الرئيسية » مقالات » كيف يرسم المثقف الجذري ـ المفكر رؤيته للمستقبل،كيف يصدر حكمه على مجتمعه وعصره؟ 1/2

كيف يرسم المثقف الجذري ـ المفكر رؤيته للمستقبل،كيف يصدر حكمه على مجتمعه وعصره؟ 1/2

هذه الأسئلة وغيرها المستولدة، يجيب عليها الكتاب الجديد: «اليسار العربي ـ رؤيا النهوض الكبير ـ نقد وتوقعات».لا ينوخ المؤلف تحت سطوة الانتماء الايديولوجي والفكري ـ السياسي كما اتسمت العديد من الأبحاث في هذا المضمار، فالمعضلات الكبرى جديرة بالمعالجة الموضوعية، حين تتحكم بالباحث مهمة ورؤية تطوير الواقع عبر معطيات ومناهج البحث المعرفي العلمي والنقدي، بمعنى آخر: (الابستمولوجيا)، والتي تسمُ بحوثه السياسية وكتبه ومؤلفاته وأدبياته وخطاباته، يتخذها بموقع المصاف وفوق أي اعتبار آخر. فالايديولوجيات تشيخ وتترك لأقدارها حين تبقى معلقة على الجدار كلوحة تجريدية، تغدو أكثر فتنة للنوم فوق صرير أريكتها…، بينما شجرة الإبستمولوجيا يانعة خضراء تتغذى من معطيات الواقع، ومن منجزات المعرفة…
هذه الخلاصة يؤكدها الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نايف حواتمة في كتابه النقدي الجديد: «اليسار العربي ـ رؤيا النهوض الكبير… نقد وتوقعات»، وذلك عبر أدوات قياسه لـ «النهوض» والتقدم، للمجتمعات العربية والإسلامية وخلاصها من التخلف والطغيان الايديولوجي وسطوة سياطه اللاهبة؛ التي تتجاهل المعايير الإنسانية العامة الشاملة.
والمرجعية في تحديد «التقدم والتخلف»، على أساس النسبة الثلاثية وقد غدت شهيرة عربياً: «الأمية والجهل؛ الفقر والمرض»، ومعها ومصحوبة بها درجة التنمية وحال المرأة وحقوق الإنسان، ومدى التسامح السياسي والاجتماعي والاعتقادي وحرية الرأي. نابذاً أية ذرائع تدعي «خصوصيات ثقافية ـ ايديولوجية»: العراقيل الكأداء الصماء لسطوة التخلف والطغيان، على حساب تقدير العلم واحترامه ودعمه في الفكر العربي، وفي التضاعيف المعرفة غائبة. بل هي الغائب الأوحد، وعلى اختلاف المذاهب التي تنبذ التأسيس العلمي ـ المعرفي، وذوات «النقل على العقل» في التعميم الطاغي والظاهر .
وهكذا لا يقف حواتمة عند حدود الراهن في معالجة ثلاثية التخلف البنيوي «الجهل والفقر والمرض»، فهي ظواهر ناجمة عن العلة الأساس الأكثر خطورة وأعمق أثراً موغلاً في العقل العربي، وهو يشير إلى التخلف المجتمعي الناجم عن تكلّس البنى المجتمعية التقليدية، وتكلّس ذهنيتها وفكرها، من عشائر وقبائل وجهوية وسمَّت «الدولة» والسلطة العربية وبنائها، وبما تحمل من انحطاط بنى تحتية، رغم قشرة «حداثة» عواصمها، وفي جوهرها بوادٍ وأرياف لم تتمكن من الذوبان في المجتمع المدني. هذه البنى الانحطاطية تعيد إنتاج ذاتها إنساناً وتنظيماً وسلوكاً وفكراً. في مقاومة المعرفة وحرية الفكر، ناهيك عن تحطيم شامل لحقوق المرأة.
إن ما يمكن أن يستخلصه المتابع مما ورد كله:
أولاً هو أن المؤلف ينطلق من الذات الموضوعة في المصاف الإنساني الجمعي، ومن موقع العلم الحقيقي وإنجازاته الذي بلغته الإنسانية جمعاء، في تنوع حيواتها وثقافاتها، لينتقل منها إلى اللحظة الكلية الجامعة اليسارية الثورية الإنسانية، وهو الأصل الموضوعي في انبثاقه الفكري والتكويني التطوري الذي سخّر له مبكراً حياته كهدف.
ثانياً واستناداً إلى هذا المنطلق الفكري الموضوعي؛ فهو بالذات ما يتيح لأي مجتمع مدني أن ينبثق ويتأسس في قلب فلسفة السياسة.
ثالثاً: قلق حواتمة باهتمامه بالحركة التطورية التجاوزية للنوع الإنساني في انسجام وتآلف أممي، وبلغة العولمة ذاتها (كوكبي)، ينسج فكره من الواقع والتحليل عبر منظومات العقل باعتبار هذا الجدل هو الحقيقة الوحيدة التطورية نحو حرية الإنسانية، وتقويض قيود الاستلاب في أي بقعة من بقاع العالم.
ما يعنينا هنا؛ وفي هذا الجزء من الكتاب «الفصل الأول»، هو ما يحمل في أوراقه من رؤى ونسق تحليلي متكامل مع فصوله الأخرى، وتقديمه خبرات إنسانية تاريخية، في شفافية المعالجة والمقارنة والمقاربة المقرونة بتسامي الضمير في بحثه عن العدالة وقيّمها، باعتبارها الهم الإنساني المدرك للمؤلف، عبر المعرفة والبحث العلمي الذي يسود، روح موضوعية ونظرات ثاقبة ناقدة قادرة على شق الدرب، موحداً بين الفكر والعقل الفاعل الإنساني. الأمر الذي يجعل من الكتاب بمجموع فصوله واحداً من أسلس الكتب التي عالجت هذه المسائل الكبيرة وبموضوعية عالية، من حيث الاستيعاب والتلقي في ميادين بحثه، كما يعتبر واحداً من أجرأ وأكثر أدبيات اليسار العربي الفكرية السياسية الأشد نقداً ونقداً ذاتياً، لسبب واحد وحيد لأنه نتاج عملية بنيوية عضوية من قلب الحدث التاريخي، بحكم موقع المؤلف السياسي ورسالته التي حملها منذ مستهل ريعان الشباب.

الكتاب: اليسار العربي
تأليف: نايف حواتمة
الناشر: الاهالي – دمشق وبيسان ـ بيروت 2009
الصفحات: 230 صفحة