الرئيسية » مقالات » التعلم- العمل أو العلاقة بين النظر و العمل

التعلم- العمل أو العلاقة بين النظر و العمل

1) كثيرا ما يشكو المسؤولون المغاربة من عدم تناسب مؤهلات الخريجين من المدارس و الجامعات مع متطلبات سوق العمل، و كأن هؤلاء المسؤولين عن الشأن العام و الخاص في المجتمع المغربي لم يخططوا لهذا التعليم، و لم يضعوا برامج دراسية تنسجم مع أهوائهم، و كأنهم لم يعدوا الأطر اللازمة، و كأنهم و هم يضعون برامج دراسية للمستويات التعليمية المختلفة غير معنيين بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية.

إن ادعاء عدم تناسب المؤهلات مع سوق العمل جاء في شروط معينة تتجسد في انصياع المغرب لتعليمات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية الأخرى، و في التوجه نحو خوصصة القطاع العام و بيعه للبورجوازية المغربية، و للشركات العابرة للقارات، و في سعي الدولة المغربية إلى التخفيف من نفقاتها بالتخلص من العديد من موظفيها، و التحلل من التزاماتها تجاه المواطنين. و لأن مفهوم البورجوازية المغربية الهجينة و المتخلفة للتنمية يتلخص في إحداث تراكم رأسمالي كبير لديها. لا نتيجة للقيام باستثمارات ناجحة، بل كنتيجة لاستفادة هذه البورجوازية من موارد أخرى غير شرعية، بما فيها التهريب و الاتجار في المخدرات، و الارتشاء، و سيادة نظام الامتيازات الذي يعم جميع مجالات الحياة. و حتى تجد هذه البورجوازية مبررا لعدم لجوئها إلى توظيف ثرواتها الهائلة في المشاريع المنتجة، و المشغلة للمغاربة، فإنها تتذرع بعدم وجود تناسب بين المؤهلات الصادرة عن المدارس و المعاهد و الجامعات المغربية، و بين متطلبات سوق العمل. حتى لا تلتزم بتشغيل العاطلين و المعطلين. و الذي نعرفه أن الدولة تخطط و تنفذ لصالح البورجوازية، و أن هذه البورجوازية أثرت بدون حدود على حساب مصلحة الشعب المغربي، و بطرق غير شرعية. و نظرا لأصولها الإقطاعية و غير الطبيعية، فإن هذه البورجوازية لا يمكن أن تتوفر على عقلية التنمية بمفهومها الشامل، و لا يمكن أن ترتبط بوطنها، و بالشعب الذي تنتمي إليه. و لذلك نجد أنها تتسم بسمتين أساسيتين : السمة الأولى أنها تحصل على ثرواتها بطرق غير مشروعة، لو أخضعناها للتشريح، سنجد أن هذه الطبقة قد تكون أتت من ارتكاب جرائم لا تحصى ضد الإنسانية. و السمة الثانية أن هذه البورجوازية تتسم بقلة تكلفة إنتاجها، و بالربح الكبير الذي تحصل عليه منها، و بارتباطها بالشركات العابرة للقارات. و لذلك فإن عدم ربط التعلم بالعمل يأتي في إطار السياسة الرأسمالية التبعية التي تنهجها الطبقة الحاكمة في بلادنا.

2) فلماذا نجد في تعليمنا أن التعليم النظري هو الذي يغلب، و هو الذي يطبع السياسة التعليمية في بلادنا ؟

إن الطبقة الحاكمة عندما ترسم السياسة التعليمية، فإنها تعلم جيدا أنها ليست في مستوى القيام بالتنمية الحقيقية اللازمة لمتطلبات سوق العمل، أو أنها لا تملك الخبرة اللازمة لذلك بسبب أصولها الإقطاعية و الامتيازية، و غير الشرعية. و لذلك فهي لا تستطيع وضع برنامج تعليمي دقيق، يستهدف قيام تعليم وطني و شعبي مرتبط بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية، أي تعليم يستجيب لمتطلبات سوق العمل المحكوم بالتنمية الشاملة في مختلف المجالات، و على جميع المستويات حتى يكون التعليم فعلا في خدمة التنمية، و حتى تكون التنمية في خدمة الشعب، و حتى يعمل الشعب من خلال مؤسساته على تطوير التعليم الذي يصير في خدمة تطوير الإنتاج. و بما أن هذا التصور غير وارد في ممارسة البورجوازية التابعة، فإنها و منذ البداية تترك أمر التعليم بيد أناس لا علاقة لهم بالتنمية بقدر ما لهم علاقة بالجانب الأمني الذي يجب أن يتحقق بواسطة التعليم الذي يهتم بحشو الأذهان، قبل إعدادها لاكتساب المهارات المختلفة، و المتعددة، و التي تؤهلها للعب دور معين في عملية التنمية، و لخدمة التوجه الأمني للتعليم، فإن البرامج الدراسية يغلب عليها النظري لدرجة أننا نجد موادا معينة في شعب معينة لا ضرورة لسماعها، و لا داعي لدراستها، لأن هدفها محدد في شغل أوقات التلاميذ عن طريق الشحن و الإلزام بالدراسة حتى لا تؤثر على مستوى النتائج. و هو ما يعني التدخل في تحديد شخصية الإنسان، و كيف تصير تلك الشخصية التي لا حضور لرأيها هي في كيف يجب أن تكون، و حتى في اعتماد ما صار يعرف عندنا في المغرب ب”ميثاق التربية و التكوين” فإننا نجد أن هذا “الميثاق” صار على نفس المنوال، و أكثر من هذا، فإنه صار ينتج المزيد من تدني المستوى التعليمي. أما المستوى التربوي أو المستوى التكويني، فإننا نجد أنه لا وجود لهما أبدا، و إلا فكيف تكون هذه التربية التي يتحول فيها المدرس إلى مجرد حارس، بدل أن يصير مربيا، و معلما، و مكونا بسبب الاكتظاظ المهول في الحجر الدراسية في المدن كما في القرى، و في جميع المستويات الدراسية من الابتدائي إلى الإعدادي إلى الثانوي إلى الجامعي… و هكذا.

3) فهاجس الاكتظاظ ليس ناتجا عن الرغبة في استفادة أبناء المغاربة من الحصول على المقاعد الدراسية، لأن المسؤولين عن أجرأة ميثاق التربية و التكوين، يعلمون جيدا أن الاكتظاظ لا يخدم أبدا العملية التربوية، كما أنه لا يخدم التكوين، و لكنهم يعلمون أيضا أن ما يقدمون على تقريره إنما هو إجراء أمني.

و لذلك نجد أن الشروط القائمة في إجراء العملية التربوية التكوينية تفرض سيادة التعليم النظري و غلبته حتى في الشعب العلمية للاعتبارات الآتية :

الاعتبار الأول : لأن البرامج الموضوعة يغلب فيها الجانب النظري، فالتلميذ في التعليم الثانوي التأهيلي في المغرب يشمل مواد نظرية ( اللغات + الأدب + الاجتماعيات + التربية الإسلامية + الفلسفة) في مقابل (الرياضيات + العلوم الطبيعية + الفيزياء).

و الاعتبار الثاني : أن المواد ذات الطبيعة العلمية لا تتوفر لها الوسائل الضرورية من اجل استيعابها.

و الاعتبار الثالث : أن الاكتظاظ المفرط في الفصول الدراسية يؤدي إلى جعل المدرسين يعتمدون تحويل المواد العلمية إلى مواد نظرية. مما يجعل التلاميذ لا يستطيعون استيعابها.

و الاعتبار الرابع : تدني مستوى التلاميذ الذي لا يؤهلهم لاستيعاب الدرس مما يجعل المدرسين يعتمدون التدوين الحرفي للكلمات و الجمل دون فهم و استيعاب من قبل التلاميذ فيفتقد النظري إلى جانب افتقاد العملي.

و الاعتبار الخامس : هو أن بعض عديمي الضمير من المدرسين الذين أصيبوا بمرض التطلعات البورجوازية الصغرى يتلكأون في عملهم، و في نفس الوقت يستدرجون التلاميذ إلى قبول قيامهم بأداء الحصص المضافة المؤدى عنها. مما يجعل التلاميذ، و الآباء مجرد وسيلة لتحقيق التطلعات الطبقية البورجوازية الصغرى.

و بهذه الاعتبارات الحاضرة في الممارسة التعليمية اليومية يصير الجانب النظري طاغيا، فتغيب التربية و يغيب التكوين، و ينعدم إمكان تحقيق أهداف “الميثاق الوطني للتربية و التكوين” لتثبت بذلك مسؤولية الطبقة الحاكمة عن عدم استجابة التعليم ببلادنا لمتطلبات الشغل الذي تحدد طبيعته الطبقة الحاكمة نفسها التي تفتقد القدرات اللازمة التي تؤهلها لإيجاد شغل يتناسب مع المؤهلات التي يحملها الخريجون من المدارس و المعاهد و الجامعات. و كما قلنا سابقا، فإن ادعاء عدم التناسب ليس إلا ذريعة للتهرب من تشغيل العاطلين حتى تبقى الطبقة الحاكمة متملصة من التزاماتها تجاه الشعب المغربي.

4) فمن يقف وراء غلبة النظر و عدم اكتساب المؤهلات المتناسبة مع سوق الشغل الذي تتحكم فيه الطبقة الحاكمة ؟

إن الذي لا تريد الطبقة الحاكمة أن تفهمه، و لا تسعى إلى فهمه أبدا، أو أنها تتجاهله هو أن صياغة واقع المغرب هو نتيجة الاختيارات الرأسمالية التبعية التي تنهجها، و أنها هي المسؤولة عن تردي الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي، و أن جميع المحطات الانتخابية التي أنجزتها كانت، و بشهادة جميع الأحزاب المساهمة فيها و غير المساهمة، و المقاطعة مزورة. و أن الشعب المغربي لا رأي له فيما يتم تقريره و تنفيذه، و أنه هو الذي يتأذى من تلك السياسة التي تنهجها الطبقة الحاكمة، و أن جميع أبنائه يعانون من الفقر و الجهل و المرض. و أن هذه الآفات الفتاكة تهدف إلى تحقيق الأهداف الكبرى للطبقة الحاكمة التي يمكن اعتبار ما يترتب عن سياساتها جرائم ضد الإنسانية. و لذلك فغياب تناسب مؤهلات خريجي المدارس، و المعاهد و الكليات يعتبر من مسؤوليتها هي، و ليس من مسؤولية الشعب المغربي. و قد كان عليها، لو كانت صادقت فعلا، أن لا تمتثل لتعليمات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي و المؤسسات المالية الدولية، حتى تحافظ على إمكانية استفادة الشعب المغربي من الخدمات الاجتماعية المختلفة التي يفترض فيها أن تراعي الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية المتردية التي يعيشها أفراد الشعب، حتى يتأتى إيجاد تنمية اقتصادية و اجتماعية متناسبة مع مؤهلات الخريجين، على أن يتم إعادة النظر في العملية التربوية التكوينية بالتدريج من أجل أن يصير التعليم مستجيبا لمتطلبات التنمية كما هو مفترض. و لكن ما هي التنمية التي يستجيب التعليم لها ؟ إننا عندما نعتقد أن التنمية بمفهومها الحالي يمكن أن تقوم بدور معين، فإننا نجانب الصواب. لأن التنمية القائمة الآن هي تنمية غير ديمقراطية و غير شعبية تقودها طبقة طفيلية بورجوازية تابعة. و التنمية التي نختارها هي التنمية الديمقراطية و الشعبية المستجيبة لحاجيات الشعب المغربي في جميع المجالات و في جميع مناحي الحياة. لأن تنمية من هذا النوع هي التي يجب أن يستجيب لها التعليم في جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية، حتى يصير التعليم فعلا في خدمة التنمية التي يختارها الشعب، و ليست التنمية التي تختارها الطبقة الحاكمة.

ففي الاختيارات اللاديمقراطية و اللاشعبية، تكون الطبقة الحاكمة هي المسؤولة الفعلية عن اللاتناسب القائم بين التعليم و التنمية. لأن هذه الطبقة هي التي وقفت وراء أشكال التعليم التي صارت سائدة في الواقع المغربي. و لذلك فعلى هذه الطبقة أن تتحمل مسؤولية النتائج الكارثية التي وصل إليها الشعب المغربي.

و في الاختيارات الديمقراطية و الشعبية، في حال تحققها فإن الشعب المغربي هو الذي يتحمل مسؤولية اختياراته كيفما كانت تلك الاختيارات.

5 ) فما هي طبيعة التناقض القائم بين التعليم السائد في المغرب، و التنمية التي تنهجها الطبقة الحاكمة ؟ أو ما هو التناقض القائم بين النظر و العمل في السياسة التعليمية و في الاختيارات التنموية ؟

إن الطبقة الحاكمة في المغرب يمكن أن تتخذ قرارات جريئة بإعطاء الكلمة للشعب الذي يقرر مصيره بنفسه في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية والمدنية و السياسية ،





و في اختيار تنمية متناسبة مع واقع التعليم. ليصير التعليم في خدمة التنمية، و لتصير التنمية في خدمة التعليم، و في إطار قيام علاقة جدلية علمية بين النظر و العمل.

و نظرا لأن الطبقة الحاكمة لا تملك قرارها بنفسها، فإنها لا يمكن أن تكون ديمقراطية، و لا يمكن أن تعطي الكلمة للشعب، لتصير بذلك تابعة و مستبدة. و بالتالي، فإن الطبقة الحاكمة تبقى متمسكة بخطتها التعليمية، و بأشكالها المشوهة التي لا تضمن أبدا تكافؤ الفرص أمام الأجيال الصاعدة، و لا تتناسب أبدا مع الخطة التنموية التي تنهجها الطبقة الحاكمة.

و التناقض القائم بين الخطة المعتمدة في التعليم، و بين خطة الطبقة الحاكمة في التنمية يرجع إلى :

أ- أن التعليم المغربي يحاول أن يجمع بين “الأصالة” و “المعاصرة” أي انه يحاول أن يجمع بين الارتباط بالماضي “الديني” و الماضي السياسي لجعل المغاربة جميعا يقتنعون بشرعية حكم الطبقة الحاكمة، و الارتباط بالرأسمالية العالمية و بشروطها هي نظرا لاختلال التوازن لصالحها. و هذا ما يمكن أن نفسر به لماذا وجود “التعليم الأصيل” إلى جانب “التعليم العصري” إلى جانب وجود “التعليم العام” المفتوح أمام جميع أبناء الشعب المغربي و “التعليم الخاص” الذي لا يفتح إلا أمام أبناء الطبقات المستفيدة من الاستغلال المادي و المعنوي للشعب المغربي.

ب- كون التعليم في المدرسة العمومية، و في معظم شعبه لا يخدم إلا المصلحة الأمنية للطبقة الحاكمة. و مادام مفتوحا لجميع أبناء الشعب المغربي، فإنه يعاني من غياب الجودة و من غياب الاهتمام بوضعية العاملين فيه و خاصة من الذين يرتبون في السلاليم الدنيا. مما يجعل مردوديته ضعيفة ، و مما يحول معظم الذين يحرصون على امتلاك مؤهلات معينة يلجأون إلى تلقي الساعات المضافة من قبل عديمي الضمير من المدرسين الذين يغتنون على حساب ابتزاز الآباء. و بالتالي فإنهم يحصلون على أموال طائلة غير معروفة لدى مصلحة الضرائب. و لا تدخل في إطار الاقتصاد المهيكل، و ما سوى ذلك، فالذي يهم الطبقة الحاكمة هو أن يلعب التعليم العام دوره الأمني حتى لا يسيء إلى سياسة الطبقة الحاكمة.

ج- أن التنمية المعتمدة من قبل الطبقة الحاكمة ليست أساسية، مما يجعلها لا تخدم مصلحة الشعب المغربي بقدر ما تخدم مصلحة الطبقة الحاكمة، و لا تسعى إلى إحداث تراكم رأسمالي تبعي، يمكن الطبقة الحاكمة من خدمة مصالحها الطبقية، و خدمة مصالح الرأسمالية العالمية في نفس الوقت.

و تنمية هذه طبيعتها، و هذا هدفها، لا يمكن أن تكون شاملة و لا يمكن أن تستجيب لحاجيات الشعب المغربي، و لا يمكن أبدا أن تكون متناسبة مع التعليم و مع المدرسة المغربية، و مع خريجي المدارس و الجامعات.

و التعليم الذي يستجيب لهذا التوجه التنموي للطبقة الحاكمة هو التعليم الخاص الذي يشتغل على أساس حاجيات المؤسسات التنموية للطبقة الحاكمة.

د ـ أن الطبقة الحاكمة، لا يمكن أن تثور على نفسها، و لا يمكن أن تنهج سياسة تنموية تنسجم مع التوجه التعليمي الذي قررته هي، و أشرفت على تنفيذه هي. و لذلك فهي تتمسك بتبعيتها للنظام الرأسمالي العالمي، و تكرس استبدادها المنتج للفساد الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي.

و بهذه الممارسات يبقى التناقض قائما بين النظر و العمل في الواقع المغربي، و هو ما يعني أن حرص الطبقة الحاكمة على ربط العمل بالنظر أو العكس سيعمل على إغراق المغرب في التخلف الذي لا حدود له، و الذي لا ينتج إلا الأمراض الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية التي لا تستفيد منها إلا الطبقة الحاكمة التي تستغلها لتكريس استبدادها، و لتأبيد ذلك الاستبداد .

6) و إذا كان هذا نهج الطبقة الحاكمة في قيام التناقض السافر بين النظر و العمل . فما هي سبل التجاوز يمكن اعتمادها لإيجاد التناسب المناسب بين النظر و العمل في الواقع المغربي ؟

إن تجاوز التناقض بين النظر و العمل في الممارسة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية ليس رهينا بقرار فردي. هكذا، و الطبقة الحاكمة إن هي أرادت الإقدام على ذلك، فإنها لا تستطيع، لأنها هي نفسها رهينة بارتباطها بالرأسمالية العالمية. كما أنها رهينة بمصالح الطبقات المستفيدة من الاستغلال المادي و المعنوي. و لذلك نرى ضرورة اتضاح شروط اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و سياسية نقيضة للشروط القائمة حتى يمكن إنجاز خطة تعليمية و خطة تنموية متناسبتان، تكون فيهما التنمية في خدمة التعليم، و التعليم في خدمة التنمية حتى ينسجم النظر مع العمل، و يزول التناقض القائم بينهما.

و لإنضاج الشروط الموضوعية النقيضة للشروط القائمة نرى ضرورة :

أ- إعادة النظر في البرامج الدراسية التي تقتضي تنقيحها من الفقرات التي تهدف إلى بناء أجيال مضللة بأدلجة الدين الإسلامي التي تقتضي انجرار تلك الأجيال وراء مؤدلجي الدين الإسلامي باسم إحياء التراث. و من الفقرات التي تجعل الأجيال مستلبة بالحداثة الغربية في المجالات الاجتماعية و الثقافية و السياسية، دون تمييز بين ما يتناسب مع الخصوصية المغربية و ما لا يتناسب معها، سواء تعلق الأمر بالتراث أو بالوافدين من الغرب، مع إغفال الجوانب التقدمية و الديمقراطية و المعرفية الحادة، و المفيدة للشعب المغربي و التي يزخر بها الوافد من الغرب، و مراجعة البرامج الدراسية يجب أن تستهدف ما يتناسب مع خصوصية المجتمع المغربي من جهة، و ما يفيد الشعب المغربي في مختلف المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية، حتى يلتقى النظر بالعمل التقاء أبديا، و يأخذ الشعب المغربي طريقه إلى التطور الإيجابي الشامل.

ب- التركيز في العملية التربوية التكوينية على تنمية المواهب و القدرات في مختلف المجالات التي تقتضيها التنمية. لأن التعليم الذي يغفل الجانب التربوي الهادف إلى تقويم الشخصيات و تربية المهارات و اكتساب القدرات المختلفة، هو تعليم مختلف عندنا في المغرب و في مستوياته المختلفة. لذلك فإن البرامج المعدة لمختلف المستويات، و إعداد المدرسين، و تحديد الحصص، و عدد التلاميذ في الفصول الدراسية، يجب أن يستهدف بالدرجة الأولى تنمية المواهب و القدرات المتناسبة مع متطلبات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية حتى يدخل المغاربة التاريخ من بابه الواسع بجعل التربية و التكوين في خدمة التنمية، و ليصير المغرب فعلا دولة متقدمة اقتصاديا، و اجتماعيا و ثقافيا و سياسيا، لأنه حينها ستوجد أجيال بعقلية جديدة، و ممارسة جديدة لا تقبل بغير الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، و دولة الحق و القانون.

ج- ربط النظر بالعمل في الممارسة المغربية، لأن تربية المغاربة على ممارسة النفاق الاجتماعي يؤدي إلى قيام التناقض بين النظر و العمل. و محاربة الأمراض الاجتماعية مهما كانت – و التي تقف وراء شيوعها الممارسة الانتهازية في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و التي تدخل في طبيعة البورجوازية الصغرى المريضة بتحقيق تطلعاتها الطبقية و التي تتنكر لكل شيء بما فيه كرامة الإنسان. فهي قد تنبطح من اجل الوصول إلى التموقع أمام الطبقة الحاكمة، و إلى جانبها- تعتبر مسألة أساسية و مركزية بالنسبة لربط العمل بالنظر. و إلا فإن ترسيخ الأمراض الاجتماعية و استمرارها، و اعتمادها لتحقيق التطلعات الطبقية سيكرس التناقض القائم بين العمل و النظر.

و لمحاربة الأمراض الاجتماعية التي تقف وراء قيام التناقض بين النظر و العمل، لابد من العمل على تحقيق حرية الأرض و حرية الإنسان الذي يعيش عليها، و لابد من تحقيق الممارسة الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي و الثقافي، و لابد من تمتيع جميع الناس بحقوقهم المختلفة كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. مهما كان هذا الإنسان من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية، حتى يتم القضاء و بصفة نهائية على الأمراض الاجتماعية و تنعدم شروط لجوء البورجوازية الصغرى إلى تكريس تلك الأمراض من اجل تحقيق تطلعاتها الطبقية، و يمتلك الناس وعيهم الطبقي الحقيقي الذي يؤهلهم للنضال من اجل تحقيق طموحاتهم في الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و العمل على حماية تلك الطموحات.

د- العمل على إيجاد سياسة تنموية شاملة بموازاة مع إعادة النظر في السياسة التعليمية، من اجل خدمة السياسة التنموية، لأنه بدون قيام سياسة تنموية شاملة في مجموع التراب المغربي، في القرى كما في المدن، و في الجنوب و في الشمال و في الشرق كما في الوسط و في الغرب حتى يحصل توازن بين جميع المناطق، و حتى تزول شروط قيام المغرب النافع، و المغرب غير النافع، المغرب المريض، و المغرب الصحيح، و حتى تزول شروط الهجرة من البادية إلى المدينة، و من الجنوب إلى الشمال، و من الشرق إلى الغرب. تلك الهجرة التي تساهم بشكل كبير في انتشار الأمراض الاجتماعية المختلفة، و في تكريس النفاق الاجتماعي بشكله الواسع، مما يؤدي إلى فرض قيام التناقض بين النظر و العمل. فقيام سياسة تنموية شاملة بموازاة مع سياسة تربوية تكوينية شاملة منسجمة مع الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي، و في إطار قيام ديمقراطية حقيقية بمضمونها الحقوقي هو الضمانة الكفيلة بإزالة التناقض القائم بين النظر و العمل، و هو الذي يجعل المغاربة جميعا معنيين بالعملية التربوية التعليمية التي يجب أن تكون ملتصقة بالواقع المغربي في أبعاده المحلية، و الوطنية، و القومية، و الإنسانية، و معنيين أيضا بإيجاد تنمية متناسبة مع الواقع في أبعاده المختلفة أيضا لأن تناسب العملية التربوية التكوينية، و المشاريع التنموية مع الواقع هو الذي يقف وراء زوال التناقض بين النظر و العمل.

7) و انطلاقا مما رأينا نجد أن المغرب، و بسبب السياسة اللاديمقراطية و اللاشعبية التي تنهجها الطبقة الحاكمة، تجعل النظام التربوي التكويني يسير في واد، و التنمية التي لا تخدم إلا مصالحها تسير في واد آخر. مما كرس التناقض بين النظر و العمل على أرض الواقع، و بشكل فج، بسبب التناقض بين مؤهلات الخريجين، و بين حاجيات سوق العمل الذي خططت له الطبقة الحاكمة، المسؤولة عن غلبة النظر على العمل في السياسة التعليمية المغربية، و عن التناقض القائم بين النظر و العمل الذي لا يمكن تجاوزه الا بإعادة النظر في البرامج الدراسية حتى تستجيب لحاجيات سوق العمل. بالتركيز على تنمية المواهب و القدرات في المجالات المحددة و المطلوبة في سوق العمل. و من أجل ربط النظر بالعمل في الممارسة المغربية، بالإضافة إلى إيجاد سياسة تنموية شاملة بموازاة مع إعادة النظر في السياسة التربوية التكوينية، و من أجل خدمة سياسة التنمية، وصولا إلى إيجاد مغرب جديد، مغرب الحرية و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، المغرب الذي يبنى بأيدي أبنائه بعيدا عن املاءات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية.

فهل يعمل المسؤولون على إعادة النظر في السياسة التعليمية القائمة التي فرضت على الشعب المغربي فرضا ؟

و هل ينهجون سياسة تنموية مستجيبة لحاجيات الشعب المغربي في إيجاد شغل مناسب لكل العاطلين و المعطلين، و إيجاد اقتصاد وطني متحرر و مرتبط بالعملية التربوية التكوينية ؟

إن الشعب المغربي، و معه قواه الحية و المخلصة، يسعى إلى زوال الحيف الذي يلحقه باستمرار، و زوال الحيف لا يتم الا بتحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية. و هو ما تناضل من اجله الحركة العمالية، و التقدمية و الديمقراطية من اجل انعتاق الشعب المغربي الكادح من الظلم و القهر المسلطين عليه.

ابن جرير في 15/08/2005

محمد الحنفي