الرئيسية » الآداب » قصة قصيرة… أمنية الرحيل*

قصة قصيرة… أمنية الرحيل*

استيقظت من غيبوبتها، لتجد نفسها راقدةً على سريرٍ خشن في إحدى غرف ذاك المشفى الصدئ الذي تآكلت جدرانه، وعفى عنه الزمن. وقد غطى الشحوب أديم وجهها ولون السواد رصيف عينيها، تمكنت من تحريك عينيها بثقل شديد لتمسح المكان بكل تفاصيله المبعثرة، فوجدت زوجها جالساً على كرسي خشبي بقربها، وقد تمكن منه التعب، ويبدو أنه قد استيقظ هو الآخر من نوم عميق لتوه، وبعد أن لفَّ السكون المكان لبرهة اقترب زوجها منها، ليخبرها أنه نقلها إلى المستشفى، بعد أن دهستها سيارة مسرعة، كان يقودها سائق متهور فاقد الانتباه، ثم فرَّ مسرعاً دون أن يتعرف عليه أحد، وتركها تنزف وكأن شيئاً لم يكن…، وأحضرها إلى هذا المشفى النائي والوحيد في المنطقة لتجرى لها عملية عاجلة على أثر النزف الحاد الذي أصابها بالرغم من بساطة وبدائية الأجهزة المتوفرة، فنقلت اليها كمية كافية من الدم.

وبعد العملية استقر وضعها ومكثت عدة أيام في المشفى، ثم عادت لحياتها الطبيعية.

مرّت عدة شهور منذ خروجها من المشفى، وها هو بطنها قد بدء يتكور ويزداد حجماً معلناً عن وجود جنين يتخبط في أحشائها..، ينتظر رؤية النور..، كانت فرحتها شديدة، فسيكون طفلها الأول بعد زواج دام أكثر من سنتين، ولطالما انشغلت بالساعات وهي تمسح بطنها وتكلم طفلها المنتظر، وتوعده بالأيام الجميلة المقبلة، والمستقبل الزاهر، إلا أنها فقدت الكثير من الوزن خلال الأشهر الأولى من الحمل، وبدء الإعياء والتعب واضحين عليها، كما أخذت الندوب والتقرحات تظهر على وجهها، اقلقها وضعها الصحي المتدهور، فتوجهت إلى احد المشافي الحديثة في المدينة، لتطمئن على صحتها وصحة الجنين المعشش في رحمها، وبعد أن أجرت الكثير من الفحوص الطبية جاءها الخبر الذي شل تفكيرها كما جسدها ،وأفقدها الوعي، فقد أكدت لها الفحوص أنها مصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الايدز) . لم تصدق في البداية وشككت بدقة التشخيص، ولكن الأطباء أكدوا لها انها مصابة،وأن الموت سوف يطرق بابها عاجلاً أم آجلاً، فارتمت على الأرض من هول الصدمة، وأخذ الخوف من المجهول ومن نظرة المجتمع القاسية يتسلل إلى جسدها الذي أصيب بهذا المرض اللعين وهي ما تزال في ريعان شبابها، ولكن كيف اصيبت بهذا المرض؟ وهي لم تعاشر الفاسدين يوماً ولا مدمني المخدرات ولا…

مرت ثوان من الصمت والسكون، في تلك اللحظات المقيتة وبدأت تشعر بالحزن واليأس والوحدة وتمنت الموت مراراً وتكراراً، وأصبح المستقبل الحالم لا يعني لها شيئاً، فسوف يتخلى عنها الجميع وسينفض القريب قبل البعيد من حولها.

راحت تقلب أفكارها كل ما مر معها، وفجأة توقف شريط ذكرياتها عند ذاك اليوم الذي نقلت فيه الى المشفى حيث تم نقل الدم إليها، لابد أن الدم كان ملوثاً ومنه نُقل المرض إليها وإلى طفلها وزوجها، فما العمل الآن وكيف ستتأقلم مع المرض الذي تعشش في داخلها وبدأ ينهش روحها الهالكة ، فتوجهت مسرعة إلى المشفى لتتأكد من شكوكها، ولسوء الحظ فقد أكدوا لها أن الدم الذي نقل إليها ذاك اليوم كان ملوثاً ، وتسبب لها المرض المشؤوم . ولكن من الذي سيصدق أنها نقلت العدوى عن طريق دماء ملوثة ، وستتوجه اليها نظرات المجتمع المليئة بالشك والاتهام . زاد حزنها عندما عرفت أن عجوزاً كان يسكن في الجوارنقل اليه العدوى عن طريق الدم الملوث ،و في المشفى البائس ذاته ،وهي قادمة من دماء متبرع بها لعنة الإيدز القاتلة. فدفع حياته ثمناً لأخطاء طبية ولاستهتار العاملين في المشفى.

لقد ذاقت الأم الحزينة الأمرَّين وراح التعب يستشري في جسدها النحيل، واليأس يزورها كل ليلة يهبط عليها فجاة يلفها لفاً، والرغبة بالرحيل يثقب جلدها، وينتشر في عظامها رويداً رويداً كزلزال لا يتنهي ..

**************************
*أمنية الرحيل: قصة قصيرة نشرت في مجلة (الصوت الآخر) العدد 262 بتاريخ 7/10/2009