الرئيسية » مقالات » أنا ومحمد البان وحكايا أخرى

أنا ومحمد البان وحكايا أخرى

أيتها المغتربة, هل أحسدك على غربتك ؟؟!! أم أرثي لحالك وأدعو الله أن يعيدك إلى أحضان البلد الأم و مراتع الصبا ,, أو تعلمين ؟؟ أننا هنا نعيش غربتك بل نحن في اغتراب أقسى مما تعيشينه هناك ,, عشرات المرات أقف أمام مرآتي لأحدثها و تحدثني عن أوجاعنا وأوجاع من حولنا ممن رسموا لوحات البقاء في زمن الموت ,, قد لا تصدقين أن أخبرتك أنني ومنذ صباي لم اشعر بغربة كهذه التي أعيشها الآن طوال حياتي ,, كأنني أعيش في بلاد أخرى لا أعرف كيف أتودد له ,, كيف أشاكس تربته وأعانق صباحاته , كيف ألثم ثغر مساءاته !! أحاديث الموت والحياة أهاجت في داخلي مشاعر جمة , كادت تصرعني في أوقات كثيرة ,, أصبح الموت هنا مشاعا ,, سلطانا نخضع له ونحتكم لأمره حتى وقبل أن تسقينا الساعة من ندى رقاّصها ,, صحيح أننا لا نخشاه لأنه حق علينا ولكن حداثة شكله هي التي تؤرقنا وتدعنا أسرى للحيرة والقلق والأرق والحزن الذي يلازمنا كل لحظة ,, سأحكي لك هذه القصة ,, في عام 2005 دعينا إلى المهرجان الثقافي الدولي الذي أقيم في دهوك ,, حضر المهرجان العشرات من الأدباء والمثقفين الكورد والعرب في العراق ودول العالم المختلفة ,, وكانت فرصة طيبة للقاء زملاء الحرف وأصدقاء الكلمة .. دعي من الموصل من دعي , وكنت أنا وصديقي الشاعر المبدع والمصور التلفزيوني محمد البان الذي كان يعمل مصورا في فضائية الشرقية من بين المدعوين ,, كان البان يحلّق فرحا وهو يسوق سيارته في دهوك ليلا , قال لي : أنا لا أصدق !! ها أنا ذا أسوق سيارتي ( التي اشتريتها منذ سنة ) في الليل ودون خوف,, ولأول مرة أشعل مصابيحها ,, فالخروج ليلا في الموصل ضرب من ضروب الخيال , هل أنا في حلم ؟؟!! أخذته وصديقي إلى البيت,,وكانا فرحين جدا بنافذة الحرية المحدودة التي فتحت لهما هناك ,, كان البان معجبا بشاعرة جميلة حضرت للمهرجان وكنا أنا وصديقي ندفعه ونشجعه ليتعرف بها وبعد مقالب كثيرة ,, فعلها وتعارفا ,, بعد انتهاء المهرجان رجعوا هم إلى بيوتهم وأنا رجعت إلى عملي في الموصل وليتني متّ لحظتها وما رجعت ,, ففي اليوم الثاني من رجوعنا صعقت باستشهاد محمد البان وقرأت خبر استشهاده وقلبي ينزف دما وعيوني تذرف نارا على فراقه حين قرأت على إحدى وكالات الأنباء (وأضافت القناة في بيان لها ان زمرة آثمة اغتالت مصورها في مدينة الموصل (375 كم شمال بغداد) حين هاجمه أفرادها عند الساعة الثامنة وخمس دقائق صباحا أمام منزله في حي الإعلام في الجانب الأيسر من مدينة الموصل وأطلقوا النار عليه مما أدى إلى استشهاده في الحال وأوضحت أن البان “مصور تلفزيوني بارز عمل في حقل الصحافة والإعلام منذ ثلاثة عقود واسهم في الكتابة للصحافة العراقية وكان خطاطا ماهرا وعمل في الأعوام الثلاثة الماضية مصورا لقناة … وهو من مواليد 1950 ولديه ابن وثلاثة بنات . وأكدت ان استشهاد البان سيزيدها عزما وإصرارا على المضي في منهج الاعتدال والوسطية ومد يد الخير لكل العراقيين . وقالت ان البان التحق بقافلة الشهداء إذ سبقه في هذا الموكب المذيعة لقاء عبد الرزاق التي استشهدت عام 2005 والمخرج احمد وائل البكري الذي استشهد برصاص القوات الأميركية عام 2005 والمراسل احمد رشيد الذي استهد قبل 10 أيام برصاص غادر أطلق عليه بحي الاعظمية في بغداد) ,, بكيت طويلا لموته ,, طويلا بكيت ,, ماذا فعل البان ولماذا قتلوه ؟؟ هل لأنه غطى مهرجانا ثقافيا في كوردستان ؟؟ أم لأنه كان أنسانا بحق, رحل تاركا خلفه عائلة بأكملها تنتحب وتعيش بلا معيل..

خيط صغير يفصلنا عن الموت ,, خيط لا يكاد يرى بالعين المجردة ,, والأنكى من هذا كله أن الأحياء في بلدي هم أموات ,, يرضخون له بسرعة ,, في أحيان كثيرة ترين رجلا مسلحا واحدا يفرق حشدا كبيرا من الناس ويقتّل فيهم وهم خائفون لا يتحركون للدفاع عن أنفسهم,, بل يتركون أقدامهم للريح وكأن المسألة لا تخصهم إطلاقا ولسان حالهم يقول ( أنا شعليي ) وتعني ( لا دخل لي فيما يحدث ) ,, لا أخفيك القول أنني مع الحطيئة حين قال ( لكل جديد لذة غير أنني .. رأيت جديد الموت غير لذيذ) .

حكايا كثيرة عن الموت القسري تحرك في سكوني أمواجها المتلاطمة وتقض مضجعي حين أتذكرها ,, الصحفية سروة الدرويش قتلت في إحدى صباحات الموصل المعتمة حين كانت تهم بالذهاب إلى مؤسستها الإعلامية ومقر عملها ,, أغار عليها رهط من غربان الموت وأرادوا خطفها لكنها أبت وقاومت بشراسة ,, فلم يكن بيدهم سوى رشقها بوابل من رصاص الحقد للقضاء على زهرة من زهور الحياة , سقطت صريعة بباب دارها وأمام مرأى والدتها التي فقدت الوعي من هول الموقف ,, سروة رحمها الله كانت مختلفة عن قريناتها ,, محبة للحياة والحرية ,, عاشقة لعملها الصحفي ,, كانت تزورني باستمرار في مقر عملي لتسلمني تحقيقاتها الصحفية ومقالاتها وخواطرها الجميلة ,, لم تكن تأبه للموت ,, فعشق الحياة كان متمثلا في نشاطاتها الصحفية وإصرارها على العمل في مختلف الظروف حالها حال الكثيرات من زميلاتها ,, وكذلك الصحفية الفذة الصديقة سحر الحيدري (رحمها الله) التي استشهدت أيضا بعد ذبحها ببشاعة على احدى الأرصفة في الموصل .

ذكراه وذكراهن قلب مواجعي كثيرا وأحضر كشريط سينمائي كل من عرفتهم وماتوا في موجة القتل اليومي الذي حصد أرواح الكثيرين من أبناء مدينتي,, قلتها يوما لغازي فيصل حين كنا نتحدث عن الشهيد احمد كريم مدير فضائية كوردستان مكتب الموصل 🙁 أو يعقل أن يهيمن الشر على أحلامنا إلى ما لا نهاية..!! ؟؟ أو تعتقد بأن روح ( أحمد كريم) التي عانقت أرواحنا يوما وصاغت بعفويتها مدار السمو فينا, ستنزوي في قعر ذاكرتنا المنسية إلى يوم يبعثون..!!؟؟ أو يحق للعيون الغائرة المغمورة في غيابت التيه أن تحكم سيطرتها على أيامنا ببساطة , دون ان يرف لها جفن ..!!؟؟هل سنبقى كشمعة عيد الميلاد نحرق أنفسنا دون أن نصل إلى شرارة الخلاص من زمننا الملطخ بفوضى الحواس..!!؟؟ ) الوجوه الغريبة التي نراها تلقي الروع فينا .. والأصوات الملوثة التي تستبيح سكون مساءاتنا تبعدنا عن مسارات الحقيقة التي ألفناها من قبل , ربيع عراقنا يدنّسه الجفاف وسماؤه يظللها الغمام ,, شوارعه حائرة لا تدري كيف تخرج من شرك الضياع ولا تستطيع ان تخلص روّادها من كنف الطاغوت ..كأنها ابتليت بلعنة الفراعنة ,, الداخل فيها ميت والخارج منها مجنون ,, والعالق بينهما ثمل دون خمر ,,