الرئيسية » مقالات » مجموعة الـ 20 والهيمنة الأنغلوساكسونية على النظام المالي العالمي

مجموعة الـ 20 والهيمنة الأنغلوساكسونية على النظام المالي العالمي

نهاية الرأسمالية وانهيار الإمبراطورية الأمريكية، هما العنوانان الأبرزان للمقاربات السياسية العربية للأزمة المالية الإقتصادية الحالية منذ اندلاعها في سبتمبر / أيلول من العام الماضي. غير أن أغلب هذه المقاربات التي لا تزال تتوالى وإن بوتيرة أقل، إنما جاءت نتاجا لما يسميه الكاتب المصري المقيم بنيويورك “فرانسوا باسيلي” تفكيرا بالتمني (تفكيرا رغبويا)؛ ذلك لأنها كانت إلى حد بعيد مقطوعة الصلة بحقائق الواقع. والغريب هو أن تستمر بذات الصيغ التبشيرية الصارمة (وصل بعضهم إلى حد التنبؤ بتفكك الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس القادمة) على الرغم من أن الأزمة الحالية لا تزال بكل المقاييس أبعد بأشواط من مستويات أزمة 1929 ، يكفي أن نعرف -مثلا- أن فترة الركود التي شهدتها هذه الأخيرة، استمرت في الولايات المتحدة 43 شهرا ، فيما الفترة الحالية تخطت للتو الشهر العشرين ولا يتوقع أن تستمر لما بعد نهاية العام الجاري، بل يمكن القول أنه إذا استثنينا بعض مقاييس أسواق العقارات والقروض، ستغدو هذه الأزمة بشكل عام الأسوأ فقط منذ 25 إلى 30 سنة (لا أبعد) وهذا ما تبرزه على سبيل المقارنة كل المؤشرات الدالة ؛ بما في ذلك على سبيل المثال المؤشران الدالان التاليان:

– في سنة 1982، كان الناتج المحلي للولايات المتحدة، ينخفض بنسبة 6,4% ، بينما نسبة الإنخفاض خلال الربع الأول من العام الجاري كانت في حدود 6,4% والآن هي في حدود 1% فقط.

– وفي سنة 1983 كان معدل البطالة هناك في حدود 9,6% ، فيما هو يقارب حاليا 9,7% (ارتفعت النسبة في شهر أغسطس الماضي وهي الأعلى منذ يونيو 1983)، ولا يتوقع أن يتجاوز الـ 11% مع نهاية العام الحالي وفقا لبعض التقديرات المتشائمة …

بالطبع سوف لن أستطرد في مناقشة مقاربات من هذا النوع، وإن كنت أشاطرها ذات الرغبة في أن أرى -اليوم وليس غدا- الرأسمالية والإمبراطورية الأمريكية كليهما أثرا بعد عين؛ ذلك لأنني كما أسلفت معني فقط بمناقشة ذلك الرهان العربي الذي ما انفكت الوقائع والطرق التي تجري بها تصريف الأمور دوليا تبرهن على كونه رهانا خاسرا.

لاحظ الباحث عادل سمارة، أن انعقاد مؤتمر وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية للدول السبع الكبار في روما أواسط شباط/فبراير الماضي جاء خلافا لما تهيأ للمراقبين، من أن مؤتمر مجموعة العشرين الذي انعقد بالبرازيل على هذا المستوى في نوفمبر الماضي وقمة واشنطن اللاحقة المنعقدة في نفس الشهر “قد أرسيا قاعدة جديدة لطبقة حاكمة عالمية، أصبحت عضوية الكبار فيها عشرين أو أكثر “. بل إن ذات المؤتمر شهد غياب روسيا التي كانت قد “ألحقت” كما هو معروف بنادي السبع الكبار إبان فترة يلتسين رغم انهيار اقتصادها ، وهاهي اليوم تستثنى -بغض النظر عن الدوافع- مع أنها تشهد صعودا اقتصاديا ملحوظا. هذا التطور -يضيف سمارة- إنما يكشف عن مسألة هامة، تتمثل في كون بلدان المركز الرأسمالي الكلاسيكي المتقدم، لا زالت ترتبط فيما بينها بمصالح ، الأمر الذي يدفعها للعمل على محورين:

– الأول: اعتبار نفسها واقتصاداتها مركز النظام، ومن ثم فإن الحفاظ على سياسات اقتصادية “ما فوق-امبريالية” إنما هو ضرورة لها،

– والثاني: تطويع الاقتصادات التي تقترب من مستوى المركز عبر الآلية المستحدثة المسماة مجموعة العشرين ، لكي تشكل رصيدا احتياطيا لها عند الأزمات لا أكثر…

الأكثر لفتا للإنتباه ربما، هو أن مجموعة العشرين تلك ستشكل مع ذلك الإطار الذي من خلاله سوف يكرس النظام المالي الأنغلوساكسوني سيطرته الشاملة على مجمل النظام المالي العالمي . كيف ؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، أرى من الأهمية بمكان التشديد على أن التدابير المعلنة التي تبنتها قمتي المجموعة (واشنطن ولندن)، إنما تعكس حاجة المركز (مجموعة السبع بقيادة الولايات المتحدة) بقدر ما هي حاجة بقية دول المجموعة المتفق على تسميتها بالدول الصاعدة للتغلب على الأزمة الحالية في الأقل وعلى نحو “يجنبنا تكرار أزمة عالمية من هذا النوع” كما قيل، ولكن ضمن شروط النظام المالي العالمي السائد؛ بمعنى أنه لم يكن من الممكن أن تطرح، ولا يمكن ضمن هذا الإطار بالذات -أي إطار مجموعة العشرين- أن تطرح قضايا على صلة عميقة ليس فقط بهذه الأزمة ، وإنما بكل الأزمات التي شهدها العالم على مر العقود الأربعة الماضية. ولعلني أشير هنا تحديدا إلى قضية النظام النقدي وما يفرزه من قضايا مثل أسعار الصرف العائمة والنقود الإئتمانية (Fiat money) وعملة الإحتياط العالمي إلخ…

قد يحاجج البعض بأن الصين ، قادت بالفعل في مارس/آذار الماضي تكتلا يطالب باستبدال الدولار بعملة احتياط جديدة (مقاصة جديدة) وبالتالي فإن هناك إمكانية فعلية لأن تلعب مجموعة العشرين أدوارا مستقبلية في مستوى الآمال. قطعا لا توجد أي إمكانية لذلك على الأقل في المدى المتوسط، والدعوة الصينية لم تكن جادة على الإطلاق ؛ فهي -أي الصين- لم تنبس ببنت شفة بهذا الخصوص في قمة المجموعة التي عقدت بلندن أياما قليلة فقط بعد إطلاق تلك الدعوة. قبل ذلك ببضعة أشهر قليلة، أثارت الصين حفيظة الولايات المتحدة بسبب ما تعتبره هذه الأخيرة استمرارا بالتلاعب في قيمة عملتها: اليوان، فهددت برفع الأمر إلى الهيئات الدولية المختصة. ونتيجة لذلك أوقفت الصين شراء سندات الخزانة الأمريكية فيما يمكن اعتباره إجراء انتقاميا، غير أنها ما لبثت أن استأنفت عمليات الشراء ؛ ما إن تخلت الولايات المتحدة عن تهديدها المذكور… وعشية قمة الثمانية الأخيرة المنعقدة بلاكويلا جددت الصين دعوتها تلك ولكن قرنتها هذه المرة بتأكيدها على أن الدولار سيظل مع ذلك عملة الإحتياط لعدة سنوات قادمة. في المقابل تعهدت القمة بالعمل على تأسيس نظام نقدي عالمي أكثر استقرارا… يمكن القول إذا ، أن تلك الدعوة ؛ إنما تندرج ضمن هذا النمط من الاحتكاكات العرضية المعهودة بين البلدين- شهدت مؤخرا شيئا من التصعيد نتيجة لتداعيات خطط التحفيز الوطنية (الحمائية)- لا سيما وأنها -أي تلك الدعوة- جاءت بعيد ما قيل عن اعتزام الولايات المتحدة طبع ما قيمته تريليون دولار لضخه في الإقتصاد الأمريكي مع ما يشكله ذلك من تهديد أكيد لاحتياطات الصين من الدولار… وفي مسعى أمريكي للتخفيف من حدة هذه الإحتكاكات أو لاحتوائها بالأحرى ، تم مؤخرا توسيع نطاق مبادرة الحوار الإقتصادي الصيني-الأمريكي التي أطلقت في العام 2006 (يجري بشكل متبادل في بيكين وواشنطن مرتين سنويا منذ 2007) بهدف تعزيز جهود البلدين في مجال تفصيل العلاقات الإقتصادية بينهما لتغدو مبادرة للحوار الإقتصادي والإستراتيجي الصيني-الأمريكي؛ بحيث لن تعود مفاعيلها التنفيذية منحصرة بين وزارة الخزانة الأمريكية ونظيرتها الصينية وإنما ستمتد لتشمل كذلك وزارتي خارجية البلدين. ويأتي هذا التعديل في الواقع بناء على رغبة صينية في توسيع نطاق هذا الحوار مع صعود أوباما لسدة الرئاسة ، “لا سيما بعدما برهنت المبادرة في صيغتها الأولى على أنها آلية هامة للغاية لتقدم الروابط الإقتصادية وعلاقة التعاون الشاملة بين البلدين (من تصريح لتشو قوانغ، مساعد وزير المالية الصيني: وكالة شينخوا الصينية ، 27 نوفمبر 2008 ). وفي هذا الإطار، تم عقد الجولة الأولى من هذا الحوار في واشنطن يومي 27 و28 يوليو الماضي بجدول أعمال واسع، شمل الإقتصاد، البيئة، الطاقة، السياسة وحقوق الإنسان… وفي المجال الإقتصادي أشارت التقارير إلى أن المباحثات تركزت أساسا حول الملفات الثلاثة التالية:

1 . التحفيز الإقتصادي: حيث تضمنت المشاورات المزيد من النقاشات حول إمكانية تعاون الطرفين لتقوية إنتعاش الإقتصاد العالمي إضافة إلى القيام بدعم جهود القضاء على عوامل ضعفه…

2 . تصحيح التوازن الإقتصادي: حيث يجمع الخبراء بأنه لن يتأتى إلا من طريق واحدة: تقليل فوائض الحسابات الجارية الصينية. لذلك تضمنت المشاورات خطة التحفيز الصينية لزيادة الإستهلاك الداخلي ، لا سيما بعدما دفعت الأزمة الولايات المتحدة إلى اعتماد جهود الحد من الإستهلاك وتشجيع الإدخار…

3 . التجارة والعملة: حيث تعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري يبلغ 266 مليار دولار في معاملاتها التجارية مع الصين، الأمر الذي حدا بها إلى حث الصين مرة أخرى على تحرير سعر صرف عملتها (اليوان) بما يؤدي إلى تقليل الصادرات الصينية لأمريكا وزيادة وارداتها منها …

في تعليقها على نتائج قمة العشرين المنعقدة بلندن يوم 02 أبريل الماضي، رأت صحيفة “لوموند” الفرنسية الصادرة بتاريخ 3 أبريل ” أنه على الرغم من آلام الولادة، فإن عالما جديدا جميلا أقل ليبرالية وأقل أنغلوساكسونية يبرز من تحت أعيننا في لندن …” وهذا صحيح إلى حد ما بالنسبة للشق الأول وغير صحيح على الإطلاق بالنسبة للشق الثاني، فالقول بأننا على أعتاب عالم أقل ليبرالية له ما يبرره في التدابير التي جرى تبنيها في تلك القمة وهي تدابير من شأنها أن تحد فعلا من انفلات الليبرالية التي أطلق لها العنان بالكامل مع انطلاق الحقبة الريغانية / التاتشيرية مطلع الثمانينات فيما لو توفرت البيئة المالية المناسبة، لا سيما بعدما جرى تقوية الأدوار التنظيمية، الرقابية، التقييمية والجزائية أيضا (لا سيما فيما يتعلق بمكافحة الملاذات الضريبية) لمؤسسات دولية كبرى جرى تهميشها بشكل مبيت على امتداد سنوات الإنفلات ، ولعلني أخص بالذكر المؤسسات الدولية الأربع التالية التي ستغدو بمثابة الأعمدة الأربعة فيما وصف “بالهندسة المالية العالمية الجديدة”:

– صندوق النقد الدولي الذي ستشهد موارده ارتفاعا من 250 إلى 750 مليار دولار، الأمر الذي سيسمح له بممارسة دور جديد يتمثل في رصد ومراقبة الاختلالات المتصلة بسياسات الإقتصاد الكلي العالمية (Déséquilibres macro-économiques mondiaux) وهو الدور الذي سيتشاطره مع مجلس الإستقرار المالي CSF ، وبمساندة أكثر فعالية للبلدان الأكثر فقرا. كذلك سوف يتوفر على آلية للإنذار المبكر بشأن الأزمات. حاليا كانت تدخلاته متأخرة جدا لا سيما في الحالات الميؤوس منها مثلما كان الشأن مع إسلاندة، المجر وأوكرانيا. أما بخصوص إصلاح حقوق التصويت، فقد التزمت المجموعة بالإسراع في النقاشات للوصول إلى اتفاق بهذا الشأن يعكس بشكل أفضل تطور القوى الإقتصادية الصاعدة وذلك في أجل أقصاه ربيع 2011…

– منتدى الإستقرار المالي (FSF) ، وهذا كان قد تأسس سنة 1999 على إثر الأزمة الآسيوية 1997-1998 بمبادرة من من وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع، وتقتصر العضوية فيه على دول هذه المجموعة. من مهامه: صيانة الإستقرار المالي العالمي، تحسين أداء الأسواق المالية وتقليص الأخطار المنظومية (systèmique) بالإشعار المبكر حول الممارسات التي يراها تشكل خطرا على توازن النظام المالي العالمي. ونتيجة لإفتقاده الثقل اللازم، لم تجد تحذيراته بشأن الأزمة المالية الحالية آذانا صاغية، لذلك كان لا بد من إعادة هيكلة يتحول بموجبها المنتدى إلى مجلس للإستقرار المالي (CSF) ، يكون مفتوح العضوية هذه المرة لكل الدول الأعضاء في مجموعة العشرين زائد إسبانيا والمجلس الأوروبي ؛ بحيث يمكن القول بأنه بات لدينا بالفعل شرطي عالمي للأسواق والمؤسسات المالية…

– البنك العالمي ، وهو المدعو إلى جانب بنوك التنمية الأخرى إلى الترفيع في قدرته على الإقراض من 200 إلى 300 مليار دولار في الفترة من 2009 إلى 2011… وسيصار إلى الإنتهاء من عملية إصلاح حقوق التصويت فيه قبل ربيع 2010…

– المؤسسة الرابعة: منظمة التجارة العالمية التي يأمل أن تكون بالفعل شرطي العالم لحرية التجارة مع اختتام دورة الدوحة لحرية التجارة (انطلقت هذه الأخيرة في خضم هجمات الـ 11 من سبتمبر 2001، غير أنها اليوم معلقة) التي كان التزام المجموعة بشأن استكمالها قويا جدا، ولقد جرى بالفعل الإتفاق في اجتماع قمة الثمانية الأخير المنعقد بلاكويلا في يوليو الماضي على أن تستكمل سنة 2010 . التزام رأى فيه مراقبون عديدون إشارة جيدة من باراك أوباما، لا سيما بعد رفع إدارته شعار التحفيز “إشتر منتجات أمريكية” الذي نظر إليه على نطاق واسع بأنه خرق فاضح لأحكام هذه المنظمة…

حسنا ولكن المشكلة هي أنه مع ذلك، ليس هناك ما يضمن عدم تهميش هذه المؤسسات مرة أخرى ، لا سيما في ظل الإعتقاد الذي بات راسخا، باستمرار البيئة المالية – حجم المؤسسات العاملة في الأسواق المالية وهوية من ينظمها والأدوات التي يسمح لها بالمتاجره بها- على ما هي عليه تقريبا بعد نهاية الأزمة. ومن ثمة ، فإن العالم الذي يبدو اليوم “أقل ليبرالية”-بفعل هذه التدابير- لا يبدو مع ذلك في مأمن من تكرار أزمة عالمية من النوع. يقول عضو مجلس الشيوخ من الحزب الديمقراطي “برنارد ساندرز” “ما لم يتم تفكيك مؤسسات مالية ضخمة مثل “سيتي غروب” و” أيه آي جي” اللتين تستفيدان من ثغرات قانونية عديدة تسمح بإخفاء معاملات في المشتقات المالية بقيمة تريليونات الدولارات وتجنب الإلتزام بالقوانين ، فسيتوجب إنقاذها من جديد يوما ما”. في الواقع ، الإشارات الواردة من الولايات المتحدة، تقلل إلى حد كبير من أهمية تلك التدابير. البداية كانت مع تشكيل الفريق الإقتصادي لباراك أوباما ؛ فالمسؤولون الذين عينهم هذا الأخير من أمثال لاري سامرز كبير مستشاريه الإقتصاديين ضمن “مجلس الإقتصاد القومي” (National Economic Council)- وهو المجلس الإستشاري للرئيس في الشؤون الإقتصادية ويعمل مثل مكتب الأمن القومي في البيت الأبيض- ، وتيم غايتنر وزير خزانته وبيتر أورسزاك مدير الميزانية ومرشحوه لتولي مناصب هم في الأصل نتاج النظام الذي أدى بالعالم إلى هذه الأزمة. ذلك أنهم -بتوجيه من معلمهم مايكل روبين- إنما كانوا وراء كل القوانين التي أقرت في عهد كلينتون وأدت إلى إزالة القيود القانونية المفروضة على القطاع المالي (Dérégulation) ، بما فيها قانون تحديث المتاجرة بالعقود الآجلة المتعلقة بالسلع الأساسية الذي اعتمد عام 2000 وأعفى مقايضة القروض غير المسددة من الظوابط التنظيمية . يذكر أن روبين الذي أدار أول وزارة خزانة في عهد كلينتون هو مؤسس مدرسة “روبينوميكس” أو (اقتصاد روبين) التي هيمنت على التفكير الإقتصادي في الحزب الديمقراطي مع صعود كلينتون والتي مهدت لبروز أحد تيارات الليبرالية الجديدة آنذاك ، أو ما بات يعرف منذئذ “بأصوليي السوق الحرة” . هذا التشكيل لفريق ذي ماض نيوليبرالي فسر في البداية بأنه لم يكن أكثر من رسالة تطمين إلى وول ستريت المذعورة من اعتزام أوباما تطبيق سياسات يسارية ترتكز على الإنفاق بمعزل عن مؤشر العجز في الميزانية ؛ “فوجود نفس الأشخاص من إدارة كلينتون في الإدارة الجديدة لا يعني بالضرورة استنساخ سياسات عهد كلينتون” على رأي الباحث طارق الكحلاوي (القدس العربي 03-12-2008) ، فها هو سامرز مثلا “يقر” بأن وجهات نظره حول الأمور التنظيمية قد تغيرت منذ تسعينات القرن الماضي. وبحسب مايكل بار مساعد وزير الخزانة المختص بالمسائل التنظيمية فإنه ” ما من أحد كان مقداما بقدر تيم غايتنر ولاري سامرز في هذه المسألة . فمنذ البداية ، كانا حازمين بشأن الحاجة إلى إصلاحات جذرية في النظام”. غير أنه مع ذلك ، يسود انطباع قوي الآن بأنهم سيقومون بإصلاحات ، لكنهم في النهاية سيدعون الأمور كما هي في وول ستريت عموما.

في مايو/أيار الماضي، أقر ترشيح “غاري غينسلر” وهو مدير سابق في شركة غولدمان ساكس لترؤس لجنة مراقبة المتاجرة بالعقود الآجلة المتعلقة بالسلع الأساسية وذلك بعد نزاع طويل حول ترشيحه (خيار الرئيس أوباما) بسبب مواقفه “السابقة” المؤيدة لإعفاء قطاع المشتقات المالية غير المنظمة من القيود. ولجنة المراقبة هذه كانت الهيئة التنظيمية الأساسية التي عملت جاهدة عام 1998 بلا جدوى لكبح المتاجرة بالمشتقات المالية عندما كان بروكسلي بورن رئيسا لها.

لقد تم إحباط جهود بورن من قبل الإدارة الديمقراطية في عهد كلينتون التي تضمنت غينسلر، الذي كان قد عارض تنظيم مقايضة القروض غير المسددة بصفته نائبا لوزير الخزانة. وهذه الأدوات المالية هي التي دفعت لاحقا شركة أيه-آي-جي- ومعظم النظام المالي – إلى شفير الهاوية (نيوزويك: 23 يونيو 2009).

على أي حال، يصر غينسلر الآن على أنه وإدارة أوباما عازمان على المضي قدما في كبح جماح القطاع المالي بشكل نهائي ، وهذا “تحول في الأفكار” لولا أنه أعرب عن “تذمره” بشأن مدى صعوبة إقرار القوانين الجديدة في مواجهة وول ستريت الآخذة في التعافي مع أنه لم يمض على تعيينه في هذا المنصب أكثر من شهرين… في الواقع لا تزال كثير من المسائل معلقة كما يقول نقاد كثيرون داخل الولايات المتحدة. الآن وقد بدأت الأسواق المالية باستعادة استقرارها وتعهدت الشركات الكبرى في وول ستريت بإعادة تسديد المليارات التي حصلت عليها في خطة الإنقاذ ، فهي تقف في وجه أي تغيير جذري (أعلنت نيوزويك ، أن مجموعة من البنوك الكبيرة بما فيها سيتي غروب وجيه بيه مورغان وغولدمان ساكس، شكلت أواسط يونيو الماضي مجموعة ضغط جديدة لمعارضة فرض قيود على المشتقات الماليةغير المنظمة)… لقد باتت قطاعات عريضة اليوم داخل أواسط اليسار الأمريكي أكثر اقتناعا من أي وقت مضى باستحالة أن ينجح هكذا فريق في فرض الإصلاحات الصارمة التي تعتقد أن وول ستريب بحاجة إليها. تتساءل ماريا كنتويل ( عضو مجلس الشيوخ المؤيدة بشدة فرض إصلاحات جذرية على النظام) بنبرة تنم عن إحباط:” هل إظن أنهم- أي فريق أوباما- أصبحوا مؤمنين حقا بوجهة نظرنا ؟ لا، لا أظن ذلك”…



نهاية السر البنكي ؟

أما القول بأننا بتنا على أعتاب عالم أقل أنغلوساكسونية، فتدحظه وقائع القمة ذاتها التي كرست على العكس من ذلك هيمنة أنغلوساكسونية شاملة على النظام المالي العالمي؛ فتحت ذريعة العمل على تفعيل مبدأ سيادة القانون والنهوض بمصداقية الأسواق المالية المنهارة بفعل ما كشفت عنه الأزمة من أنشطة تحايلية واسعة النطاق، شنت الولايات المتحدة حملة غير مسبوقة على ما يسمى بالملاذات الضريبية، كان من نتائجها المعلنة “إلغاء السر البنكي” الذي “بات عهده وراء ظهورنا” بحسب تأكيدات قمة لندن. والملاذ الضريبي -للتذكير- يعرف بأنه كل بلد أو كل إقليم تابع لبلد ما تنطبق عليه مجتمعة معايير منظمة التعاون والتنميةالإقتصادية الأربعة التالية:

– ضعف الضرائب أو عدم وجودها على الإطلاق،

– غياب الشفافية حول النظام الجبائي،

– غياب تبادل المعلومات الجبائية مع البلدان الأخرى،

– استقطاب شركات إسمية ذات نشاطات وهمية.

وبحسب منظمة الشفافية العالمية ، فإن عدد الملاذات الضريبية في العالم بلغ عشية اندلاع الأزمة المالية خمسين منطقة ، تحولت إلى حاضنات لنحو عشرة تريليونات دولار من الأموال أي ما يعادل أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا وفيها أكثر من 400 مؤسسة مصرفية ونحو ثلثي صناديق الإستثمار وحوالي مليوني شركة في العالم. إن هذا الإسترسال مقصود لتبيان الرهان الذي تنعقد حوله حملة الولايات المتحدة غير المسبوقة على الملاذات الضريبية. غير أن ما حدث بالفعل لم يكن بهذا التعميم المضلل الذي حاولت القمة إيهامنا به ، فإسرائيل -مثلا- المعروفة بكونها أحد المراكز في تبييض الأموال، لم تظهر على أي قائمة من القائمات الصادرة من منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية (OCDE) حول الملاذات الضريبية؛ لا القائمة السوداء التي تضمنت في البداية دولا أربع غير ذات قيمة في ميزان القوى الدولي مثل كوستاريكا وغواتيمالا قبل أن تغدو فارغة بعد أن تعهدت بالتقيد بمعايير المنظمة المتصلة بالتعاون الجبائي، ولا القائمة الرمادية التي كرست للبلدان المتعهدة بالتعاون مثل سويسرا، بلجيكا ولوكسومبورغ، ولا القائمة البيضاء حتى التي تضمنت البلدان المتعاونة فعلا في هذا المجال مثل الولايات المتحدة ، الصين ، فرنسا ، روسيا إلخ … مما يؤكد مرة أخرى على وضع إسرائيل كدولة فوق القانون وخارج الإتفاقات الدولية. كذلك الصين -مثلا آخر- التي على الرغم من ظهورها على القائمة البيضاء ، إلا أنها عمليا تمكنت من حماية ملاذاتها الضريبية : ماكاوو، هونغ كونغ وسنغافورة، ولعلنا نذكر الخلاف الصيني الفرنسي حول هذه القضية والذي روج إعلاميا بأنه نتيجة إصرار فرنسي على تنشر قائمة بالملاذات فورا، فيما تحفظت الصين على ذلك مشككة في شرعية هكذا قائمة تصدر من منظمة تتشكل أساسا من دول غربية، وذلك قبل أن يتدخل أوباما لتسوية الخلاف في الكواليس ، بحيث تظهر الصين إسميا على القائمة البيضاء(راجع : Jean Claude Paye: Le G20; Une hiérarchisation des marchés financiers: http://www.voltairenet.org/article159641).

ومع ذلك فالسؤال الذي يفرض نفسه هو لمصلحة من هذه الحملة ، ومن هو المستهدف الحقيقي منها ؟ قطعا لمصلحة الولايات المتحدة التي تستهدف في الواقع تحويل الأموال التي تحتضنها هذه الملاذات إلى ملاذاتها الأكثر أمانا مستفيدة في ذلك من تلك البنى الأنغلوساكسونية القانونية أو -بمعنى أدق- الشرعية في تبييض الأموال المسماة “ترست” (Les Trusts) وهذه عبارة عن “مؤسسات” مالية تستحدث لفائدة أصحاب ثروات حسب الطلب بفضل تقنيات قانونية في الهندسة الجبائية ، بحيث لا يظهرون في أعين الرقيب الجبائي (Fisc) كمالكين لهذه الثروات، أو بتعبير آخر “مؤسسات” مالية تستحدث بفضل تقنيات جبائية لا تستوجب السر البنكي ليكون صاحب ثروة ما في مأمن من الرقيب الجبائي، بحيث يستحيل على الهيئات الجبائية المختصة -في سياق بحث محدد- أن تحصل من البنوك الأنغلوساكسونية التي تتضمن حسابات تلك “المؤسسات” على أي معلومة تخص أصحاب الثروات الحقيقيين ؛ ذلك لأن تلك البنوك لا تتوفر ببساطة على أي معلومة بهذا الصدد وهكذا ، فالتهرب الضريبي آخذ في التحول تدريجيا نحو هذه البنى الشرعية التي غدت البديل الأكثر فاعلية من السر البنكي…

إن جزر جرسي وغرنيزي التابعتين للمملكة المتحدة منطقتان مختصتان في تكوين الـ”ترست” ، كذلك الشأن بالنسبة لديلاور (Delaware) والكاراييب التي تستقطب الأموال “المشبوهة” المتأتية من الولايات المتحدة ، أيضا ميامي التي تستقبل في الولايات المتحدة الأموال الأمريكية-اللاتينية المهربة، وسينغافورة أخيرا التي تعالج مع ذلك ثروات آسياوية وأوروبية بذات الطريقة. وهكذا ، فإن نتائج قمة العشرين ترجمت بأمانة علاقات القوة الجديدة على المستوى الدولي؛ فالولايات المتحدة كشفت عن قدرتها على إعادة تنظيم النظام المالي لمصلحتها والصين توصلت إلى حماية ملاذاتها الضريبية فيما أظهر الإتحاد الأوروبي (فرنسا وألمانيا تحديدا) حماسة في دعم المصالح الأنغلوساكسونية.

لقد شكلت سويسرا ، وهي أحد المراكز المالية الكبرى في العالم، الهدف الأهم لقمة العشرين؛ فهي تمسك بما نسبته 27% من سوق الإدخار العالمي المدار خارج بلد الإقامة. وهذا رهان على قدر كبير من الأهمية. في الواقع ، اتضحت الأمور منذ عملية الـ(يو. بي. أس) ، حين شنت الإدارة الأمريكية هجوما عنيفا على هذا البنك السويسري ( إتحاد البنوك السويسرية ) بذريعة مقاومة التهرب الضريبي من أراضيها، أجبره على تجاوز نظام السرية المصرفية السويسرية وتقديم معلومات بشأن مئات العملاء الأمريكيين لديه، مما سمح للقضاء الأمريكي في منتصف آب / أغسطس الماضي بتوجيه اتهام لنحو 150 عميلا (من أصل نحو 5000 عميل يشتبه في أنهم أخفوا حسابات مصرفية في هذا البنك ) كان على رأسهم “جان مكارتي” من كاليفورنيا الذي وجهت إليه تهمة إخفاء حساب مصرفي سري حول إليه مبلغا قدره مليون دولار… وهكذا فعلى إثر تعرضها للتهديد بإدراجها ضمن القائمة السوداء ، ستضطر سويسرا إلى فتح ثغرة في “سرها البنكي” والتنازل أخيرا عن التمييز الذي أقامته بين الغش (Fraude) والتهرب الضريبي. وهو ما يعني في النهاية ترك المجال فسيحا لمنافسيها الرئيسيين ببديلهم الأكثر فاعلية وأمانا، الهندسة الجبائية “للترست” ( L’ingénierie fiscale des trusts) : المملكة المتحدة وجزرها الأنغلونورماندية التي تدير 24% من سوق الإدخار العالمي خارج بلد الإقامة ونيويورك ، ميامي، الكاراييب، بنما التي تمسك ب 19% من هذه الأموال.

نهاية الدولار ؟

تقول مارتين بولار: إنه فيما لو قدر للأزمة الحالية أن تعصف بالنظام المالي الأمريكي وتقوض قيمة الدولار، فإن الإحتياطي الصيني كان سيؤول لا محالة إلى الدمار، وفي هذا سبب آخر أدعى للصين للتعاون وعدم تجاهل الجولات التالية من سندات الخزانة أو تخفيض احتياطاتها من الدولار على نحو ملموس. إن تهاوي قيمة الدولار على أي نحو كان من شأنه رفع قيمة اليوان الصيني وخفض قيمة الإحتياطي الصيني من الدولار. وإن حدث ذلك فستكون الصين قد أمضت عقودا لجمع احتياط آل في نهاية المطاف إلى أوراق لا قيمة لها. ومن ثم، فلم يكن من الممكن لأي طرف أن يقدم على خطوة غير محسوبة. ما كان للصين أن تقف موقف المتفرج على ما سيؤول إليه مصير الولايات المتحدة، التي ما كان لها فعل المزيد دون تمويل صيني. وستستمر الصين حتما خلال ما تبقى من المدة المتوقعة للركود في تمويل الولايات المتحدة ، حتى وإن لجأت هذه الأخيرة إلى طبع المزيد من الدولارات الخالية من القيمة؛ ذلك لأنه في الشراء الذي تكمن فيه حماية الدولار تكمن حماية الإحتياطات المدخرة بالدولار… ويشمل هذا الإعتماد المتبادل اليابان أيضا التي تحل في المرتبة الثانية بعد الصين من حيث احتياطي الدولار، كما يشمل روسيا التي تحل في المرتبة الثالثة. وكما تقول “بولار” هذه هي التركة التي خلفها الدور الخاص الذي لعبه الدولار في التجارة الدولية منذ العام 1945. ولعله من المفيد لفهم سر هذه الإعتمادية المتبادلة التذكير -ولو بإيجاز- بأهم ملامح هذا الدور من النشأة إلى اليوم.

إن من بين نتائج الحرب العالمية الثانية خروج الولايات المتحدة كأعتى قوة على وجه الأرض، فيما أثقلت الديون حينها بريطانيا وفرنسا اللتين خرجتا من الحرب منهوكتي القوى والحضور فضلا عن الإتحاد السوفيتي الذي خرج منها نازفا حتى الخراب. ثم أخذت الهيمنة الأمريكية صورتها الرسمية بتدشين ما عرف باسم “اتفاقات بريتون وودز” التي سميت على إسم بلدة في نيوهامبشير بالولايات المتحدة، حيث وضعت القواعد المالية الجديدة في تموز/يوليو 1944 ، وهي القواعد التي رسخت الدور الرئيسي للدولار كبديل للجنيه الأسترليني، وتمخض عنها إنشاء مؤسستين جديدتين أصبحتا بمثابة القبضتين اللتين تحكم بهما واشنطن شؤون العالم: البنك الدولي للإعمار والتنمية (الذي انضوى لاحقا تحت جناح البنك الدولي)، وصندوق النقد الدولي. وكان من أبرز المشاركين في بريتون وودز عالم الإقتصاد الشهير “جون ماينرد كينز” الذي حارب بكل قوة ضد هيمنة الدولار، مقترحا نظاما ماليا يعتمد على وحدة حسابية تكون عملة دولية جديدة تحمل إسم “بانكور” (تنقل بولار عن سوزان جورج أن كينز، كان قد اقترح نظاما عالميا شاملا توجهه منظمة التجارة العالمية ويدعمها بنك مركزي يحمل إسم “إتحاد المقاصة الدولي”)، لكن ميزان القوى حينها كان في غير مصلحته، ففاز الدولار. غير أن الحدث الذي سيعمل على ترسيخ قوة الدولار ويجعله لاحقا عملة العملات كان هو تمويل مشروع “مارشال” لإعادة إعمار أوروبا الذي أعلن عنه يوم 05 يونيو / حزيران 1947 باعتماد قدره 17 مليار دولار أمريكي. وتتمثل الفكرة في تقديم ديون من الولايات المتحدة إلى دول أوروبا الغربية بالدولار مقابل الحصول التدريجي على الذهب الذي كان متوفرا لدى البنوك المركزية الأوروبية و”نتيجة لإدعاء الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أن كل دولار هو مغطى بشكل كامل بالذهب، شعرت أوروبا بالثقة بهذه العملة وجعلت منها عملة لاحتياطاتها وأصبح الدولار بشكل أو بآخر غطاء ورصيدا للعديد من العملات الأوروبية التي خسرت الكثير من احتياطاتها الذهبية لسداد بعض الديون التي ترتبت عن مشروع مارشال. وهكذا ، ظن العالم أن الدولار عملة تستحق أن تكون عملة العصر في تلك الفترة إذ كانت مغطاة بشكل كامل بالذهب بسعر 35 دولار لكل أونصة وهي عملة المقاصة بين العملات جميعا، وهناك قبول عليه دوليا كونه هو نفسه غطاء لكثير من العملات” (غسان إبراهيم: الدولار يلفظ أنفاسه الأخيرة..)… ولكن لما تعقد الموقف تعقيدا شديدا، لا سيما بعدما اكتشف العالم، أن كمية الدولارات التي كانت تطبعها الولايات المتحدة لم تكن قيمتها تساوي قياسها بالذهب ، لجأت الولايات المتحدة بشكل أحادي إلى تغيير القواعد المعمول بها. ومن ذلك ما أعلنه وزير الخزانة “جون كونالي” على مسامع نظرائه الأوروبيين عام 1971: “الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم”. ولما كان 15 آب/أغسطس 1971، أنهى الرئيس الأمريكي حينها ريتشارد نيكسون تحويل الدولار الأمريكي مباشرة إلى ذهب اتكالا على أن قيمته باتت محددة بقوة الإقتصاد الأمريكي نفسه. ومن ثم أصبح الدولار مجرد ورقة متقلبة حسب تقلبات الأسواق ورغبة السياسة الأمريكية ، وهو ما عزز مفهوم “المزية المفرطة” للدولار التي لقيت الرفض من قبل ديغول. ولقد كان من نتائج ذلك الفصل، إنتشار هائل لطيف من أدوات الإئتمان في عملة باتت بلا أساس. وكان المثال الأبرز على ذلك هو نمو سوق المشتقات المالية غير الخاضعة للضوابط، التي انتفخت لتبلغ 600 ألف مليار دولار، أي ما يعادل 100 ألف دولار لكل شخص على وجه البسيطة. (ريتشاردنكان: أعيدوا الربط بين الذهب والدولار)… بيد أن نظام الدولار -كما تؤكد بولار- ما زال يحكم قبضته على العالم، إذ يمكن للولايات المتحدة زيادة الديون وانتظار تسويتها من جانب “شركائها” . كما يمكن لها اجتذاب الإستثمارات الأجنبية (للصناعة أو البحوث أو شراء الشركات في الداخل ) وتصديرها في الوقت ذاته (لتسهيل إنشاء الشركات المتعددة الجنسيات في الخارج). لقد كانت الولايات المتحدة عام 2007 المستفيد الأول من الإستثمار الأجنبي المباشر على مستوى العالم (يذكر أن دول الخليج العربي مثلا تستثمر في الولايات المتحدة بنسبة تعادل 70% من إجمالي إستثماراتها الإجمالية)، كما كانت المستثمر الأول أيضا في الخارج. وهي بذلك تتمتع بقوة لا تضاهى في اختيار جيوبولوتيكي لرأس المال كما تؤكد “بولار” أيضا… ومع أن قيمة الدولار في احتياطات العملات العالمية قد انخفضت بمقدار 10 نقاط تقريبا في أقل من عشرة أعوام، بحيث باتت تشكل في منتصف عام 2008 ، 62,4% من العملات التي تحتفظ بها البنوك المركزية مقارنة بـ 71,2% في نهاية عام 2000، إلا أنه ، لا اليان الذي تدهور هو الآخر من 6,1% إلى 3,4% ولا اليورو الذي على الرغم من ارتفاعه خلال الفترة ذاتها من 18,3% إلى 27% بلغ أي منهما مبلغا يؤهله ليحل محل الدولار. ولعلنا نخص بالتحديد اليورو الذي حذت منطقته حذو الولايات المتحدة في تحرير الأسواق والتعاملات المالية والتي هي اليوم جراء- تداعيات الأزمة المالية والإقتصادية- في موقف لا يؤهلها إطلاقا لقبول هكذا تحدي… سيستمر الدولار مع ذلك عملة الإحتياط العالمي لعقدين قادمين في الأقل وهذا بإجماع الخبراء والمختصين. وستستمر دول من أمثال الصين التي دعت مؤخرا إلى الشيء ونقيضه حين دعت إلى استبداله بعملة احتياط جديدة يديرها صندوق النقد الدولي (الذي يخضع لسيطرة الولايات المتحدة !!) ، ستستمر في الإستثمار فيه سواء من خلال الإستمرار في شراء الديون الأمريكية القصيرة الأمد وهذا ما تقوم به البنوك الصينية الآن أو من خلال الإستمرار في شراء سندات الخزينة التي تستحق على مدى أبعد.

يقول الخبير الصيني البارز “سونغ هونغبنغ”:”لقد قررت الصين مع ذلك البقاء في تيتنيك الدولار”. وفي تصريح أدلى به يوم 16 يونيو الماضي أكد مساعد الرئيس الروسي للشؤون الإقتصادية أركادي دفوركوفيتش على أنه ليس من مصلحة روسيا انهيار الدولار،”لا يوجد من يود انهيار الدولار ، ولا يوجد من يسعى إلى هذا بما في ذلك روسيا”… ما من سبيل -تقول بولار- إلى الإطاحة بنظام الدولار أو تهيئة الأجواء لمعاملة جميع المشتركين فيه على قدم المساواة إلا بالجمع بين القوة الإقتصادية الواعية ورؤية سياسية جذابة وجديدة. وهذا ما لا تمتلكه على نحو مطلق الصين ولا روسيا أيضا.

______

كاتب وباحث تونسيّ

· موقع “كنعان”