الرئيسية » مقالات » الحرية كلمة حلوة فقط.؟.

الحرية كلمة حلوة فقط.؟.

“شيئان، لا ينساهما الطائر المعتقل:
لون السماء،
وقضبان القفص.
شيئان، لا ينساهما الجنديّ المنهزم:
ذلّ الاحتلال
وطعنة الظهر..”…(الشاعر حمد مزهر).
…………..
في دروب الخوف،
في عتمة الليل،
على البسمات المتجمدة،
وفي الوجوه اليائسة،
يحظر رواق الشام.
…………..
من حدائق بلا أشجار،
من داخل ذكريات مهشمة،
بين أحجار التاريخ،
ومن خلف زجاج درب التبانة،
تنظر عيون الشام.
…………..
في قاعات نضال الرفاق الثابتين على المبدأ،
في مطارات “أعداء” تعج كالنمل،
في وجوه كلها أصوات، وخالية من العيون،
وفي حانات الرؤوس النظيفة،
تفاح الشام، يُذكّر بأسرى الجولان.
…………..
الحرية، قضية كبيرة، ومنذ آلاف السنين سقط على مذبحها وباسمها الملايين من الضحايا البشرية. لكن ماذا تعني الحرية؟ من الصعب الجواب على هذا السؤال، لكنه ليس صعباً معرفة معنى حلم الحرية للشعب السوري والتي يلاحق غيابها السوريون، وتؤثر على حياتهم حتى في الغربة، وحتى في ظل الاحتلال الإسرائيلي للجولان.
عندما جاء انقلاب آذار عام 1963 لم تكن الحرية موجودة قبله، وجاءت “الثورة” تحمل عنواناً وهدفاً لها هو الحرية، وما زلنا نعيش مجد تلك الحرية و”البربغاندا” المرافقة لها، وما أنتجته فعلاً هو عكسٌ كامل لكل شيء يمتّ للحرية –سوى حرية السلطة الحاكمة المطلقة-، وضغطوا الحرية بكل تنوعاتها بشكل مكثفٍ ودفنوها عميقاً وكأنها مخلفات سامة خطرة.
ورافق ممارسة “حرية” النظام اعتقالات وتهجير أو منع من السفر والعمل لمعارضيه، وليس نادراً كان الثمن القتل، وغالباً تمت وتتم تلك الممارسات بصمت وبدون ضجة تُذكر، وإن تسربَ شيء منها يتنطح عشرات كتاب النظام النفعيين ليعطوا المبررات والحجج لتلك الممارسات بأنها ضرورية لحماية “الحرية”.. وحكومة الاحتلال الإسرائيلي تزج بالسجون أبناء الجولان السوري المحتل بسبب مقاومة الاحتلال، وهمها الأول هو أيضاً ترويض المواطنين، خصوصاً أن حكومة الاحتلال لا تجد موقفاً جدياً من النظام السوري للدفاع عن سجناء الجولان، وتجربة أكثر من أربعة عقود تؤكد ذلك.
وطالما كان اغتصاب السلطة يعتبر “ثورة”، صار أي موقف لا يدعم هذه السلطة هو موقف عداء للثورة وعداء لأهدافها، أي أنه صار عداء للحرية، وحجج مشوّهة أخرى تشبه تلك تستغلها سلطة الاحتلال أيضاً.
إن كِبر عدد سكان بلد أو شعب لا يجعله كبيراً، وإن عدد سكان الجولان ونضالهم من أجل الحرية خير مثال على ذلك. ليس عدد السكان بل قوة الإرادات الصادقة هي التي تحدد حجم شعب أو مجموعة ما.
إن نظرة تحليلية بسيطة قد تعطينا نتيجة مفادها، أنه أكثر صعوبة على نظام فاسد إجراء تغييرات إصلاح جذرية على نفسه من محاولة “نطنطة”هنا أو قفزات هناك كلاعب شطرنج بهدف خلط الأوراق وإعادة فرزها وإنتاج نفسه من جديد.
إن المعاناة التي يحملها الشعب بصمت ستتحول إلى عامل مسرّع من أجل نضج الظروف والقبول الدولي للبدائل – ستتحول إلى قوة تغيير وإصلاح جذري.
يقوم النظام دائماً بإلزام الشعب على دفع ثمن أخطاء النظام نفسه وممارساته. إننا نطمح العيش في بلد يضمن الحرية لمواطنيه، ولا يعتبرهم النظام الحاكم قاصرين بل هم أنداد له ويجب إعطاء وأخذ آرائهم بالحسبان.
أربعة عقود من الزمن يحملها شعبنا ويتحمل بؤسها، وكان ومازال معتقلو الحرية في وطننا –بما فيهم أبطال الجولان- هم الأمل الهادئ والمقدس تحت الرماد، هم ثلج جبل الشيخ الذي يتوّج بركان نائم، والذي سيؤكد حتماً قانون التراكمات الكمية والتحول النوعي.
وبالنسبة للثقافة، كانت غالباً تتحرك بين نهايتين، تقليدية ورومانسية ولا طريق آخر، سوى طريق انتقال في ظلال هذه أو تلك النهاية. وهي تشبه تقريباً نهايات السياسة والاستبداد والثورة..
تحية إلى المعتقلين في سجون الداخل من ربيع دمشق الدائم وأصدقائه المناضلين والذين لا يجدون من الحكومات الأجنبية من تفاوض وتقايض النظام السوري لإطلاق سراحهم، تحية إلى شيخ المعتقلين المحامي هيثم المالح والمناضلة فداء حوراني وإلى رفاقهم جميعاً، تحية إلى المعتقلين من أبناء الجولان المحتل، وتحية كبيرة خاصة وتهنئة إلى الشجعان الأحرار الذين قضوا ربع قرن في سجون الاحتلال، تحية إلى بشر وعاصم، وإلى من سبقهم ومن سيلحقهم، أنتم فخرنا..
…………..
كبيرٌ وبثباتٍ يسير شريط نهر الحدود
وعليه بَنت الشمس جسراً،
يمتد من هناك حتى مكان “دعسة” قدمي.
تزداد حدة نهايات الهضبة،
يسقط المساء حتى ظلال “التينة”،
وبهدوء يتسلق الفضاء.
…………..
كبيرٌ وبثباتٍ يسير شريط نهر الحدود
وفي العمق قافية تتجذر،
تحاول تقطيعها رغوة سامة.
تُحضّر نهايةً احتلال، أم تُحضر النهاية؟
هواءٌ ذكيٌ يُحرّك ورق التين،
وهل يكون بديل عن المطر في هذا الجفاف؟
…………..
كبيرٌ وبثباتٍ يسير شريط نهر الحدود
خوفٌ يحمل لونه الشاحب،
قد يخفي ضحايا تسبح في الضباب،
قد لا يبعث للبيت أصابع الشمس الحمراء،
قد ينسى القمر إيقاظ الحبيبة،
ونعود من جديد نبحث عن الوطن!.
…………..
كبيرٌ وبثباتٍ يسير شريط نهر الحدود
وخلف تلك الحدود سجون ومقابر،
عليك الاختيار، أو الفرار..
حلمٌ يسير، أم أنا أراه حلماً؟
ارتفع الغبار، ورجع مع المطر،
على اللافتات والصور الباسمة.
…………..
كبيرٌ وبثباتٍ يسير شريط نهر الحدود
أغصان لا تملك هوية ولا جواز سفر،
كطعم الأرنب يحاول الاختباء بين شجيرات كثيفة،
تطاردها دروب الوادي الموحشة،
تخمش رجليها الأحجار الخشنة،
وتستنجد صارخة بقليل من الأمل،
من ثلج جبل الشيخ الذي يتوّج بركان نائم.
…………..
كبيرٌ وبثباتٍ يسير شريط نهر الحدود
منذ عقود وعلى ضفافه تعشش السنونو،
وتكتب على الشمس وتغني، “الحرية حلوة وبس”،
ونحن نحمل مكبرات الصوت والصورة.
ربع قرن خارج المجدل، في ماء المعتقل اغتسلوا،
أقدامهم التصقت بصور الطوابع،
لكن أرواحهم في كل يوم كانت تقطع قضبان السجن..

بودابست، 19 / 10 / 2009