الرئيسية » مقالات » قانون الانتخابات والديمقراطية في العراق !

قانون الانتخابات والديمقراطية في العراق !

مر العراق حتى الآن بعدة تجارب انتخابية كان آخرها انتخابات مجالس المحافظات ثم انتخابات إقليم كردستان العراق. وقد بينت هذه التجارب مجموعة من الاختلالات والنواقص الجدية التي تواجه الناخب العراقي والتي يفترض معالجتها من جانب مجلس النواب العراقي, بغض النظر عن موقف الأفراد والجماعات المختلفة من هذا المجلس ومن الواقع الأمني والاجتماعي والفكري والسياسي المتردي الذي أنتجه وحدد مستوى ومضمون مسيرته السلبية خلال السنوات الأربع المنصرمة.

ولا بد لكل مواطن يعي أهمية الانتخابات والمهمات الملقاة على المجلس الجديد المنتخب, رغم كل الأحاسيس التي تشير إلى احتمال غير قليل ببروز مشكلات وأجواء تجعل من تأمين نزاهة مناسبة في الانتخابات مهمة غير سهلة بأي حال.

إن تأخير إقرار قانون الانتخابات يعتبر جزءاً من محاولات بعض القوى السياسية إعاقة إصدار العديد من القوانين الضرورية في المرحلة الراهنة للدولة والمجتمع لزيادة التعقيدات والمشكلات التي يواجهها المجتمع ومسيرة الدولة العراقية. ويكمن وراء هكذا مواقف العديد من الأهداف الأنانية التي تريد الوصول إلى نتائج ترضيها وتعبر عن مصالحها وليس عن مصالح الشعب العراقي وأمنه واستقراره وتعزيز سيادته.

فالتأخير يعتبر شكلا من أشكال إعاقة مسيرة العملية السياسية وبهدف استمرار وجود النظام السياسي الطائفي والتوزيع المحاصصي الطائفي للسلطة. ولكن المشكلة الجوهرية لا تكمن في التأخير حسب, بل وفي مضمون قانون الانتخابات الذي يفترض إقراره. فالأكثرية البرلمانية الراهنة التي تحتل مقاعد مجلس النواب العراقي ليست ديمقراطية. ومن يتابع تصريحات أعضاء مجلس النواب واتهاماتهم له في فترة بدء الحملة الانتخابية للانتخابات الجديدة تكشف حقيقة وطبيعة بنية أكثرية هذا المجلس وتؤكد غياب الديمقراطية عنه, إذ نشأ في ظل القوائم الطائفية والمحاصصة الطائفية ووفق قانون غير ديمقراطي في الكثير من مواده, مع العلم بأن الدستور ذاته يتضمن الكثير مما يفترض العمل على تعديله.

أين تكمن عدم ديمقراطية القانون بالارتباط مع أوضاع العراق بشكل ملموس؟

إنها تكمن, كما أرى, في عدد من الملاحظات الأساسية, إضافة إلى الملاحظات الخاصة بالموقف من المرأة ومن أتباع القوميات الأخرى, أشير إلى أهمها فيما يلي:

1. يفترض أن يعتبر العراق دائرة انتخابية واحدة. فالمرشح الذي ينتخب ويحتل مقعداً في مجلس النواب يفترض فيه أن لا يمثل المجموعة التي صوتت له أو المنطقة التي رشح فحسب, بل كل الشعب العراقي. وهي مهمة ترفع من دور النائب ومن روح المواطنة فيه ومن إحساسه بالوطن الذي يمثله. ومثل هذه الدائرة الراقية المفتوحة لا تسمح للأصوات بالضياع, مهما كان عدد الأصوات المعطاة في محافظة معية, بل تحسب الأصوات على صعيد البلاد كلها. إنها الممارسة الأكثر ديمقراطية والأكثر ضرورة في المرحلة الراهنة للعراق. إن الحالة الراهنة تحصر النائب في دائرته فقط, في حين أن القائمة المفتوحة تجعله مسؤولاً عن المحافظة التي أعطته أكثر الأصوات, ولكنها يحس بمسؤوليته إزاء بقية أنحاء العراق من خلال حصوله على أصوات فيها حسبت له في المحصلة النهائية. فالناخب عراقي ويمنح صوته لهذا المرشح أو ذاك ولهذه القائمة أو تلك, وحيثما كان يفترض أن يحسب الصوت له.

2. لا بد أن تكون القوائم مفتوحة لأهميتها في الوصول إلى أفضل المرشحات والمرشحين الذين يختارهم الناخب أو الناخبة بكل حرية وبمعرفة جيدة بالمرشح أو المرشحة التي يراد انتخابهما. إلا أن الأخذ بالقائمة المفتوحة يفترض أن يحافظ في الوقت نفسه على النسبة المقررة دستورياً للنساء لا أن يتم التجاوز عليها بسبب القائمة المفتوحة, ومن ثم اختيار الرجال فقط.

3. أن أي محاولة لرفع الحد الأدنى لحق الترشيح للانتخابات من 30 إلى 35 سنة يعتبر تجاوزا على حقوق الإنسان البالغ سن الرشد, إذ من غير المعقول أن نمنع من يعتبر قد بلغ سنة الرشد وبالتالي فهو يمتلك حقوق المواطنة لبالغي سن الرشد. إن شعوب العالم تسعى اليوم إي تخفيض الحد الأدنى لتجعله 18 عاماً, فيحين يسعى البعض في بلادنا إلى رفعه إلى 35 سنة. إن من حق الشباب الترشيح للانتخابات واحتلال مقاعدهم في المجلس ليعبروا عن إرادة ومصالح وتطلعات ملايين الشباب الذين بعمرهم أو اقل من عمرهم. ومن هنا يفترض أن يتم تعبئة الشباب من النساء والرجال للنضال من أجل تغيير الحد الأدنى إلى عشرين سنة وليس إلى رفعه إلى 35 سنة لنرى وجوهاً شابة وفكراً متقداً وحيوية الشباب تسيطر على أجواء ونقاشات وقرارات وكذلك القوانين التي يصدرها المجلس.

4. إن المشكلة الأخرى تبرز في محاولة إبعاد ربما أكثر من مليون إنسان يقطنون خارج البلاد عن حقهم في التصويت لصالح هذا المرشح أو المرشحة أو هذه القائمة أو تلك, في حين أنه حق منحه الدستور العراقي. وبالتالي لا يجوز اتخاذ مثل هذا الإجراء الذي يراد, كما يشار, اعتماده في القانون الجديد أو التعديلات التي يراد إدخالها على القانون السابق, إذ أن مثل هذا الإجراء يكرس الرؤية والممارسة اللاديمقراطية في المجلس النيابي.

5. أما النقطة الأخرى فهي التي تؤكد حق الناخبة أو الناخب الإدلاء بصوتهما حين يحملان معهما البطاقة التموينية, وهو أمر لا يمكن تصوره بسبب ضحالة القرار, إذ المفروض أن يؤكد على واحدة من الهويات الثلاث التالية:

أ‌) جواز السفر العراقي, ب) هوية الأحوال المدنية, ج) شهادة الجنسية العراقية.

إن عدم الالتزام بالأسس المعقولة للانتخابات لا يعبر إلا عن فعل عوامل غير ديمقراطية تمس الوضع الانتخابي في العراق وعدم ديمقراطية قانون الانتخابات وتخلف التفكير الديمقراطي لدى بعض القوى التي ترى في ذلك مصلحة لها ولا تريد أن تهتم بمصالح الشعب العراقي كله.

أتمنى أن يصدر القانون الجديد المنظم للانتخابات العامة القادمة. وأن يقر المبادئ الديمقراطية التي تسمح بتطور العراق صوب الأفضل, لا أن تدفع به إلى الوراء.

إن الانتخابات القادمة لا تجري في ظل أجواء مناسبة للجميع, فهناك القوى الماسكة بزمام الحكم والقادرة على التأثير فيها, وهي المالكة للسلطة وثروة المجتمع وأجهزته المختلفة, وتلك القوى المالكة للموارد المالية والتي تسمح لها بتوزيع البطانيات والساعات والأموال لصالح شراء أصوات الناخبات والناخبين. ومن المحزن حقاً وجود مواطنات ومواطنين يبيعون أصواتهم لمن لا يستحق هذا الصوت إذ أنه يبدأ بالرشوة ويسعى إلى استرداد ما وزعه من هدايا وأموال بل وأكثر من ذلك مئات المرات عبر نهب الدولة. كما أن المرشحين والمرشحات كافرا داو كقوائم لا يمتلكون نفس مستلزمات خوض الانتخابات في مجال الإعلام. فأجهزة الدولة مسخرة اليوم لمن في السلطة وليس لأبناء الخايبة والذين يسعون إلى تمثيل الفئات الكادحة والمسحوقة في المجتمع والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم.

8/10/2009 كاظم حبيب