الرئيسية » شؤون كوردستانية » ((العائلة)).. حَلقة العُبوديّة الأولى، و لا تزال، حَولَ عُنق الإنسان!.1ـ2

((العائلة)).. حَلقة العُبوديّة الأولى، و لا تزال، حَولَ عُنق الإنسان!.1ـ2

في اذار 1991… كنا كالفئران المذعورة، فارّين صاعدين نحو الشمال، مع عوائلنا (المَصونة!).. تقودنا (الحَريم!) اللّواتي حَطّمنا إنسانيتهنَّ، نحو بَرّ حدود (الأمان)…. و في عين الوقت، كانت هناك بنات بطلات ((بيشمه ركه))، نازلات صوب الجنوب…. فتلاقينا….

طلبتْ مني إحداهنّ، ببراءة و عفويّة شديدة:

ـ هل لك إعطائي سلاحك، لأنك لا تحتاجه بعد الآن؟؟!!…

( ـ سلمْ سلاحك، يا أيها الفأر الجّبان، و المغفّل الفارّ، لأنك كالمستجير من الرمضاء بالنار)

نظرت إلى أطفالي الصغار الأربع، و صديقتي (زوجتي)، و تلاقت عيوننا، فقرأت التشجيع و التلميح بالموافقة، في عينيها الخلاّبتين.

فقلـتُ:

ـ فعلاً.. ماذا سأفعل بالسلاح!، فهاكِ تراني أسير …. .

ابتسمتْ شريكة مأساة حياتي … لم ادري لحظتها، و في تلك الظروف البائسة، معنى ابتسامتها الماكرة تلك… هل كانت تهكميّةً؟!.. أم أنها كانت أول انتصارا لها، تسجّله عَلَيَّ؟!.. و بعدما أصبحتُ داجناً، أتقبل بالواقع العبوديّ، لأسْر العائلة…. و ليكن قبولي على مَضَض، فهذا لا يغيّر من الأمر شيئاً يذكر، فمع الأيام، سأتلذذ به!.. و إن كنتُ دائماً، و إلى ذلك الوقت، أتشدّق بإيماني المطلق، بالحياة الحرّة، الخالية من أية قيود، و عقود عقيمة تافهة….

و (أهديتُ) سلمتُ لتلك الصَبيّة الرشيقة، رشاشتييّ!.. الكبيرة ((الناتو))، و الصغيرة ((ألبرتو))، مع عتداديهما، و فوقهما قبلة، على جبينها الناصع.. كانت لا يتجاوز عمرها، ثمانية عشر ربيعاً.. فرحت ب(هديتيها) غنيمتيها الثمينتين، و الجديدتين، كأنها تتقلد بقلادة ماسيّة، في جيدها الباسق، و حزاماً ذهبياً لخصرها النحيف.. باركتُ لتلك المقاتلة الحرّة الأبيّة، الممّشوقة القوام، و المفتولة الجسم، من كل قلبي… لاكني شَعرتُ في نفس الوقت، على أني أحقر من عنكبوت شاذ، وقع أسيراً في نسيجه.. فها هنَّ فتيات يافعات، يدافعّن عن عَرضي و ارضي و شرفي، بعد أن تخليتُ عن الثلاثة!، لخاطر عيون نرجسيّة!.. لنرجسيّة تدفعنا إلى الذّل، و الاستعباد، لنيل دعارة و مباهج الحياة العائليّة!!، بحجة تكوين الأسر الآسرة….. .

في بيئة قاسية لا ترحم اصلب الرجال، كانت أولئك الحوريّات، يستمدْنَ الإرادة و العزيمة و الإصرار، و بتصميم لا يوصف، على مواصلة الكفاح المبارك، من اجل حرّية الإنسان، من فكر زعيمهم ((آبو))…

طوال طريق الفرار، كنت أناجي أنانيتي، فهذه المرّة الثانية، التي أهين فيها، في صميم رجولتي، دون قصد منهنّ.. فالأولى كانت في ((زاخو))… حيث كانت المَهانة الحقيقيّة، على زغاريد أم كورديّة بطلة، أرادت أن تشجّعنا على الصمود، أمام هجوم ارتال الجيش العراقي، على عنق الوادي الحصين.. و لكن ما أن رأت عوائلنا معنا، حتى تحجرتْ هلاهيلها في عنقها، و شَعرتُ و كأنها تقول:

ـ أيها الجّبان… المدجّج بالسّلاح، من أخمص قدميه حتى أظافر يديه، لماذا فضّلت النجاة بعائلتك وحدها، أما كان الأجدر بك، أن تحمي المئات، من اهلك و ناسك، بين طفل، و امرأة، و شيخ عجوز؟؟!!…

لا ادري هل كانت زوجتي تقرأ أفكاري أم لا، و لكني لا أظن ذلك، و هي المرعوبة على صغارها، من هلاك كاد أن تصيبهم، عندما كنت رجلاً، حاولت مع عشرات، من أبناء مدينتي ((دهوك))، مشاغلة زحف تقدّم جيش عرمرم!، فبالرغم من همجيّته، كان خائفاً، و متردداُ، في احتلال المرتفع، الذي كنا نكمن فيه، بين الجثث و أشلاء الإنسان!، لأننا أرسلنا له إشارات تمويهيّة، على أننا بالمئات!، لكوننا كنّا نبدّل مواقعنا، و نشاغل المهاجمين، من أماكن عدّة، بزخات متفرقة، من أسلحتنا الخفيفة، و المتوسطة، و المتكوّنة من: مدفع هاون واحد.. و دوشكه واحدة.. و رشاشة كرينوف واحدة.. و ثلاثة بنادق ناتو.. و البقية كلاشينكوفات.. و رمانات يدوية فقط… مع ذلك، و بكل فخر، و صدق أقول، كنا عقبة كأداء، في وجه جبروت القوّة المهاجمة، التي كانت: قرابة فرقة عسكريّة كاملة!، بطائراتها الهيلكوبتر.. و أرتال دباباتها.. و قاصفات صواريخها.. و راجماتها.. و طواقم مدفعيتها المتنوّعة الأحجام … طوال يومين كاملين… كنا فيهما، تحت وابل القنابل و الرصاص، بحيث لم يبقى و لا متراً واحداً، في ناصية جبل ((زاوا))، غير مستهدف بالنار.. مع غضب الغيوم علينا أيضاً، بمطر غزير، لم يكن يتوقف، إلا لفترات قصيرة…. في ذلك الجحيم، الذي تحاشاه، عشرات الآلاف، من شباب مدينتي، و الذين تركونا لوحدنا، في موقف صعب جداً، لا يستطيع أن يتحمّله، إلا من كان عاشقاً و فاقداً لعقلهِ…. .

استطعنا ببطولةٍ نادرةٍ، من خلق فترة زمنيّة كافية، للآلاف، من أطفال و نساء و شيوخ المدينة، للنجاة بأنفسهم، من موت، أو أسر، أو اغتصاب، أو أنفال جديد، كنا ننتظره.. و خاصة بعد التشجيع الذي تلقاه جيش البعث، من القوات الأمريكيّة!، و ذلك بإشعال الضوء الأخضر أمامه… فخانت بذلك أمريكا، انتفاضة شعوب العراق، عندما أعلنت، بدون أي خجل، أو ذرّة شرف، أو أدنى حياء، بأن في استطاعة ذلك الجيش المنهزم، من استعمال سلاحه الجوي مُجدداً!!!، من الطائرات السمتيّة المدرّعة، و العاصية أمام أسلحتنا البدائيّة… فاستطاع العدّو العقائديّ، بالرسالة الصحراويّة الماجنة، و الهمجيّة، من السيطرةً، على جميع المحافظات العراقيّة المنتفضة، في الجنوب، و كوردستان!… لذا لم يبقى أمامنا، سوى النجاة بجلودنا…. و نَكَسْنا بعدها الرؤوس، أمام جيش فاشي آخر، و هي الجندرمة التركيّة، التي كانت مثالاً للنذالةِ، و الغطرسةِ، و التكبّرِ، و العنجهيّةِ، و الجُبن…. .



عندما انسحبت مجموعتنا من الجبل، لتشغل بدلاً عنا، مجموعة ب.م ((احمد بامرني)).. و وصولنا إلى مقرنا، في دائرة الاستخبارات ألصدامي سابقاً، تم استقبالنا هناك، استقبالاً حاراً، و كان طعاماً لذيذاً، بانتظار معداتنا الخاوية، فنسينا مؤقتاً، إرهاقنا الشّديد، و الم جروح و رضوض في أجسادنا… شعرتُ بعد الأكل مباشرة، بنعاسٍ طاغي، كاد أن يمنعني من الوصول إلى بيتي، حيث عائلتي، التي تركتها في رعب قاتل… لان المدينة كانت فارغة، من سُكانها المدنيين تقريباً، و كنا بين أنياب الطّابور الخامس للخونة، و الجحوش… لذا قد أرسل معي مسئولنا السياسي ((محمد سواري))، كل من ((علي البصري)).. البيشمه ركه العربي الشهم، حيث كنا معاً، طوال الوقت، و ضمن المجموعة نفسها، و كذلك ((رزكار مختار))، من شيوعيي الداخل … فور وصولنا إلى البيت، ذهبت في شبه إغماءة، بتلك الملابس القّذرة المبلّلة، و الحذاء المتهرئ، لكوني لم أذق طعم النوم، لليلتين متتاليتين… و لكن… كانت ليلة أخرى، ممنوعة فيها النوم، على ما بدت.. حيث كان في تلك الإثناء، الهجوم الناجح، لقوات البغي، في طريقها لاحتلال دهوك… ذهبت توسلات صديقتي أدراج الرّياح، عندما كانت تطلب منّي و بإلحاح لكي استيقظ!…… إلى أن أتى تباشير الصّباح، لاستفزّ من نومي اللّذيذ!، على صرخات أطفالي، و أمهم، لسقوط قذيفة مدفع، في حديقة دارنا.. فهرعت عندئذٍ، و من فوري إلى مقرنا… و لكني رأيته مهجوراً!…. فشعرتُ بان اجلي قد اقترب، و ما بقي في يدي، سوى الاحتماء من القنابل، التي كانت تتساقط على المكان….

بين مرارة الهزيمة، و حلاوة الصّمود، و إلى أن تمكّن، حتى آخر معوق أيضاً من النجاة، إذا أراد.. فقدتُ الحيلة، و صرتُ لا أبالي بالموت، الذي كنا بانتظاره، بين لحظة و أخرى.. فكنتُ راضياً عن نفسي، لكوني قد أديت أمانة واجبي، بأكمل وجه، يستطيع فيها إنسان، أن يتحمّل أداءه بإخلاص… و لكني كنت اشعر بتأنيب الضّمير، لربط مصير صديقتي الجميلة، و أربعة أطفال كالورود، بمصيري الذي اخترته طواعيةً، و لكن ما ذنبهم و هم الآن بين براثن موتٍ، أو أسر و اغتصاب!…. فانتابني لحظتها، حرقة شديدة في قلبي، و كاد أن يخرج من صدري، إلى أن أسكت انفعالاته الغبيّة، زئير أسد عجوز.. فالتفتُ لأرى القائد الشيوعي المشهور، الخالد ((توما توماس))، واقفاً أمامي كالطّود الشامخ، و ابتسامة رضا، يبثها من وجهه المبارك…. قرأ أفكاري في الحال، و كأني كتاب مفتوح أمامه، فقال:

ـ و أخيراً، تذكرتَ عائلتك يا عزيزي… و لكنّها لم تغبْ عن بالي، و لو للحظة واحدة، و سوف أضعها في بؤبؤتي عينيي.. لذا قررت عدم الانسحاب، إلا و انتم معي…. .

بمجرد رؤيتي وجه ذلك البطل، هدأ روعي، و أدركت بان النجاة قد كتبت لنا مرّة أخرى……

لم أترك آمرنا الباسل ((توما))، يحتار في إيجاد شخص، يحمّل سيارتنا الزيل العسكريّة، ببعض الأسلحة الضروريّة، و التي سنحتاجها من غير شك، إثناء الانسحاب، مع كمية من الغذاء الجاف أيضاً، فشاركتُ مع حرسه الخاص في تلك المهمّة… بعدها جلبت عائلتي..

صديقتي اهتمت بأطفالها، و نست قمصلتها!، في ذلك اليوم الربيعيّ، الماطر و البارد… [ و من المفارقات كان ذلك اليوم، عيد تأسيس الحزب ((الشيوعي العراقي))، أي يوم ((31.آدار))…]…. ذلك الوقت العصيب، كان ينفذ بسرعة، فغادرنا في الحال، و بأقصى سرعة، تستطيع أن تتحملها سيارتنا، التي كانت تتأرجح في الطريق، يميناً و يساراً، بسبب الأصوات المدوّية، لانفجارات كبيرة… .

عند وصولنا إلى مقرنا، في ناحية ((سرسنك))، فصلتْ زوجتي لنفسها رداءً، من بطانية عسكريّة!، و خاطتها على طريقة العصور الوسطى، فكانت تبدو كامرأة من الهنود الحمر، بعينيها الخضراويتين، التي كان الحزن و الفراق، يبسطان أساهما عليهما، و التي ما كانتا تخلوان، من نظرات العتاب.. شاعرةً باني مقصّر في حبها، و لا اهتم بمصير أطفالي الأبرياء، الذين غامرت بحياتهم، و تركتهم في ذمة القضاء و القدر… تحمّلت تأنيبها، و كانت بقية النسوة في المقر المذكور، يشاطرنها في وجهة نظرها، و صرّن جبهة متحدة ضدنا، لكي نلتفت إليهن أكثر.. حتى أصبحنا أخيراً، كأسرى في أيديهن، و كانت لا تمرّ دقيقة واحدةً، إلا و هنَّ يبرزن ضعفهن أمامنا، لإذكاء نيران قلوبنا، و لكي نشعُر بواجباتنا العائليّة (المقدّسة)! … حتى استطعّن إزالة المثقال الأخير من رجولتنا، و اعتزازنا بأنفسنا!……. . …. يتبع….

أدناه… أغاني… و أناشيد وطنيّة رائعة:

http://www.youtube.com/watch?v=EynqfpBBQg8&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=8CADsJS7rNI  

http://www.youtube.com/watch?v=K2ZeeqQv5hQ&feature=related  

http://www.youtube.com/watch?v=JaMLzjfMm0Y  

10.10.2009