الرئيسية » دراسات » ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة السادسة

ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة السادسة

ممهدات ثورة 14 تموز
9ـ حرب فلسطين عام 1948 وتخاذل الحكام العرب:
في 14 أيار 1948 أعلنت بريطانيا إكمال انسحابها من فلسطين، ممهدة الطريق لإقامة دولة إسرائيل ، وقد قامت القوات البريطانية عند انسحابها بتسليم أسلحتها إلى المنظمات الصهيونية، التي بادرت على الفور إلى الإعلان عن قيام دولة إسرائيل في نفس اليوم 14أيار 1948.
وأعلنت الولايات المتحدة على الفور اعترافها بالدولة العبرية وتبعتها بريطانيا، ثم فرنسا والاتحاد السوفيتي، وبذلك وجهت الإمبريالية طعنة عميقة إلى قلب الأمة العربية لم تندمل جراحها إلى يومنا هذا.
سارعت الدولة العبرية، وبدعم من الإمبرياليين إلى شن حملة شنيعة لتهجير المواطنين الفلسطينيين من ديارهم، وألقت بما يزيد على مليون مواطن فلسطيني إلى خارج فلسطين ليعيشوا في المخيمات في الدول العربية المجاورة، انتظاراً لنصرة الحكام العرب !! وقامت المنظمات الصهيونية أثناء عملية التهجير بمجازر وحشية يندى لها جبين الإنسانية.
وأمام ضغط الشعوب العربية على حكامها، أقدم أولئك الحكام على إرسال قطعات من جيوشهم إلى فلسطين، لكن تلك العملية لم تكن سوى مسرحية أراد بها الإمبرياليون تثبيت الأمر الواقع في قيام دولة إسرائيل، ولم يكن الحكام العرب جادون في تحرير فلسطين إطلاقاً، فلا يعقل أن جيوش العديد من الدول العربية، وفي المقدمة منها الجيش المصري والعراقي والسوري، غير قادرة على مقارعة مجرد عصابات لمنظمات إرهابية وليدة، رغم كل ما تملكه الدول العربية من قدرات عسكرية؟
لقد كانت الخيانة بادية في أجلى مظاهرها، وكان أبناء الشعب يرددون في العراق حكاية [ماكو أوامر]، أي لا يوجد أوامر، حيث وضعت الحكومة العراقية الجيش تحت قيادة الجنرال [كلوب باشا ] البريطاني قائد الجيش الأردني !!،وبإمرة الملك عبد الله ،والذي كان على اتصال وثيق ويومي مع قادة المنظمات الصهيونية، والذي عقد معهم صفقة ضم بموجبها القسم المتبقي من فلسطين إلى مملكته، مع إقامة علاقات أمنية وثيقة مع الدولة العبرية .
وهكذا خذلت الحكومات العربية، ومنها حكومة العراق، جيوشها وشعوبها وتخلت عن شعب فلسطين، وعاد الجيش العراقي والأسى يملأ قلوب الجنود والضباط الوطنيين بسبب تلك الخيانة، وكان من بين أولئك الضباط، الزعيم عبد الكريم قاسم ،الذي صمم على إزاحة ذلك النظام المرتبط بعجلة الإمبريالية ، وقاد ثورة 14 تموز بنجاح.(14)

10 ـ وثبة تشرين المجيدة عام 1952 :
لم يكن في نية حكومة الصدر إجراء أي تغيير جذري في أوضاع البلاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتردية، بل كان جلّ همها تنفيذ طلب البلاط الملكي بتهدئة الأحوال، بعد تلك الوثبة الكبرى، التي أوشكت على الإطاحة بالنظام الملكي، والعمل على تخدير الشعب بإجراءات ثانوية وفوقية، تمهيدا لعودة تلك الوجوه القديمة، التي هربت أمام غضبة الشعب.
فرغم أن الصدر حلّ مجلس النواب، وأصدر قانون الانتخاب المباشر، إلا أنه أجرى الانتخابات النيابية في ظل الأحكام العرفية، وفي ظل المضايقات المختلفة على مرشحي الشعب، وتدخل البلاط في اختيار المرشحين، مما أفقد الانتخابات جديتها وصدقيتها.
كما أن الأوضاع المعيشية للشعب استمرت في التدهور، دون أن تقدم الحكومة أي علاج لها، واستطاعت تلك الحكومة أن تمهد الأجواء لعودة نوري السعيد إلى قمة السلطة في 6 كانون الثاني 945 ليشن أشنع حملة على الحزب الشيوعي، الذي كان له أكبر دور في أحداث الوثبة، وأقدم على إعادة محاكمة قادته [ يوسف سلمان ـ فهد] و[حسين محمد الشبيبي ـ حازم] و[ زكي بسيم ـ صارم]، والذين سبق أن حكم عليهم بالسجن المؤبد، والحكم عليهم بالإعدام، وتنفيذ الحكم مباشرة في 14 و 15 شباط 1949، وعلى الرغم من الحملة العالمية لإنقاذ أرواحهم، وجرى إعدامهم في ساحات بغداد وتركت جثثهم معلقة على المشانق طول النهار بغية إرهاب الشعب، وكان ذلك قمة التحدي للشعب، والاستهتار بالقوانين والحقوق والحريات العامة .
كما أعتقل نوري السعيد أكثر من 370 من كوادر وأعضاء الحزب، وأحالهم إلى المحاكم العرفية التي أصدرت بدورها بحقهم أحكاماً بالسجن لمدد طويلة، بعد أن مارست أجهزته القمعية أشنع أنواع التعذيب في أقبية دائرة التحقيقات الجنائية [الأمن العامة].
كما أصدر نوري السعيد العديد من المراسيم غير الدستورية، والهادفة إلى كم أفواه الشعب وقواه السياسية، وقمع الحريات العامة .
وهكذا بدأ التراكم الكمي للتناقض بين الشعب وحكامه يتصاعد بوتائر سريعة في ظل حكومة نوري السعيد، والحكومة التي تلتها، وأخذت المسافات تتباعد بين الطرفين.
لقد حاولت الأحزاب الوطنية تنبيه البلاط إلى مخاطر السياسة التي تسير عليها هذه الحكومة، وامتهانها لحقوق وحريات الشعب، فقد قدم قادة الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال، مذكرات عديدة للوصي تحذره من مغبة استمرار تلك الأوضاع على حالها، لكن الوصي أصر على أن يصم آذانه عن سماع تلك النصائح، بل تمادى في غيه ورد على تلك المذكرات بانفعال شديد، وتطاول على السيد [طه الهاشمي] أحد رؤساء الوزارات السابقين في مؤتمر البلاط ، مما جعل الشعب يفقد أي أمل في إصلاح الأوضاع بشكل سلمي، وغدت الأحوال تكتنفها المخاطر، وتنبئ بحدوث انفجار جديد كان كل ما يتطلبه هو إشعال الشرارة.
وجاءت تلك الشرارة من كلية الصيدلة، بسبب تعديل قانون الكلية، فقد بادر الطلاب إلى الإضراب عن الدراسة، وتطور الإضراب إلى التظاهر، بعد أن تصدت الحكومة لإضرابهم، واستخدمت القوة لكسره، وتوسعت تلك التظاهرات بانضمام جماهير الشعب إليها ، وتحولت نحو مطالب شعبية ومعيشية ، واندفاع حكومة مصطفى للتصدي لتك التظاهرات واستخدام القوة، وإطلاق الرصاص على المتظاهرين، مما زاد في اندفاع الشعب وتحديه للسلطة، وتوسع نطاق المظاهرات بحيث أصبحت قوات الشرطة عاجزة عن قمعها، رغم كل الوسائل التي استخدمتها. (15)
لقد أصبح الشعب سيد الشارع دون منازع، وانهزمت قوات الشرطة لتسلم بجلودها من غضب الجماهير، وبات العرش مهدداً بالسقوط، مما أضطر الوصي إلى إنزال قوات الجيش إلى الشوارع، وسارعت حكومة العمري إلى تقديم استقالتها، وأسرع الوصي إلى استدعاء رئيس أركان الجيش الفريق [ نور الدين محمود ]، وكلفه بتأليف الوزارة الجديدة، وتم تأليفها على عجل، وكان باكورة أعماله حل الأحزاب السياسية، وإلغاء الصحف، وإعلان الأحكام العرفية، في 23 تشرين الثاني 1952 . (16)
ورغم ذلك استمرت التظاهرات الشعبية في تحديها للحكومة، وجرى إطلاق النار على المتظاهرين، حيث استشهد 8 مواطنين، وجرح 84 آخرين، وبلغ عدد المعتقلين أكثر من 3000 مواطن، قُدموا جميعا للمحاكم العرفية التي أصدرت أحكاماً بإعدام أثنين منهم، وحكم على 858 آخرين بالسجن لمدد مختلفة، كما حُكم على 582 مواطناً بالغرامة ووحُكم على 294 مواطناً بالكفالة. (17)
وهكذا استطاعت السلطة إخماد وثبة تشرين المجيدة، لكنها لم تستطع إطفاء تلك الجذوة لدى أبناء الشعب، واستمر تراكم التناقض بين الشعب وحكامه من جديد، واستحالة حله بالوسائل السياسية، نظراً لإصرار السلطة على سياستها المعادية للشعب.
فقد أقدمت حكومة جميل المدفعي على ارتكاب جريمة بشعة بحق المعتقلين الشيوعيين في سجني بغداد والكوت، وجرى إطلاق النار على السجناء العزل دون مبرر، مما أدى إلى سقوط 7 شهداء، وجرح 23 آخرين في سجن بغداد، و8 شهداء و96 جريحا في سجن الكوت، وقد أثار ذلك العمل الإجرامي استياءً شديداً لدى أبناء الشعب، وزاده إصراراً على إزاحة السلطة الباغية عن الحكم .(18)
11 ـ بريطانيا والولايات المتحدة تفرضان حلف بغداد:
كان عقد[ حلف بغداد] قمة التصاعد في الأزمة بين الشعب والسلطة الحاكمة، وقد تمثل في عودة نوري السعيد إلى الحكم في 3 آب 1954 بناءً على توصية السفارة البريطانية لينفذ المخطط [البريطاني الأمريكي] الهادف إلى ربط العراق بحلف السنتو، الذي كان يضم تركيا وإيران والباكستان وبريطانيا، واشتراك الولايات المتحدة في جانبه العسكري.
جاء نوري السعيد ليمهد الأجواء لانضمام العراق للحلف الذي دعي فيما بعد [حلف بغداد]، وكان بديل المعاهدة 1930 العراقية البريطانية، ولأجل تنفيذ ذلك المخطط شن السعيد حملة شعواء لم يسبق لها مثيل ضد الشعب وقواه السياسية الوطنية، مبتدءاً بحل البرلمان الذي لم يجتمع سوى مرة واحدة، لسماع خطاب العرش بسبب فوز 11 نائباً عن الجبهة الوطنية، من مجموع 135 عضواً، وأقدمه على حل الأحزاب السياسية ، وإلغاء امتيازات الصحف، ولجأ إلى حكم البلاد بموجب المراسيم الجائرة والمخالفة للدستور، حيث أصدر مجموعة من المراسيم غير الدستورية كان من بينها: (19)
1ـ مرسوم إسقاط الجنسية رقم 17 لسنة 1954عن المتهمين و المدانين باعتناق الشيوعية من قبل المجالس العرفية.
2ـ مرسوم رقم 18 لسنة 1954 القاضي بغلق النقابات والجمعيات والنوادي
3ـ مرسوم رقم 19 لسنة 1954 القاضي بحل الأحزاب السياسية .
4ـ مرسوم رقم 24 لسنة 1954 القاضي بإلغاء امتيازات الصحف .
5ـ مرسوم رقم 25 لسنة 1954 القاضي بمنع الاجتماعات العامة والتظاهرات .
كما أقدم نوري السعيد على قطع علاقات العراق بالاتحاد السوفيتي. وبعد أن تمّ له قمع حريات الشعب، وسلب حقوقهم وحرياتهم الديمقراطية، وحكم البلاد بالحديد والنار، أقدم على إجراء انتخابات جديدة قاطعها الشعب وأحزابه الوطنية.
وجاء بمجلس دعاه الشعب [مجلس التزكية ]، حيث فاز فيه 123 نائبا بالتزكية، دون منافس، بعد أن حال السعيد دون تمكن أحزاب المعارضة من الترشيح للانتخابات بالتهديد والقوة. واستحوذ حزب نوري السعيد على أغلبية المقاعد التي جرت عليها الانتخابات بالتزوير والإرهاب، والاعتقالات، وبذلك ضمن السعيد عدم دخول أي معارض إلى المجلس الجديد، وهيمن على المجلس بالكامل، ممهدا السبيل لعقد الحلف الذي أُطُلق عليه أسم {ميثاق بغداد} والذي ضم تركيا وإيران وباكستان وبريطانيا، بالإضافة إلى اشتراك الولايات المتحدة بجانبه العسكري، رغم احتجاجات الأحزاب الوطنية وجماهير الشعب، والتي تصدى لها نوري السعيد بقواته القمعية، وتم ربط العراق بالمشاريع الإمبريالية. (20)

12ـ العدوان الثلاثي على مصر واندلاع انتفاضة 1956
حاول الإمبرياليون الضغط على مصر للدخول في المشاريع العدوانية كمشروع الدفاع عن الشرق الأوسط، وحلف بغداد، ومن أجل ذلك استخدم الإمبرياليون الضغط السياسي والاقتصادي، وكان من بين تلك الضغوط، سحب البنك الدولي لعرضه بتمويل بناء السد العالي، الذي يمثل مشروعا حيوياً لمصر، وجاء رد الفعل المصري سريعاً وحازما،ً فقد أعلن الرئيس عبد الناصر خلال الاحتفال بالذكرى الرابعة لثورة 23 يوليو، عن تأميم قناة السويس، وتحويل مواردها لبناء السد.
كما سارع الاتحاد السوفيتي إلى الإعلان عن استعداده لبناء السد العالي على أن تسدد مصر كلفة بنائه من موارد القناة .
نزل قرار عبد الناصر بتأميم القناة كالصاعقة على رؤوس الإمبرياليين البريطانيين والفرنسيين الذين سارعوا للأعداد للعدوان على مصر بالتعاون مع إسرائيل.
وهكذا وقع العدوان على مصر في 12 تشرين الأول 1956، حيث اجتاحت القوات الإسرائيلية صحراء سيناء باتجاه القناة، فيما قامت الطائرات البريطانية والفرنسية بقصف مركّز على مدن القناة، وخاصة مدينة بور سعيد، ثم أُعقب ذلك بإنزال جوي وبحري على طول القناة.
أحدث ذلك العمل الوحشي العدواني هياجاً شديداً لدى الجماهير الشعبية في كافة أرجاء العالم العربي، وهبت معلنة تضامنها مع الشعب والجيش المصري.
وسارت المظاهرات الصاخبة المعادية لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل داعية لنصرة الشقيقة مصر، وكان الشعب العراقي في مقدمة الشعوب العربية التي هبت في تظاهراتها الواسعة استنكاراً للهجوم الإمبريالي.
غير أن السلطة الحاكمة في بغداد بقيادة نوري السعيد، وقفت على الضد من مشاعر الشعب العراقي، ومشاعر الأخوة العربية تماماً، وكانت إذاعة بغداد تذيع الأغاني الممجوجة التي كانت تعبر عن التشفي بعبد الناصر، بل لقد أقدمت على دعم العدوان يحدوها الأمل بتمكن المعتدين من إسقاط حكم
عبد الناصر .
ولم تكتفِ السلطة الحاكمة بذلك، بل سارعت للتصدي للتظاهرات الشعبية المؤيدة لمصر، مستخدمة كل وسائل القمع ضدها، مما أدى إلى استشهاد العديد من المواطنين، وجرح أعداد أخرى، واعتقال الكثيرين.
كما قدم نوري السعيد الدعم الكامل للمعتدين ، حيث كانت القواعد الجوية البريطانية في العراق مركزاً لانطلاق الطائرات المعتدية، وكانت مستشفيات العراق قد أعدت لاستقبال جرحى قوات المعتدين، فيما كان الحاكمون يجهزون المعتدين بالنفط لضمان استمرار ماكنتهم الحربية ضد مصر .
مثل ذلك الموقف أكبر استفزاز لمشاعر الشعب وقواه الوطنية وأثار لديهم العزم والتصميم على تخليص العراق من هذه الزمرة المعادية لمصالح العراق و الأمة العربية، كما كان دافعاً محركاً للعناصر الوطنية في صفوف الجيش العراقي للتحرك بهذا الاتجاه، وتوسع نشاط هؤلاء الضباط الوطنيين وتوسعت الخلايا التي شكلوها في صفوف الجيش، واستطاعوا تجميع تلك الخلايا تحت ظل اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار التي قادت بنجاح ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958.

13 ـ تأثير قيام الوحدة بين مصر وسوريا:
تكثفت محاولات الإمبرياليين ومؤامراتهم لقلب النظام في سوريا ، بسبب موقفها من الأحلاف العدوانية، ولعب النظام العراقي، بزعامة عبد الإله ونوري السعيد، بالإضافة إلى حلف بغداد، دوراً كبيراً في تلك المؤامرات التي كان عبد الإله متحمساً لها، بغية ضمان عرش له وحاول الاتصال بالعديد من العناصر السورية، من سياسيين وعسكريين في محاولة للإطاحة بالحكومة، وإعلان الوحدة مع العراق كما أرسل العراق بعض القطعات العسكرية إلى الأردن استعدادا للتدخل لصالح الانقلابيين.
أدرك الحاكمون في سوريا خطورة تصاعد المؤامرات الإمبريالية من جهة، وخوفهم تنامي النشاط الشيوعي في البلاد، من جهة أخرى، ووجدوا أن السبيل الوحيد لحماية حكمهم هو تحقيق الوحدة مع مصر بأسرع وقت ممكن، وكانت الجماهير العربية متلهفة لأي مشروع وحدوي يجمع شمل الأمة العربية دون التفكير بربط الوحدة بالديمقراطية مما أدى في النهاية على انتكاستها وانفراطها .
وهكذا توجه وفد رسمي سوري برئاسة رئيس الجمهورية، شكري القوتلي إلى القاهرة، وضم الوفد العديد من كبار السياسيين والعسكريين، وأجرى الوفد مباحثات متواصلة مع الرئيس عبد الناصر، وأركان القيادة المصرية وأسفرت تلك المباحثات عن الإعلان عن قيام الوحدة بين البلدين في 1شباط 1958 .
أحدثت الوحدة السورية المصرية صدمة كبرى للإمبرياليين وللحكومة العراقية التي كانت تسعى لضم سوريا للعراق، وأخذ الإمبرياليون يحسبون ألف حساب لهذه الوحدة التي شكلت خطراً على إسرائيل والنظام الهاشمي في العراق والأردن، وأشاروا على حكام بغداد وعمان أن يسرعوا بإعلان قيام الاتحاد الهاشمي بين البلدين كرد على الوحدة السورية المصرية، وحماية النظام الأردني من احتمال قيام انتفاضة شعبية .
أما على الجانب الشعبي فقد اجتاح العالم العربي موجة فرح عارمة لقيام الوحدة، على الرغم من الطريقة المستعجلة في قيامها والتي أدت إلى انتكاستها وانفراطها فيما بعد بسبب ممارسة الهيمنة على سوريا من قبل حكام مصر، وأعتبر الشعب العربي هذه الوحدة لبنة أساسية لقيام الوحدة العربية الكبرى، وتشكل دافعاً قويا ًللنضال من أجل خلاص الشعوب العربية من الهيمنة الإمبريالية والأنظمة الموالية لها، وتحقيق حلم الوحدة العربية .
كان الشعب العراقي في مقدمة الشعوب العربية في دعمها للوحدة الوليدة وتثبيت كيانها، حيث رأى فيها السبيل لتحرر بقية البلدان العربية من الهيمنة الإمبريالية، كما كانت دافعاً له للسير في هذا الطريق، نحو إسقاط النظام الملكي المرتبط بعجلة الإمبريالية، واللحاق بحركة التحرر العربي والوحدة ومن أجل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

14 ـ الثورة الشعبية بلبنان وسعي حكومة العراق لقمعها:
بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للغالبية العظمى من الشعب اللبناني وهيمنة فئة صغيرة من الطائفيين على مقاليد الحكم وارتباطهم بالمخططات الإمبريالية، وبسبب محاولة رئيس الجمهورية [كميل شمعون] تعديل الدستور، والسعي للبقاء على كرسي الرئاسة وموقف السلطة العدائي من الوحدة السورية المصرية، ومن العدوان الثلاثي على مصر، كل ذلك دفع الشعب اللبناني للانتفاض على تلك السلطة، ومنع كميل شمعون من محاولة التمسك بها، فكانت ثورة عارمة أفقدت الحكومة اللبنانية توازنها، وجعلتها في مهب الريح على الرغم من كل المساعدات والدعم من قبل الإمبرياليين وحكام العراق، من سلاح ومعدات وعسكريين، وكان المد الشعبي كاسحاً بحيث تعذر على السلطة القائمة قمعه، مما دفع بالإمبرياليين وبحكومة نوري السعيد إلى التفكير بإرسال قوات عسكرية إلى الأردن وتجميعها هناك لغرض مهاجمة سوريا، وفسخ الوحدة مع مصر والزحف على لبنان لقمع الانتفاضة الشعبية فيها.
واتخذت الحكومة العراقية قرارها، بدفع من الإمبرياليين، وأعدت العدة لإرسال القوات العراقية إلى الأردن تمهيداً لتنفيذ المؤامرة المذكورة.
لكن نوري السعيد لم يكن يدري ما يخبئه القدر له وللنظام الملكي، فقد قُدّر للزعيم الركن [عبد الكريم قاسم ] آمر اللواء التاسع عشر، والعقيد [عبد السلام عارف ] والعقيد [عبد اللطيف الدراجي] آمري الفوجين الثاني والثالث من اللواء العشرين ، وهم من قادة اللجنة العليا للضباط الأحرار أن تتحرك قواتهم من جلولاء ليلة 13/14 تموز 1958 نحو الأردن، فكانت الفرصة الكبرى لتوجيه الضربة القاضية للنظام الملكي وللإمبريالية، ولينهي ذلك النظام خلال الساعات الأولى من صبيحة الرابع عشر من تموز 1958.
هذه هي أهم العوامل التي مهدت لقيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958، ولاشك أن هناك بعض العوامل المساعدة على قيام الثورة أذكر منها الانقلابات العسكرية المتتالية في سوريا ونجاحها، وقيام ثورة 23 يوليو في مصر التي شجعت الضباط الوطنيين على التفكير بتكوين المنظمات الثورية داخل القوات المسلحة لغرض قلب النظام .
كما كان للحرب الباردة بين المعسكرين آنذاك دوراً في دفع الشعب العراقي وقواته المسلحة للتصميم على إسقاط النظام الملكي المرتبط بعجلة الإمبريالية، والذي جعل العراق مسرحا لنشاطاتها وخططها المعادية للمعسكر الاشتراكي آنذاك، واتخاذ العديد من القواعد الجوية العراقية كقاعدة الشعيبة والحبانية وغيرها مسرحاً لذلك النشاط، مما أخلّ بسيادة العراق واستقلاله، وبشكل خاص بعد قيام حلف بغداد، حيث أصبحت بغداد مركزاً لذلك الحلف، ومركزاً للنشاط التآمري على سوريا، وعلى حركة التحرر العربي التي كانت في حالة من النهوض الشامل والرغبة العارمة للتحرر من الهيمنة الإمبريالية، ولاسيما وأن حركة التحرر الوطني في العالم الثالث كانت تحقق النجاح تلو النجاح في صراعها مع الإمبرياليين، فكان ذلك النجاح مشجعاً للشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية، والفصائل الوطنية في القوات المسلحة للعمل على تحرير العراق من الهيمنة البريطانية.
لقد كان قيام جبهة الاتحاد الوطني عام 1957، وقيام اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار في عام 1956 ، واللقاء الذي تم بين التنظيمين، المدني والعسكري، والتنسيق التام بينهما العامل الحاسم في انتصار ثورة 14 تموز 1958 .

التوثيق
(14)نفس المصدر السابق ـ ص 324
(15)تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ الجزء الثامن ـ ص 336 .
(16)نفس المصدر السابق .
(17)المصدر السابق ـ ص 340 .
(18)المصدر السابق ـ الجزء التاسع ـ ص 39 .
(19)صفحات من تاريخ العراق الحديث ـ الكتاب الأول ـ حامد الحمداني ـ ص 411
(20)تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء التاسع ـ ص 146 .

للحصول على نسخة من هذا الكتاب يرجى الاتصال بالكاتب على العنوان التالي:Alhamdany34@gmail.com
www.Hamid-Alhamdany.com


حامد الحمداني 24/10/2009