الرئيسية » المرأة والأسرة » الزواج الثاني… جسر العبور للذكر!

الزواج الثاني… جسر العبور للذكر!

لم يتخل مجتمعنا بعد عن ذلك الميل تجاه المولود الذكر، والقيام بكل ما يمكن القيام به في سبيل الحصول على طفل ذكر، يؤنس وحدة البنات، وتحت هذه الحجة وهذا المطلب تحدث آلاف الخروقات الأخلاقية، ويبقى المجتمع يبرر للأب كل ما يفعله فهذا من حقه، حتى أن المجتمع يدفع بالكثير ممن لا يرغبون بالزواج الثاني لأجل طفل ذكر إلى ارتكاب هذا الفعل، فكيف سيبقى هذا الأب بلا ولد يحمل اسمه من بعده، وخاصة إذا كان الأب لا يزال يتمتع بصحته وشبابه.

والحالة أن محاكمنا ومحامونا يحتفظون بآلاف القصص في هذا المجال، وما قصة السيدة سعدية إلا قصة واقعية رواها لنا محاميها المترافع بدلا عنها في المحكمة، والقضية أن زوجها قد طلقها بعد أن أنجب منها طفلا ذكرا ما كانت زوجته الأولى لتنجبه له، فلم يكن زواجه من سعدية إلا وسيلة ليكمل بها زواجه وسعادته مع زوجته الأولى، على حساب الثانية التي طلقها وأخذ منها ابنها مباشرة، فما كان منها إلا أن رفعت عليه دعوى تطالبه فيها بإعادة الطفل وذلك بعد رفضه لمنحها طفلها الصغير، فكان آخر الحلول هو اللجوء إلى المحكمة.
فكيف لنا أن نفسر ما قام به هذا الزوج سوى أنه نوع من حب الذات، والأنانية على حساب كره الآخرين واستخدامهم للمنافع الشخصية، وكأنهم أدوات يحق له استخدامهم متى أراد والتخلي عنهم متى أراد دون أن يكون للوازع الأخلاقي أي دور في هذه العملية، أو أن يلعب الضمير أي دور في هذه اللعبة الخطرة على الشخص ذاته، وعلى من يستخدمه كأداة وعلى المجتمع بأسره، فكيف لمجتمع يستخدم فيه الواحد الآخر دون رحمة أن يعيش سعادته.
وإذا كانت المرأة هي صاحبة الحق في حضانة الطفل في هذه السن الصغيرة، وخاصة أنها طالبت بحقها عبر الطرق القانونية والشرعية، فإن الكثيرات ممن يعانين من مثل هذه القصة لا يحق لهن العودة للمحاكم بل أن الحل الأمثل يكون بتخليها عن ( الطفل)، أي ابن عائلة الزوج، فالابن يبقى ابنهم ومهما طالت فترة الحضانة فمصير ذلك الطفل هو العودة إلى بيت أبيه، لأن هذا ما هو متعارف عليه، والمرأة التي تطالب بابنها كثيرا ما تلام على هذا من قبل أهلها ومن قبل الغرباء وكل من حولها ويعتبرونها ( غبية) إن قامت بتربية ابن (العالم ).
إن كل هذه الأقاويل التي تسمعها المرأة المطلقة والتي فقدت ابنها لصالح الرجل لا تراعي ولو جزءا يسيرا من عواطف تلك الأم تجاه أبنائها، ولا تراعي حقها في أن تتساوى مع الرجل في حق حضانتها للطفل، وبغض النظر عن عدد السنوات التي تم تحديدها لكي تستفيد منها فيها للحصول على ابنها، وهذه الأقاويل تبقى هي التي تثقل كاهل المجتمع شيئا فشيئا وتجعله يراوح مكانه ويحتفظ بالرجل في أعلى السلم والمرأة في أسفله.
وحين استأذنا السيدة سعدية بنشر قصتها لم تعترض، بل قالت بأنها لا تخجل من المطالبة بحقها في حضانة ابنها، وأن هذا الأمر يجب أن ينتهي بانتصارها وبإحساس زوجها بأنها ليست المرأة الضعيفة التي تسكت عن حقها، والتي تستغل بهذه الطريقة البشعة وغير الإنسانية، وحين أردنا أن نعرف رأي أهلها في هذا الموضوع أجابتنا بأن الكثير من الأقارب طلبوا منها التخلي عن هذا الأمر وقالوا بأن المحاكم لا تأتي سوى ( بوجع الرأس والفضائح)، ولكن كل من حولها من أقاربها ( اللزم ) أيدوها في هذا بعد أن أرسلوا الكثير من الوجهاء للعودة بالطفل لها دون جدوى، حيث كان الزوج يرفض إعادة الطفل متحججا بأنه لن يقصر في تربيته، فطالما حلم بهذا الطفل، وأنه قد اختلق هذه المشكلة بأكملها فكيف سيتحمل بعد الطفل أو عدم الاهتمام به.
وما زالت المحكمة تنظر في هذه القضية، وبانتظار الحكم العادل لا يسعنا إلا أن نتدارك الضمير لنسلط الضوء على محنة آلاف السيدات اللواتي تعانين من مثل هذه المشكلة دون أن يحق لهن اللجوء للمحاكم، وهناك الكثير من السيدات اللواتي يتم استغلالهن لأجل الطفل الذكر وبعدها لا يتم تطليقهن بل يتم إهمالهن داخل البيت لتخدم هذه السيدات البيت مقابل بقائها إلى جوار ابنها التي تحس كل يوم بأنها ليست الأم الحقيقية لهذا الطفل.
وكثيرات أيضا من عانين من ظلم الأهل ولومهم على زواج كهذا، ومن الضرب والحجر، ولكن تبقى القصص الظاهرة واحدة من بين آلاف القصص التي تبقى طي الكتمان، لأن مجتمعنا يريد ذلك، ولأن قانوننا لا يسري سوى على ما عرض عليه أما الباقي فإن القانون لا يجرؤ على التدخل فيها، لأنها أمور داخلية في الأسرة، أو لأنها أمور عشائرية يحظر على القانون المساس بها، ولذلك فيبقى من الواجب علينا كإعلاميين تسليط الضوء على المخفي من هذه القصص لتبيان حجم ما تعانيه المرأة والذي يفوق المتصور والمعلن عنه.

مجلة ثرى – العدد 203 تاريخ 18 10 2009 – السنة الخامسة