الرئيسية » مقالات » حوار هادئ مع دعاة رد الاعتبار للمهندس العراقي

حوار هادئ مع دعاة رد الاعتبار للمهندس العراقي

يدرج المهندسون في الطبقة الوسطى داخل المجتمع العراقي.الطبقة التي تآكلت اصلا في العهد الدكتاتوري السابق بسبب تشوه النسيج الاجتماعي العام في العراق،والمؤلفة بالتعبير العلمي والدقيق من البورجوازية الصغيرة والمتوسطة،والتي تتميز بأنها اكثر الطبقات اتساما بعدم التجانس وعدم التماسك لا في المصلحة ولا في الهموم والمشكلات ولا في التفكير والتطلعات،والطابع الغالب على النشاط الاجتماعي فيها هو طفيلي – خدماتي غير منتج،الا ان المهندسين يشكلون الشرائح المنتجة فيها.ويعتبر مهندسو المؤسسات الحكومية الأكثر اقترابا من شغيلة العمل المنتج ويعانون معاناتهم،حيث تتداخل وتتفاعل عضويا مطالب تحسين الوضع المعاشي والاجتماعي للمهندسين مع مطالب الطبقة العاملة وكافة الكادحين.وقد تعمدت الدكتاتورية الفصل المصطنع بين الأنشطة السياسية والثقافية والهندسية بهدف اذابة المهندس في الجسم السياسي الحاكم او دمجه بالنشاط الانتاجي اليدوي ليبتذل ويفقد استقلاليته.والناتج هو تدني الثقافة الهندسية العلمية كونها سلطة معرفية وفقدان الاستقلالية الهندسية والتبسيط الجامد لاشكاليات الوسط الهندسي.
عموما يشغل المهندسون موقعهم المتقدم في الجهاز التنفيذي لمشاريع الخطط الانمائية والاعمار ليقع عليهم العبئ الاكبر من هذه المهمة الشاقة،مع الاخذ بنظر الاعتبار ان اعادة الاعمار لم تتعدى كونها مفهوما هندسيا روجت له سلطات الاحتلال وخالي من اية مضامين اجتمااقتصادية بدلا عن مفهوم التنمية الاقتصادية.ويتوزع عمل المهندسين في مختلف القطاعات الاقتصادية/الدولة،القطاع الخاص،المختلط،التعاوني،المنظمات غير الحكومية،الوكالات الدولية.
ليس كل مهندس هو مقاول،والعكس صحيح ايضا!،فالمقاول صناعي ورأسمالي وطني يفكر بالربح الاكبر والاكثر،ومن مشاكله الرئيسية:الاجازة وتليها التصنيف،الا ان فوضى السوق المحلية قبيل وبعد التاسع من نيسان ابقت المشاريع حكرا على عدد محدود من المقاولين،ليجر تصنيفهم بطرق غير علمية ومزاجية نادرة مستغرقة الوقت الطويل مع سيادة مظاهر الاستئثار الطائفي والاثني والفساد.ولا يستطيع المقاولون تنفيذ المشاريع المتعاقد على تنفيذها دون مهندسين،لذا يقوم المقاولون بالضغط على المهندسين العاملين في اجهزة الدولة،ترهيبا وترغيبا وبمختلف الوسائل الدنيئة،لحملهم على ترك وظائفهم والعمل لديهم.وتثمر مخططات المقاول عادة الى حد ما نظرا للتباين الكبير في الرواتب بين القطاع العام وبقية القطاعات!ويساعد ذلك على تهرب المهندسين من العمل في القطاع العام والتوجه نحو القطاعات الاخرى،ولم تنفع اساليب دوائر الدولة للحيلولة دون ذلك،وتبقى هذه الاشكالية مادام الفارق في الرواتب وخدمات السكن والنقل وعموم الخدمات العامة مستمر.المهندسون الاجانب والخبراء والمرتبطون بعقود تكفل لهم الاجور المرتفعة لتخلق لدى المهندس العراقي ردود الفعل لان كفاءته لا تقل عن المهندس الاجنبي ان لم تتفوق عليها!
سبب النقص للكادر الوسيط بين المهندس والعامل كذوات المهن الهندسية والاسطوات من اصحاب المهن الحرة،سبب اجبار المهندسين القيام بادوار الكادر الوسيط واغفال واجباتهم الاساسية لضرورات تمليها عليهم طبيعة العمل!واهدار ملحوظ للجهد الهندسي مما يضطر المهندس للتعامل مع العامل المنفذ مباشرة،وانشغاله بالامور الادارية والحسابات الصرفة.اسهم في ذلك انعدام ضوابط واسس الهياكل التنظيمية وتوزيع المهندسين على المؤسسات والمشاريع حسب الاولوية والاهمية النسبية بما يضمن اكفأ انتاجية وتخصصية هندسية اي قيادة المهندس للانتاج،انعدام التنسيق بين الدوائر والمؤسسات للاستفادة الكاملة من المهندسين،تدني كفاءة العمل الهندسي والتعليم المستديم وتجدد معلوماتية المهندس واطلاعه على احدث التطورات والمبتكرات في مختلف العلوم الهندسية،ضعف الدراسات المتعلقة بالاحوال الاقتصادية التي تؤثر وتتأثر بالتطور التكنولوجي العاصف والمسارات الحرجة في الصناعات الوطنية وتحليل الجدوى الاقتصادية لاعمال التسويق والانتاج والخزن،القصور في تهيئة واعداد الكوادر الفنية الوسيطة عبر التدرج من العمالة الماهرة وتوسيع المدارس الصناعية ومراكز التدريب المهني والمعاهد الفنية،ضمور وتدني فاعلية المجمعات الهندسية التي ترتبط بالوزارات وادارات المحافظات وتتوزع على هيئات فنية نوعية مهمتها متابعة المشاريع والمقترحات والتوصيات والدراسات والعمل الاستشاري.
الخطاب الليبرالي الجديد الذي يروج لمفهوم الخصخصة دون مساءلة،ومفهوم اقتصاد السوق ومضامينه وآلياته التحريرية بعد حصره بالخصخصة،يؤدي الى ان السوق يسيطر عليه الاقوى!صراع الجبابرة الديناصورات،بالوعات العملة الصعبة!والسوق يخلق كلابه الناهشة التي تقبض بيد من حديد على السلطات الاقتصادية المتزايدة الاتساع والقوة واحتكار مزيدا ومزيدا من الاسواق!ويحتم السوق الاصطفافات المتغيرة دوما لصالح المتنفذين!وهذا يشمل قطاع المقاولات الذي يشهد اليوم احتكار المقاولين الكبار للاعمال الكبيرة والتحكم باسعار السوق،وعادة يكون هؤلاء تحت الخيم والعباءات الحزبية والطائفية والعشائرية والاثنية اي الولاءات دون الوطنية،الا انهم لا يستطيعون شاءوا ام ابوا ان يخفوا ادوارهم التخريبية كشخصيات مدعومة ومرتبطة بـلوبيات حكومية تستغل نفوذها لدى الحكومة،لتقوم بإنشاء الشركات الخاصة التي تتطفل على المنشآت الصناعية الاستراتيجية وتنافسها في الحصول على مدخلات العملية الصناعية والانشائية!
نعم،بالرهان على الخصخصة،تتبلور الاستقطابات الاقتصادية- الاجتماعية العميقة،وينخرط المقاولون الكبار في المافيات الاقتصادية التي توظف حجمها الاقتصادي لضمان مواقع في البنية السياسية،وفي انشطة اقتصاد الظل بطابعه الخدمي البدائي غير المحكوم بضوابط وتشريعات محددة وبضعف انتاجيته وقلة القيم التي يخلقها وتردي ظروف العمل،مرتكبين شتى الجرائم الاقتصادية منها لا على سبيل الحصر:المضاربة بالعملة وافتعال الندرة لرفع الأسعار والعمل بهمة في شراء وبيع الأراضي بطرق مشروعة وغير مشروعة،واستغلال المصارف للحصول على تسهيلات ولو بأساليب ملتوية!والتفوق غير المسبوق في عمليات غسل الاموال وانتقالها غير المشروعة!التهريب والسوق السوداء والتهرب من الضرائب والرشوة والتزوير!واشباع السوق العراقية بالسلع التي لا تستوفي شروط ومعايير السلامة والنوعية!والاستفادة من تجارب القطط السمان في البلدان الاقليمية مثل مصر وسوريا والاردن وبلدان الخليج العربي!
في كل ما سبق المتهم هو المقاول والتاجر الكبير وليس المهندس،الا ان هؤلاء يضمون بين طياتهم مهندسين ايضا!وتتواجد في بلادنا اليوم آلاف المكاتب والشركات الثانوية للمقاولات والوكالات التجارية والصيرفة،معظمها شركات صغيرة،فيها مهندس واحد متفرغ على الاكثر،اما المهندسون والعمال الآخرون فيوظفون عندما تحصل الشركة على عقد ويسرّحون عندما يستكمل العمل على ذلك العقد.ولا تستطيع هذه الشركات الحصول على القدرات التكنولوجية وتطويرها،كما انها لا تستثمر في التدريب والتطوير المهني لموظفيها،وليس لديها فرص للاستثمار في المعدات التي يمكن استخدامها بشكل مفيد في تحسين انتاجية العمال والشركة!
القضايا والتساؤلات القديمة الجديدة:نظم تصنيف الاستشاريين والمقاولين وهل يتعين على كل من شركات المقاولات والإستشارات الهندسية ان تعد ملفا عن سجلها في العمل لتقديم معلومات عن قدراتها الى المواطنين؟ما هي القدرات الضرورية والكافية التي ينبغي على كل من شركات المقاولة والاستشارات الهندسية ان تملكها لتتمكن من اعداد اتفاقات مكتوبة؟كيف يمكن لنظام التصنيف ان يضمن ان الشركة المعنية مؤهلة لتنفيذ بنود الاتفاق؟ماهي الضمانات التي يقدمها من يصدرون نظام التصنيف الى المواطن؟هل ينبغي على شركات المقاولات والاستشارات الهندسية جميعا ان تحمل بوليصات تأمين لحماية المشتركين من الأخطاء التي قد ترتكبها؟،مواصفات العمل،المعلوماتية اللازمة والضرورية عن المشاريع،شهادات التدريب والمهارات،الحصول على التكنولوجيا،الحصول على الأدوات والمعدات،استقرار حمولة عمل شركات المقاولة والاستشارات الهندسية،مدونات البناء والحرائق والمعايير،خدمات الفحوصات واختيار المواد،الهندسة المدنية للمناطق الريفية وللزراعة،امكانيات تشكيل المهندسين الموظفين في الوزارات شركات استشارية،الخدمات المالية…..كل هذه القضايا تهم المقاولين والمهندسين على حد سواء!الا ان المقاول الكبير يضغط على المهندسين بهادف الربح الاعظمي،والنتيجة نقص هندسي فاضح في الدراسات للمشاريع واختفاء مراحل كاملة عنه مثل دراسات الجدوى الاقتصادية ودراسات الهندسة القيمية ودراسات الأثر البيئي،اختصار مراحل العمل التصميمي الى مرحلة واحدة فقط.كل ذلك هيأ للفساد بكافة اشكاله وجوا خصبا لنموه وتوسعه.وعندما تكون المواصفات ضبابية وعائمة وغير محددة بشكل جيد،وعندما يغيب التحديد يكون من السهل التلاعب بالكميات والمواصفات.غياب مهنة المهندس الاستشاري تستفيد منها الشرائح الفاسدة بشكل أساسي؟!.لقد امتلكت هذه الشرائح الفاسدة الدور الاساسي لا في تغييب مهنة المهندس الاستشاري فقط بل وحتى مهنة المهندس نفسها،وهذا بعينه جوهر الكارثة!!
ما ساعد على تفاقم المشكلة افتقار المكاتب الهندسية الأستشارية للقرار المستقل والعمل وفق قوانين وانظمة عصرية قادرة على مواكبة المتغيرات العالمية واخذ دورها كاملا في تنظيم مزاولة مهنة الهندسة الاستشارية باستقلالية وفق القوانين والانظمة المرعية،والدفاع عن مصالح وحقوق العاملين بمهنة العمل الهندسي الاستشاري،الى جانب تفرد مكاتب محددة بالحصص الكبرى من اجمالي حجم العمل الاستشاري الهندسي في بلادنا،فعندما يصبح حجم العمل صغيرا وعدد المنافسين كبيرا اضافة الى عدم وجود اجراءات تحد من هذه الظاهرة فان ذلك يؤدي الى قيام بعض المكاتب بسلوك طرق غير شرعية لايجاد مصادر دخل لها.
لقد بذلت الطغمة الحاكمة في عهد صدام حسين الجهد تلو الجهد لتحويل أبناء الشعب والمهندسين الى قطيع من الأرقاء مغسولي الأدمغة،بالفكر القومي البائس والطائفي اليائس يسهل تسخيرهم لخدمة الطاغية والى بوق في الفيلق التهريجي الإعلامي المهلل للنظام وسياساته في عسكرة المجتمع وصناعة اسلحة الدمار الشامل واشاعة الرعب!وانخرط المهندس العراقي طيلة القرن العشرين حتى يومنا هذا في المجتمع المدني الهندسي في مسعى منه لضمان الحد من السلطة القسرية للدولة عبر بلورة الوعي الهندسي والتعبير عنه على شكل حركات مهنية اجتماعية مطلبية احتجاجية تشارك بها مختلف المنظمات والجمعيات والهيئات والمجالس والنقابات والأحزاب ووسائل الأعلام والمنظمات غير الحكومية والشرائح الاجتماعية التي لها مصلحة فعلية في التحول الديمقراطي للمجتمع والتقدم الاجتماعي ورفع شأن المهنة الهندسية.كما كان المهندس العراقي ناشطا في المؤسساتية المدنية غير الهندسية وبالاخص التعليمية والصحفية والاعلامية والاكاديمية والمدافعة عن السلام وحماية البيئة،ونشط في اتحادات الصناعات والغرف التجارية ورجال الاعمال في بلادنا.
اخطر ما يواجه المؤسساتية المدنية الهندسية كحركة اجتماعية ومنظمات غير حكومية،حالها حال المؤسساتية في المجتمع المدني الكبير،هو تشبث النخب والشلل بمواقعها ومراكز نفوذها وعملها على تخليد هذه المراكز وتحويل المؤسساتية الى مكسب او ملك شخصي،اي تحويلها الى مؤسسات شخصية لتجميع الأتباع والمشايعين وعدم اجراء الانتخابات،او محاولة تأجيل الانتخابات بحجة الاوضاع الامنية المعقدة والتذرع بالانفلات الامني!،او اجراء الانتخابات الشكلية لتجديد الثقة في ظل الأوضاع الاستثنائية،وغياب الشفافية وضعفها..وبالتالي اعادة انتاج البيروقراطية الادارية- الحرس القديم لتبوء مقاليد ادارتها الامر الذي يهدد جاهزيتها الفكرية والتعبوية بالمنافسات غير الشريفة بين الأفراد الذين يتربعون على قمتها،والمنظمات والقيادات الأخرى التي تنبت مثل الفطر الحساسيات والمشكلات التي غالبا ما يكون طابعها شخصيا.
من المخاطر التقليدية ان المؤسساتية المدنية الهندسية تتحول الى جزء من الآلة السياسية،همها ليس الدفاع عن حقوق المهندسين او العمل التنموي الخيري واغاثة المهجرين وعوائل الشهداء،ولكن دعم السلطات الحاكمة وموالاتها،بل ان المؤسساتية المدنية الهندسية قد تنقسم الى معسكرات سياسية وجماعات ضغط متنافسة،كل منها يناور من اجل الحصول عل المزيد من المنافع،والأسوأ من ذلك ان تصبح هذه المنظمات بمثابة دمى في ايدي الدول والمؤسسات المانحة،لتحقيق اهداف تتعارض وتتناقض مع مهامها واهدافها.من الانتقادات ايضا الموجهة لهذه المؤسساتية المدنية الهندسية،هي اتخاذها من المنظمات غطاء ووسيلة لجمع المال..فالمنظمات غير الحكومية تعمل لصالح النفع العام وتعتمد في ممارسة نشاطها على ما تحصل عليه من دعم وتبرعات من جهات حكومية وخيرية وافراد وشركات فقط!
تؤكد تجربة حكومة بغداد اليوم والحكومات العراقية التي سبقتها انها لا تتخلى طوعا عن سيطرتها على النقابات،وفي احسن الاحوال تقدم التنازلات الشكلية،والمشاريع التي جرى ويجري دراستها وطبخها اليوم في بلادنا هي محاولات لترقيع القرارات الديوانية سيئة الصيت 27 لعام 2003 ورقم 3 لسنة 2004 و8750 في 8/8/2005 المتعلقة بايقاف الحركة الانتخابية النقابية في العراق الى اجل غير مسمى بحجج عفى غليها الزمن،بينما المطلوب الغاؤها فورا وملاحقة مشرعيها قضائيا.نعم،الغاؤها ومحاسبة مشرعيها!وها هي حكومة دولة القانون تصطدم بمقاومة عنيفة من النقابات والمنظمات غير الحكومية باجراءاتها الغبية الحمقاء التي لا تدل سوى عن عقلية التسلط والوصاية والقطيع،العقلية الشمولية الاقصائية التهميشية!الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق يؤكد مجددا انه سيتخذ الاجراءات والسبل القانونية كافة للدفاع عن حقه في اقامة تنظيماته النقابية على امتداد وطننا وسيجري انتخاباته وفق قانون التنظيم النقابي ونظامه الداخلي وسيبقى يمثل الحركة النقابية العمالية العراقية في كل المحافل الوطنية والعربية والدولية.اتحاد الصناعات العراقي يدين التدخل السافر لوزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني في شؤونه!
ثقافة الجماعات الضاغطة – اللوبيات تنتشر اليوم كالعفن في كل الوزارات الحكومية لتؤدي دور المفاتيح في الدولة العراقية والمجتمع،تسرق الأموال وتسلب بطرق شتى وتنشر الفساد وتعشعش في البؤر السياسية والتجارية لتوزع بركاتها وصدقاتها السرطانية!وكأنها تسترجع خيوط ذكرياتها المرة وتحن لعهود كانت هذه الجماعات تنعم فيها ببركات واكراميات بطل الحواسم،والبعض الآخر يغازله بعد توقيع صكوك الغفران(البراءات)!.الفساد المنظم والشامل الذي يبشر بشيوع الشبكات المترابطة للفساد من القمم المتربعة على رأس الهرم المجتمعي والحكومي،والنهب الواسع للمال العام عن طريق الصفقات الوهمية وتحويل الممتلكات العامة الى مصالح خاصة وبحجم كبير!شبكات منظمة فيها مسؤولين حكوميين وافراد عصابات ومهربون ومعدات تنفيذ من وثائق مزورة واسلحة ووسائط نقل وصلات مع شبكات وتجار خارج الحدود.شبكات مافيا تحدد كل منها سعر سلعها وخدماتها المقدمة الى الزبائن.استشراء الفساد امتداد لتقاليد رسخها مهندس المقابر الجماعية،غير ان من اوصل الفساد الى مدياته الخطيرة الراهنة هو سياسات الاحتلال وصراع السياسيين على السلطة.
شعبنا العراقي نصير الاغلبية الساحقة من المهندسين العراقيين الذين يواجون اعباء العيش اليومي الثقيلة متحدين الارهاب والاغراءات المادية والضغوطات والحرمان والابتزاز،ويواصلون العمل والانتاج في ظروف قل نظيرها في القسوة!شعبنا العراقي نصير المهندسين الذين اسهموا في بناء المصانع والمعامل التي ترقبها الشعب بفارغ الصبر بعيد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة،وشيدها عماله البواسل على اكتافهم وبعرق جبينهم والتي يصل عددها اليوم الى 230 معملا في المجالات الصناعية المختلفة:الانشائية،الكيمياوية والبتروكيمياوية،الهندسية،النسيجية والغذائية والدوائية والتي يريد البعض بيعها في سوق النخاسة!شعبنا العراقي نصير المهندسين الذين ترجموا قوانين رقم 80 لسنة 1961 ورقم 69 لسنة 1972 وقوانين سنة 1975 النفطية عمليا على ارض الواقع!شعبنا العراقي نصير المهندس الذي اسهم في اعادة العمل والخدمة لمنشآت البنية التحتية والمرافق الخدمية المهمة في غضون اشهر معدودة وبامكانيات محدودة جدا في المنعطفات الحرجة من تاريخ العراق السياسي الحديث!شعبنا العراقي نصير المهندسين الزراعيين الذين يتحالفون ميدانيا مع الفلاحين والجمعيات التعاونية وغيرهم في مسعى يستهدف التصدي لمحاولات الملاكين والاقطاعيين الجدد في المناطق التي تشهد استيلاءهم على اراضي الاصلاح الزراعي!شعبنا العراقي نصير المهندس العراقي الذي اثبت جدارته وتفوقه في دول اوربا واميركا الشمالية،والذي يقود اليوم الفرق الهندسية المشرفة على بناء اكبر الحضارات في الشرق الاوسط والخليج العربي!شعبنا العراقي نصير تصاعد الحركة المطلبية لتحريك البرك الراكدة وتنشيط الوعي بخطورة استمرار الأوضاع النقابية والمؤسساتية المدنية على ما هي عليه وتجميد مصالح مئات الآلاف من الاعضاء بهذا الشكل السلبي،بعد استنفاذ كل وسائل التخاطب السلمي ليجر الانتقال الى مرحلة جديدة من النضال السلمي المعمد بالاضرابات والاعتصامات والتظاهرات لتحقيق ذات الاهداف التي اكدت عليها مختلف الاتحادات النقابية والمهنية والمؤسساتية المدنية طيلة نصف عقد من الزمن اي منذ سقوط دكتاتورية صدام حسين حتى يومنا هذا!شعبنا العراقي نصير المرأة المهندسة!شعبنا العراقي نصير احفاد جميل الملائكة وعبد الرزاق مطر ومحمد الحكاك ومحمد عزيز ونزار ناجي يوسف وسلمان جبو وصامد الزنبوري وفاضل الصراف وحسن كاظم عزيز ورفعت الجادرجي!وشعبنا العراقي لا يتستر على الدور الطبقي النفعي للتكنوقراط!
ان محنة المهندس جزء لا بتجزأ من محنة شعبنا العراقي،وكان له شأن وأي شأن في الاسهام النشيط في تاريخ العراق المعاصر،سواء عن طريق مهنة الهندسة ذاتها كمهندس،او من خلال دوره السياسي كمواطن مشارك في الشأن العام.وامتلك مهندسو العراق التاريخ الوطني الحافل بالنضالات في سبيل الحريات العامة والديمقراطية والوطن الحر والشعب السعيد،ابان الوثبات والانتفاضات الشعبية وتفجر الجامعات العراقية،وفى مقدمتها كليات الهندسة،بموجات من الغضب العارم.وكان دور المهندسين العراقيين غير خافٍ في تفجير ثورة 14 تموز المجيدة والتصدي لانقلاب شباط الاسود 1963.
تكللت الاعتصامات والتظاهرات النقابية وسلسلة المفاوضات والمشاورات مع مسؤولي الحكومة العراقية باجراء تطميني روتيني بداية شباط 2008 هو لقاء تنسيقي بين نقابة المهندسين والاستاذ زهير الجلبي مستشار رئيس الوزراء لغرض عرض المطالب على رئيس الوزراء!!.وعقدت جمعية الكندي للعلوم الهندسية مؤتمرها الثاني في بغداد للفترة 17- 20 تشرين الثاني 2008،وخرجت بتوصيات خجولة مهللة للاصطفاف مع من تتلطخ ايديهم بسرقة قوت الشعب العراقي.ومنذ هاتين الفعاليتين تكللت الجهود الحكومية ببعثرة الجهد الهندسي المطلبي وشرذمته وتصاعد النهج القمعي الذي تكلل باغتيال نقيب الصحفيين الشهيد شهاب التميمي والاستاذ كامل شياع والمهندس البطل حسن عزيز،والملاحقات المستمرة للصحفيين،ولم يكن آخرهم احمد عبد الحسين وزهراء الموسوي!
ان اعادة الاعتبار لا تتعدى كونها مفهوما هندسيا ايضا تروج له بعض القوى السياسية المتنفذة وخالي من اية مضامين اجتمااقتصادية بدلا عن التمسك بلجنة التنسيق الدائمة للاتحادات والنقابات والجمعيات المهنية المشكلة في 12/9/2005،وتفعيلها والمساهمة في نشاطاتها بالندوات والاعتصامات والاحتجاجات،والمطالبة بالالغاء الفوري للقرارات الاستبدادية 27 لعام 2003 ورقم 3 لسنة 2004 و8750 في 8/8/2005 وملاحقة مشرعيها قضائيا،ومطالبة وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني بالكف عن التدخل في شؤون النقابات!ومقاضاتها دوليا!
لا معنى للاعمار واعادة الاعمار واعادة الاعتبار للمهندس ان كانت تصب بالنهاية في مجتمع يسوده الاستغلال والظلم الاجتماعي،والمجتمع المدني وحده يضمن رعاية الدولة وحمايتها للحقوق المدنية والسياسية،وتأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحق التنمية.توفير مستلزمات نجاح اية اعادة اعتبار للمهندس لا يمكن ان يتم الا على اساس طوعي وديمقراطي،وتتطلب الاحترام الكامل لحقوق الانسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية واحترام التعددية السياسية والابتعاد عن القهرية الحزبية والطائفية والميكافيلية والتدخل في الحياة الشخصية للناس وتوفير آليات التداول السياسية بالطرق السلمية وتعضيد فعالية المؤسسات الأهلية والمدنية والديمقراطية والنقابية والسير قدما باتجاه العراق الفيدرالي التعددي الديمقراطي العلماني الموحد.عكس ذلك،يعني تكريس الطغيان والحكم الاستبدادي واللامبالاة والفساد والتطلعات الاستهلاكية،ويصبح المجتمع عرضة للاختراق الخارجي دون جهد يذكر.

بغداد
14/10/2009