الرئيسية » مقالات » السرقات الثقافية والفكرية والألتزام الأخلاقي

السرقات الثقافية والفكرية والألتزام الأخلاقي

لاأريد أن أتوغل في أعماق التأريخ لأكتب عن هذه الظاهرة القديمة الجديدة التي تطل علينا دوما بوجهها الكالح المستهجن على مر الأعوام فقديما قالوا للمتنبي الشاعر أن بيتك هذا مسروق من بيت لأبي تمام فأجابهم (أن الشعر جادة وربما وقع الحافر على الحافر) وقد كتب أبن جني شارح ديوان المتنبي كتابا في السرقات التي حصلت في ذلك الزمن وتطرق الكثيرون للخوض في هذا البحث وقول المتنبي يبين القيم الأخلاقية التي كان يتصف بها أدباؤنا القدامى لأن معظم ماكانت تسمى بالسرقات كانت توارد خواطر ترد على لسان هذا الشاعر أو ذاك ولا يتم نقل الموضوع أو القصيدة حرفيا حيث لايكلف السارق نفسه أي عناء غير حذف أسم الكاتب الأصلي ويضع أسمه محله ويصبح كاتبا أو أو شاعرا حسب ماتصور له خيالاته وأوهامه .

وفي الحقيقة لم يبق شيئ في الحياة ألا وتطرق أليه الأدباء على مر العصور فهناك من كتب عن الربيع وهناك من تناول الغزل والحرب والسلام والصدق والشجره والبحر والقمر والغربه والصحراء والريح والأنسان والمودة والهجر وغيرها من ملايين المواضيع التي تناولها الآلاف من الكتاب ولكن كل واحد بأسلوبه الخاص الذي يختلف عن غيره وهذا حق طبيعي للأديب والنصوص كثيرة لمن أراد أن يبحث .

وفي عالمنا المعاصر الذي كثرت فيه وسائل النشر بشكل هائل من صحف ومجلات وكتب ومواقع ألكترونية تعد بعشرات الآلاف أنتهز البعض من لصوص الثقافة ومنتحلي الأدب وأشباه المثقفين لكي يسطوا على نتاجات الآخرين من الأدباء والمثقفين الذين سهروا وتعبوا ونزفوا الكثير من دمائهم ليكتبوا نصا أبداعيا يسعى ألى تنوير ذهن القارئ ومده بالمعرفة من خلال سعيه ألى كلمة حق أو أشعال شمعه وسط هذا الظلام والركام من الزيف المحيط بنا من كل جانب وهؤلاء السراق هم دعاة الفساد الأخلاقي الساعين ألى تشويه الحياة والذين لايختلفون عن سراق البيوت وقطاع الطرق أن لم يكونوا أبشع منهم . وعندما يسرق شخص ما مادة أدبية وينسبها ألى نفسه بكل وقاحه يكون قد استهان بكل القيم الأخلاقية وينطبق عليه المثل العراقي ( يامن تعب يامن شكه يامن على الحاضر لكه ) فهذا السارق هو الذي سعى ألى الحاضر وأقبل عليه بكل خسة ودناءة وهو يعلم أنه ليس له .

ولا أدري أي طريق سيسلك هؤلاء الطفيليون والمتطفلون الذين يبحثون عن الشهرة الزائفة ومع من سيتعاملون ؟. وكيف يتصرفون وعالم الثقافة عالم صعب وسلم طويل لايمكن أن يتسلقه أي شخص مادام لايحمل معه الزاد الذي توفر له عبر ليال طويلة من السهر والقراءة والبحث في بطون الكتب . ولا يمكنني ألا أن أعتبر هؤلاء الذين يستسهلون هذه السرقات بأنهم يرتكبون جريمة أخلاقية مع سبق الأصرار والترصد ويجب أن يعاقب عليها القانون ويهب جميع المثقفين والأدباء والكتاب لأستهجان هذه الظاهرة وأدانة القائمين بها ونشر أسمائهم لكي لايتعامل معهم أي موقع ألكتروني يحترم نفسه ويحترم كتابه وقراءه وبالتالي يحترم قدسية الكلمه . لقد تفاقمت هذه الظاهرة بشكل ملفت للنظر وكثرت شكاوى الأدباء والمثقفين من هؤلاء السراق والفرسان المزيفون الذين يبغون الظهور على الساحة الأدبية والثقافية بسرقة جهود الآخرين وعبر دموعهم وآلامهم وسهرهم ومعاناتهم . أن نقل النص من قبل السارق عن طريق ( الكوبي بيست ) ومن ثم ألصاقه على موقع معين وحذف أسم الكاتب الأصلي ووضع السارق أسمه مكانه ظاهرة خطيرة وأمر في غاية الوضاعه يجب استنكارها واستهجانها بكل قوة من كل الأدباء والمثقفين الحقيقيين الذين يسعون ألى نشر الثقافة الأصيلة ويحترمون قدسية الكلمه وأن لايقفوا موقف المتفرجين واللأأباليين من الكاتب الذي سرقت مادته لأنهم معرضون لهذه السرقات في يوم ما وأنا في مقالي هذا لن ولن أخاطب البعض ممن أغرتهم ألقابهم والذين يعيشون في أبراجهم العاجية و عالمهم الخاص المغلق ويكتبون لأنفسهم فقط لأنهم يتصورون أن لقب ( دكتور ) قد فتح أمامهم كل وسائل المعرفة وتفاعلهم مع الآخرين هو التقليل من قدرهم ومكانتهم فانطبق عليهم قول الشاعر :

فقل لمن يدعي في العلم معرفة

عرفت شيئا وقد فاتتك أشياء

وما دروا أن طه حسين عميد الأدب العربي قال : ( أن مكتبة متنقلة خير ألف مرة من جامعة مغلقة )فالعلم والثقافة ليس محصوران بالشهادات الأكاديمية فقط وأنما تؤخذ من تجارب الحياة وتفاعلاتها والأنفتاح على الآخرين والتعاون معهم وتشجيع كل كلمة نقية تسعى ألى المحبة والخير ورصد الظواهر السلبية والوقوف ضدها مع احترامي وأكباري لأصحاب الشهادات الغير منغلقين على أنفسهم والذين يرصدون الظواهر السلبية فيقولون قولة الحق دون خوف أو وجل أو تردد ولا أريد هنا أن أتحدث عن نفسي بعد أن أصبحت ظاهرة السرقات ظاهرة عامة يعاني منها الكثيرون من الكتاب والأدباء ولكن لابد من قول الحقيقة والتجربة المرة التي مررت بها ككاتب وشاعر عراقي ولو أنكرتني وسائل الأعلام داخل وطني ولم تسأل عني وتذكرتني صحف سويدية وأجرت معي مقابلتين . أقول بكل ألم أن لي مع السرقات قصة قديمة قبل أكثر من ربع قرن مضى وانقضى من عمر الزمن حيث سرق أحدهم مادة ثقافية لي ونشرها باسمه وكانت دراسة عن الشاعر العراقي علي الشرقي وذهب السارق الذي أحتفظ بأسمه حتى هذه اللحظه ألى المجلة واستلم المكافأة التي قدرها 20 دينارا وكان ذلك بالتعاون مع سكرتير تحرير المجله أي ( حاميها حراميها ) حيث كان هذا السكرتير المتطفل على الثقافه والذي هو أبن عم الوزير يسرق بعض المواد الثقافية وينشرها باسم لصوص آخرين مثله لكي يتقاسموا المكافآت مناصفة !!!

وقدمت شكوى في وقتها على المجله ولكن ا لسارقين كانا أقوى مني وهما من البعثيين المتنفذين فضاعت شكواي كما ضاعت مئات الآلاف من جثث الشهداءالأبرياء تحت التراب في كل مكان من العراق الجريح . ومرت السنون وحينما رغبت في الرحيل عن الوطن عام 1995 وقفت على الحدود العراقية الأردنية للتفتيش بعد أن جلبت معي بعض حاجياتي الشخصية وخمسة كتب من مكتبتي التي كانت تضم أكثر من ألفي كتاب ذهبت مع أدراج الرياح وأتذكرها لحد الآن كان أحدها الأول ديوان بدر شاكر السياب والثاني قصص الحيوان في الأدب العربي القديم للدكتور عبد الله سلوم السامرائي والثالث كتاب جحا العربي وهو كتاب من سلسلة الكتب التي كانت تصدر من وزارة الثقافة الكويتية باسم سلسلة عالم المعرفه ولا أتذكر المؤلف والكتاب الرابع ملحمة كلكامش للدكتور طه باقر والخامس مصحف كريم صغيروبعثرها الحراس مع حاجياتي وقال لي أحدهم ( وي وي وي شنو هاالكتب اللي شايلها وياك ) فأجبته أنها كتب أدبيه أريد أن أقرأها في فترة سفري. ولم يرد علي فمسكها ورماها في غرفة التفتيش بكل قوه وهو يتفوه بكلمات نابية على الكتب ومن يقتنيها لأنها سبب البلاء !!! ورضخت لأوامره الهمجية عسى أن أخرج بسلام من السجن الكبير دون مشاكل بعد أن بعت كل متاع العمر وتوقفت عن الكتابة عدة سنين بعد أن نشرت بعض المقالات والقصائد في الصحف السورية وبعد أن استقر بي المقام في السويد وأنا لاأملك من حطام الدنيا شيئا وفي هذه الغربة فكرت أن أكتب شيئا وأشرع قلمي بعد هذا الصمت الموحش ولم يكن أمامي طريق سوى الكتابة في الأنترنيت فاشتريت جهازا مستعملا وبدأت أراسل المواقع العراقية الكريمة الملتزمة التي تحترم مايردها من كتابات جادة هادفة وتلقيت منها تجاوبا أخويا وكانت كل كتاباتي تصب في خدمة وطني والدين الأسلامي الحنيف بعيدا عن التعصب والعنصرية والطائفية ولم أهدف ألى كسب مادي أو الوصول ألى منصب سوى أرضاء الله وأرضاء ضميري وأعتبر كل المثقفين والأدباء من جميع القوميات والمذاهب هم أخوتي وأحبتي رغم بعض الأتهامات الظالمة التي وجهت ألي من هذا الشخص أو ذاك وهو الثمن الذي يجب أن يدفعه الكاتب الملتزم . وأنني أعذرهم وأسامحهم ولكن الذي آلمني وحز في نفسي هو تجاوز البعض على كتاباتي ونشرها بأسمائهم في منتديات ومواقع ليس لها علم بذلك مستغلين هذا الكم الهائل من الكتابات لتمرير سرقاتهم ومن المضحك المبكي أن يتصل بي شخص من العراق ويقول لي أن شخصا يدعي أنه شاعر قد سرق قصيدتك بحق الشهيد محمد باقر الصدر المعنونة ( يارائدا في فكره وجهاده )وقرأها في حفل تأبيني لذكرى استشهاد الصدر وقبض على أثرها مكافأة مادية من القائمين على المهرجان وهذا هو شر البلية . أذ لم يكلف هؤلاء الأشخاص القائمين على المهرجان ليروا القصيدة وهي منشورة في العديد من المواقع الألكترونية وأقولها بكل أسف وأسى أن بعض القائمين على الثقافة اليوم في العراق هم أميون بكل معنى الكلمه ولا يختلفون عن أولئك الذين صادروا الكتب الأربعة لي عند الحدود وما أشبه اليوم بالبارحه ؟ وأعتقد أنهم تسللوا ألى مواقعهم الثقافية من خلال نظام المحاصصة المقيت والمقرف. والأكثر أيلاما للنفس أن يلجأ موقع ديني أيراني سماه صاحبه ( وكالة الأنباء القرآنية العالمية )ألى التمويه والتحايل وأكثر مقالاته للشيخ الجليل الدكتور جعفر المهاجر وهو لبناني وينشر مقالي المعنون : ( قيم الشهادة في فكر الشهيد محمد باقر الصدر ) فيغير العنوان فقط ويجعله ( فكر الشهيد محمد باقر الصدر السلاح العقلي على دعاة الدجل والأنحراف ) ويستنسخ مقالي بالنص وهو منشور في موقع المرصد العراقي وصوت العراق وكلكامش وغيره من المواقع التي أتواصل معها وهذا ليس من حقه أبدا بعد أن حشر المقال مع مقالات الشيخ جعفر المهاجر ويكتب تحت المقال (جميع الحقوق محفوظة لوكالة أيكنا للأنباء القرآنيه!!! ) ولم يكلف نفسه بالأتصال بي وأخذ رأيي في تغيير العنوان وهذا من الأمانة الأدبية والعلمية وعندما بعثت برسالة ألى مدير الموقع أستفسر فيها عن الأمر لم يكلف نفسه بالأجابة وتناسى قول الرسول الأعظم ص ( لايدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر ) وهل يوجد كبر أعلى من هذا الكبر ؟ الذي لايقره دين ولا ضمير ؟ وقد بعثت في العام الماضي قصيدة في مدح الرسو ل الأعظم ص عنوانها ( المولد والبيت العتيق ) ألى موقع الشيخ حسن الصفار باسم جعفر المهاجر نشرها باسم الشيخ جعفر المهاجر علما أنني لم ألقب نفسي بالشيخ والذي يقرأ القصيده يعتقد أنها لغيري وليست لي وربما كان خطأ غير مقصود وأنا لاأعترض على بعض المواقع التي تنشر مقالاتي بأمانة تامة دون أن تخبرني بذلك وللتوضيح هناك شخص آخر يدعى جعفر المهاجر وهو من مؤيدي القاعدة ويكيل المدح لأبن لادن والظواهري أما أنا جعفر المهاجر المعلم العراقي المتقاعد فأذيل نهاية المقال بكلمة السويد لكي يكون القارئ على بينة من ذلك .

أن ملخص ماأريد قوله أني أعتب على الكتاب الذين لم يقفوا ألى جانبي في عمليات السطو و السرقة التي حدثت على كتاباتي ولا يمكن أن ينأوا بأنفسهم عن السرقات التي ربما سيتحدث لكتاباتهم أذا شعر السراق أنهم في مأمن من ذلك وأن هناك من لايقرأ ويتابع مايدور حوله . أنه زحف كزحف الجراد ليقضم كل نبتة وزهرة زرعهما فلاح بعرقه وصبره ومعاناته ولابد أن يتفق الكتاب والأدباء الذين يكتبون للناس في مواقع الأنترنيت أن يتفقوا على مبدأمعين وصيغة مشتركة للتضييق على هؤلاء السراق من منتحلي الثقافة والأدب وأن يتركوا اللامبالاة والسلبية تجاه هكذا أمور مهمه ومقولة ( وليكن من بعدي الطوفان ) ستكون طوفانا يجرف الجميع ولا يسعني في هذا المجال ألا أن أشكر المواقع الكريمة التي تعاطفت معي ونشرت شكواي ضد السارقين وهي موقع موسوعة نينوى ومديره الأخ العزيز طلال النعيمي الذي بعث برسالة ألى الوقع الذي نشرت فيه السرقات وموقع صوت العراق والمرصد العراقي والبرلمان العراقي وعروس الأهوار وموقع الشيعة الأسترالي والكاتب الوطني الغيور علي السراي الذي عقب على الموضوع والله من وراء القصد .

جعفر المهاجر – السويد

7/10/2009