الرئيسية » شؤون كوردستانية » رؤية في دعوة السيد الفاضل هشام عقراوي

رؤية في دعوة السيد الفاضل هشام عقراوي

بداية، نشكر السيد هشام على مبادرته التي ذكّرتني بنفس هذا الموقف عندما طرح السيد خالد شواني (عضو مجلس النواب عن قائمة التحالف الكردستاني) باستبعاد الاقليات من نظام الكوتا واستحقاقاتهم الانتخابية في شهر أب من العام الماضي على خلفية مناقشة قانون الانتخابات رقم 24 وحذف الفقرة 50 منها، بعد المصادقة عليها من قبل البرلمان في 22/7/2008 والتي تم حذف تلك الفقرة من قبل نفس البرلمان في 24/9/2008 بعد نقضه من قبل مجلس الرئاسة. اليوم يتكرر نفس الموقف باطلاقه هذه الدعوة ولكن في ظروف آخرى وتعقيدات أعمق عندما طالب السيد هشام عقراوي آنذاك عبر دعوته الموسومة “اسحبوا مقترحكم الغبي”. ورغم المئات من الدعوات والاستنجاد والعطف والتوسل لحد البكاء من خيرة ابناء الايزيدية للقيادة الكردية، إلا أنهم لم يسحبوا اقتراحهم إلا بعد مقالة السيد هشام والتي قال فيها بوضوح بأنكم لا تفقهون من السياسة شيء لانكم تهملون من هم السند لظهركم وكان الرجل محقا جدا وبانت نتيجة دعوته فيما بعد.
منذ منتصف عام 2003 ولحد اليوم، كتب الايزيديون ومعهم الخيرين من بقية الفئات التي تعاطفت مع هذا الغبن المتعمد، أكثر من ربع مليون مقالة؛ منها رسائل مفتوحة إلى القيادات الكردية كافة من رئيس الاقليم ورئيس الجمهورية والبرلمان ورئيس الوزراء، ومنها دعوات مفتوحة، وأخرى رسائل شخصية، وتلتها لقاءات جماعية، وزيارات وفود مختلفة، ولكن جميعها لم تلق آذان نصف ولو ربع صاغية. ويوما بعد يوم والايزيديون يكتبون للقيادات الكردية بحرقة دم واخلاص وصدق بأن تنتبه لما يحصل وتلتفت إليهم ولو بنصف عين ولمرة واحدة، ولكن في كل مرة نتفاجأ بعد الوعود الخجولة بأن المعادلة قد تغيرت بشكل مغاير لكل ما هو ممكن التفكير به نحو الاسوأ.
فالسيد هشام شخص يتفهم اللعبة، ومنذ فترة طويلة ومن خلال قراءتي لمقالتين لجنابه عرفته انسانا يفكر في الوقت الصح وعند الحاجة والضرورة. في عام 2008، شعر بأن الغبن قد يلحق بالحق الكردي من خلال تهميش الكرد للإيزيديين، وهي في الحقيقة ليست لسواد عيون الايزيدية، وأنما لكونها ضد المصلحة العليا للشعب الكردي، وهو على حق، وبذلك طرح مبادرته ونجح فيها خير نجاح. كل هذا كان يحدث والقيادة الكردية لا تعير اي اهتمام لدعوات الايزيديين، بل تهينهم في التصرف والحقوق والاستحقاقات وتستفيد من عددهم وخيراتهم وامكانياتهم مقابل حفنة من الدنانير توزع عليهم من استحقاقاتهم المالية على بعض الذوات الحزبية والتعيينات الادارية وشراء الذمم. وقلت في مقالتي عن الامن القومي الايزيدي “بأنني اود أن اهمس في أذن القيادة الكردية على انه يمكن أن يصبح الايزيديون يوما ما عبءً على الواقع الكردي إذا ما استمر التهميش”، ولكن للأسف لم يسمعنا أحد لان الدعوة أتت من شخص لا يهرول ويصفق للخطأ. ولكوني انتقد الخطأ، والانتقاد في ظل الدكتاتوريات والحزب الواحد يعد من الكفر والخطوط الحمر.
أرجع لما فكر به السيد هشام هذه المرة وبهدوء وايضا في الوقت الضائع وحرصه على مستقبل الشعب الكردي، وهو يتحسس لما يكتب هذه الايام بشكل مغاير لما هو متعارف ومألوف من التاكيد على الحقوق والتصويت للقوائم الايزيدية، ويفحص فيما بين السطور وما يمكن أن يحصل في ظل استمرار هذا التجاهل المتعمد وبهذه العلنية الفاضحة التي يشعر بها الايزيدي المتنّور. ولكن وفي هذا الوقت ايضاً، على القوائم الايزيدية وخاصة القائمة المستقلة، والتي سوف ندعمها بقوة إذا بقت على استقلاليتها، أن تعي الامر وأن تلعب دورها بجدية وحنكة، وأن لا تنجر وراء العواطف والكلام المشروخ في الاتجاه القومي، وأن يعوا ما يعنيه كلمة (الكرد الاصلاء). واقولها بكل صراحة ووضوح عليهم أن يثبتوا هذه المرة بثبات ووعي ماعانه بني جلدتهم من معاناة على ايدي الكورد قبل العرب بدءً بالتهميش في جميع الحلقات السياسية، مرورا بأحداث الشيخان، وأنتهاءً بما ورد في مقالة السيد هشام عقرامي بشكل عام. وهنا لا استبعد بأنه قد تم مناقشة هذا الامر على أعلى المستويات السياسية الكردية، لأن في الامر شيء كبير ومنحى خطير بحسابات السياسة الكردية من حيث أن المجتمع الايزيدي فقد كل الثقة بهم، وليس بجزءً بحد ذاته من القيادة الكردية التي كانت قد بنت عليها الايزيدية ثقة عمياء وغير محسوبة العواقب، وأن الايزيديون لم يعودوا لقمة سهلة الهضم. فالحال في كردستان لم يعد مثل ما كان قبل سنتين من الان، وهو مرشح لأكثر من احتمال على حسب تقرير مجموعة الازمات الدولية بشأن محافظة نينوى والوضع القائم بين قائمتي نينوى المتآخية والحدباء الوطنية حول تقاسم السلطة. ولايمكن استبعاد تأثير فوز قائمة التغيير وعدم موافقتها على الانخراط في الإدارة والاكتفاء بالمعارضة لمراقبة اداء الحكومة. ثم الحسابات التي قد تطرأ على الواقع العراقي بعد الانتخابات التشريعية التي ستغير الكثير من التوازنات وما يتعلق منها بالجانب الكردي من حيث المراكز الحساسة كرئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية وبقية المراكز الحساسة. كذلك زيادة عدد النواب في المجلس النيابي من 275 إلى 311 عضو الذي سيكون في جزء كبير منه على حساب عدد النواب الكرد وبالتالي إضعاف الصوت الكردي. إضافةً إلى ما ترشح عن أهمية الدور الذي يلعبه الايزيديون في محافظة نينوى والتي من خلالهم عطّل الجانب الكردي الحياة بشكلها الاساسي ودب الشلل التام في عموم المحافظة، ومناطق الايزيدية بشكل خاص وعن طريق أعضائهم مع الاسف، وما فيها من هضم واضح لحقوق الايزيديين من جانب الدولة في الوقت الذي هي الاخرى لا تقدم إلا النتف، وما يشكلون من ثقل جماهيري وسياسي لا يستهان به وخاصة بعد الانتخابات البلدية المقبلة في الاقضية والنواحي، إضافةً إلى الانفتاح البارز في قوى إيزيدية متعددة نحو المحافظة وقائمة الحدباء وقواها السياسية.
والاهم من كل هذا، هو ما يقرأه السيد هشام كصحفي، وما يتلقاه من كتابات وما يحلل فيما يرد فيها من افكار متقدمة ومدروسة بشكل معمق في الشأن الايزيدي المتردي بشكل متَعمد والواضح في دعوته الكريمة التي إذا لم يتراجع الساسة الاكراد عن هذا التباهي والشعور بالقوة والعنجهية وغبن الاخر، فسوف يخسرون الكثير الذي كان يمكنهم الاحتفاظ به دون عناء، وعليهم أن لا ينسوا ما فعله المتطرفون الاكراد في الشيخان أبد الدهر. وإذا ما أستجابت القيادة الكردية لهذه الدعوة، فإنهم بذلك أعلنوا بأن جميع الايزيديين ودعواتهم لا تساوى سوى مقالة السيد هشام عقراوي. من الجانب الاخر وكما اشار السيد أكرم ابو كوسرت في تعليقه على كلام السيد عثمان شواني حول القوميات الجديدة، فنقول؛ مَن الذي أجبر هذه الفئات على التفتيش عن مخارج قومية وفئوية وعرقية غير تصرفات بعض الذين قادوا الاحزاب الكردية في مناطق تواجد هذه الاقليات؟ وهل بعض الاطراف الحكومية على خطأ أم الاحزاب الكردية التي همشتهم، بل أهانتهم، هي المسئولة عن هذا التشذي في الجسم الكردي؟ هل على هذه الفئات أن تقدم أكثر لكي تبرهن على ولائها المطلق؟ أعتقد بأن السياسة الكردية الفاشلة ستؤدي بهم إلى الكثير مما لا يتمنوها في المستقبل إذا ما بقت هذه الرموز التي تقود أحزابها في مناطق تواجد الايزيدية على وجه الخصوص، وهي النقطة التي ركّز السيد هشام عليها في دعوته.
أملنا أن تعي الساسة الاكراد طبيعة المرحلة، وأن يعوا الدور الذي لعبه الايزيديين في خدمة السياسة الكردية، وأن يعرفوا بأن ماجرى على رأس الايزيديين هي بسبب مساندتهم للقضية الكردية، وأن يكفوا عن وضع الخطوط الحمر في الشأن الايزيدي، وأن أحترام الخصوصية الايزيدية هي الخط الاحمر الذي يجب عدم تجاوزه من أي مكون عراقي مهما بلغ من قوة، لأن الذي قاوم كل التاريخ الاسود سيقاوم الوضع الحالي ايضاً. وفي الوقت ذاته نأمل من السادة الايزيديين المعنيين أن يضعوا الجانب الكردي في الصورة الحقيقية التي يمكن أن يلعبها الايزيديون في الساحة السياسية اليوم لما يتمتعون به من أوراق مهمة في جغرافية محددة وعدد السكان، حتى ولو تطلب الامر القيام بالتحالف مع القوى السياسية الاخرى، مع أملي أن لا تصل الامور إلى ذلك الحد ولكن ذلك ليس بغريب على اللعب السياسية إذا ما كانت تمس حياة الناس. ومن الله التوفيق.

علي سيدو رشو
القاهرة في 8/9/2009