجابي، وإطلاق الحريات الديمقراطية الدستورية، وإلغاء الإدارة العرفية، وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين السياسيين وإعادة المفصولين بسبب نشاطهم الوطني،والنصر لا محالة للشعب .
بغداد في 9 آذار 1957
اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني

سادساً: تحقيق اللقاء بين اللجنة العليا للضباط وجبهة الاتحاد الوطني:
بعد أن تمّ تشكيل اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار وقيادتها، رأت القيادة ضرورة الاتصال باللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني،والتي تضم الأحزاب السياسية الوطنية المعارضة من أجل التنسيق معها في أي تحرك لقلب نظام الحكم الملكي، فالإسناد الشعبي لأي حركة ثورية يلعب دوراً حاسماً في النجاح.
كما أن الحزب الشيوعي كان له تنظيم واسع في الجيش كما أسلفنا يقوده الزعيم الركن حسين الجبوري، وبأشراف عضو اللجنة المركزية للحزب عطشان الأزيرجاوي، وكان هذا التنظيم قد أبدى كامل استعداده لإسناد أي تحرك لحركة الضباط الأحرار بكل قوة.(11)
كما كان لحزب البعث العربي الاشتراكي تنظيم آخر يضم عدد من صغار الضباط وعلى ذلك فقد بادرت اللجنة العليا للضباط الأحرار، عن طريق أمين السر [رجب عبد المجيد ]، بالاتصال بحزب الاستقلال، وحزب البعث فيما بادر الزعيم عبد الكريم قاسم بالاتصال بالحزب الشيوعي عن طريق صديقه [رشيد مُطلك] حيث تم الاتصال بالمكتب السياسي للحزب.
كما بادر عبد الكريم قاسم للاتصال بالسيد كامل الجادرجي، زعيم الحزب الوطني الديمقراطي، حيث كان الزعيم يعتز به كقائد وطني ومتأثراً بأفكار الأهالي، صحيفة الحزب.
لقد جرى التنسيق بين اللجنتين استعداد لليوم الموعود، كما جرى أيفاد [صديق شنشل] إلى القاهرة للالتقاء بالرئيس عبد الناص، والتباحث معه حول ما يمكن أن يقدمه من دعم وإسناد للثورة، وقد وعده عبد الناصر بتقديم كل دعم ممكن.(12)
كما تحدث الرئيس عبد الناصر مع السفير السوفيتي حول ما يمكن أن يقدمه الاتحاد السوفيتي من دعم لأي تحرك في العراق، وجاء الرد السوفيتي بالإيجاب مبدياً استعداده للوقوف إلى جانب العراق لمنع أي اعتداء عليه، في حالة قيام الثورة. (13)
وفي اجتماع اللجنة العليا، قبيل الثورة، قدم الزعيم ناجي طالب اقتراحا يقضي بإعلان الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة فور وقوع أي عدوان أو تدخل ضد الثورة، وتمّ قبول الاقتراح. (14)
وهكذا أصبحت الحركة الثورية ناضجة، وهي تنتظر اليوم المناسب لانطلاقها، وجاء قرار الحكومة بإرسال قوات عسكرية إلى الأردن تتألف من اللواء التاسع عشر بقيادة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، واللواء العشرين الذي كان كل من العقيد عبد السلام عارف، والعقيد عبد اللطيف الدراجي يقودان اثنين من أفواجه الثلاث للالتحاق برتل الهادي الموجود في الأردن من قبل، فكانت الفرصة الذهبية لتنفيذ الثورة، أثناء انتقالها من مقرها في جلولاء إلى الأردن مرورا ببغداد ليلة 13/14تموز 1958، فكانت ثورة الشعب والجيش معاً، واستطاعت إسقاط النظام الملكي خلال ساعات .

التوثيق

(1) ثورة 14 تموز ـ ليث الزبيدي ـ ص 131 .
(2) العراق ـ الجزء الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 83 .
(3) نفس المصدر السابق ـ ص 82 .
(4) المصدر السابق ـ ص 94 .
(5) نفس المصدر ـ ص 99 .
(6) ثورة 14 تموز ـ ليث الزبيدي ـ ص 112 .
(7) المصدر السابق ـ ص 122 .
(8) المصدر السابق ـ ص 113 ـ 117 .
(9) المصدر السابق ـ ص 148 ـ لقاء مع حسين جميل .
(10) جبهة الاتحاد الوطني ـ عزيز الشيخ
(11) صفحات من تاريخ العراق الحديث ـ الكتاب الثاني ـ حامد الحمداني ـ ص 33
(12) العراق الجزء الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 105 .
(13) نفس المصدر السابق .
(14) نفس المصدر .

حامد الحمداني 27/10/2009