الرئيسية » مقالات » استغلال الملك العام وسيلة ناجعة لتحقيق التسلق الطبقي …؟ !!! مدينة ابن جرير نموذجا !!!:7

استغلال الملك العام وسيلة ناجعة لتحقيق التسلق الطبقي …؟ !!! مدينة ابن جرير نموذجا !!!:7

دور السلطات العمومية في تفويت الملك العام:…..1

وإذا استحضرنا أن حماية الملك العام، تقتضي منا العمل على استحضار من توكل إليه تلك الحماية بالدرجة الأولى، مع الإقرار بكونها تعتبر مسؤولية جماعية، فإننا نجد أن الجهات المعنية بتلك الحماية، التي تتخذ طابعا قانونيا، وإداريا، وأخلاقيا، وسياسيا هي السلطات المحلية، والإقليمية، والجهوية، والوطنية؛ لأن هذه السلطات هي المعنية، بالدرجة الأولى، بتفعيل القوانين، والقرارات المحلية، والإقليمية، والجهوية، والوطنية التي لها علاقة بالملك العام.

فلماذا لم تقم هذه السلطات بدورها في هذا الاتجاه؟

ما الذي يمنعها من اتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية الملك العام؟

وما هي العوامل التي تقف دون قيام السلطات بدورها كاملا، خدمة للمواطنين، ومساهمة في تنظيم المجتمع؟

وهل يمكن أن تقوم السلطات بدورها في ظل غياب الشروط المناسبة؟

وما العمل من أجل إنضاج الشروط التي تجعل السلطات تقوم بحماية الملك العام؟

وما هي الإجراءات اللازمة لإنجاز هذه المهمة بامتياز؟

وما هي النتائج التي يجب تحقيقها للتخلص، وبصفة نهائية، من احتلال الملك العام، أو إلحاقه بالممتلكات الخاصة؟

إننا عندما نرتبط بالسلطات القائمة، في وطننا العزيز، وعلى المستوى المحلي، نجد أن هذه السلطات تأتي تعبيرا عن واقع مترد، وإفراز لهذا الواقع المتردي في نفس الوقت، كما جاء في قوله تعالى: ” كيفما تكونوا يول عليكم “، حسب ما جاء في القرءان الكريم. وحسب المنطق العلمي فإن السلطات كبنية فوقية، هي تعبير عن البنية التحتية، وإفراز لها، وتحكم فيها، وإعدادها لإعادة إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.

وما دامت السلطة تعبيرا عن الواقع الرأسمالي التبعي، وعن التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية المتخلفة، فإن من يتحمل مسؤولية السلطة، لا يمكن أن يكون في مستوى الحرص على تفعيل القوانين، والقرارات المتعلقة بحماية الملك العام.

والسلطات المحلية، والإقليمية، والجهوية، والوطنية، عندما لا تعمل على حماية الملك العام، فلأن هذه السلطات، هي أول من يعمل على احتلال الملك العام، وإلحاقه بالممتلكات الخاصة، لتصير مثالا يقتدى به من ممثلي السكان في الجماعات المحلية، في مختلف المجالس المحلية، الذين يعملون على تسهيل مهمة استيلاء مسئولي السلطات، في مختلف المستويات، على الملك العام، أو إلحاقه بالملك الخاص، من أجل أن يؤدي ذلك إلى إحداث تراكم رأسمالي لدى كل رجل سلطة، من أجل أن يتصنفوا إلى جانب الطبقات الممارسة لاستغلال العمال، والفلاحين، وسائر الكادحين؛ لأن مسئولي السلطات لا يمكن أن يتجردوا من الطبيعة البورجوازية الصغرى، التي تقف وراء الإقدام على ممارسة احتلال الملك العام، أو إلحاقه بالملك الخاص.

والذي يمنع السلطات المختلفة من اتخاذ الإجراءات اللازمة، لحماية الملك العام، يرجع إلى:

1) الطبيعة البورجوازية الصغرى التي أشرنا إليها، والتي لا يمكن التجرد منها، بالنسبة لمجموعة من القطاعات، التي تعودت على استغلال النفوذ، الذي نعتبر منها: السلطات المحلية.

2) غياب احترام حقوق الإنسان، في مختلف مجالات الحياة.
3) خضوع السلطات، في مستوياتها المختلفة، إلى نظام التعليمات، الذي يفرض القيام بعمل إجرائي، لا علاقة له، لا بالقوانين، ولا بالقرارات، التي تتخذ طابعا قانونيا. لأن من يعطي التعليمات يحتل سلطة أعلى من المسؤول المعني مباشرة بحماية الملك العام.

4) سيادة الفساد الإداري المتسم بالمحسوبية، والزبونية، والارشاء، والارتشاء، وعلى جميع المستويات المحلية، والإقليمية، والجهوية، والوطنية؛ مما يجعل إمكانية حماية الملك العام، وترشيد استغلاله، غير واردة، نظرا لما يمكن أن يقدم من إغراءات للمسئولين على جميع المستويات.

5) التعود على غض الطرف عن استباحة الملك العام، الذي لم يعد محط اهتمام من قبل المسؤولين أنفسهم، حتى غدا الملك العام مجالا لممارسة كافة أشكال الفوضى، التي تستهدف المواطنين البسطاء، الذين لا حول لهم، ولا قوة، ونظرا لكون الملك العام، هو الوسيلة المثلى، لذلك الاستهداف.

والسلطات المسئولة، عندما تغض الطرف عن عمل غير مشروع، فلأنها تريد بذلك جعل عامة الناس يتهافتون على احتلال الملك العام، من أجل أن ينشغلوا، بذلك، عن المشاكل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وعن الاستغلال الممارس على الطبقة العاملة، وسائر الكادحين، وعلى المجتمع ككل، وحماية لمصالح الطبقة العاملة، التي من مصلحتها، انشغال عامة الناس عن استغلالها، بالتهافت على احتلال، و لو جزء بسيط، من الملك العام، والتوهم بأن ذلك الاحتلال، سيؤدي إلى تحقيق التسلق الطبقي.

6) العلاقة المشبوهة القائمة بين مسئولي السلطة في مستوياتهم المختلفة، وبين المؤسسات التي تسمى: “منتخبة”، والتي تتخذ طابع الوصاية على تلك المؤسسات، و التي يكفلها القانون الخاص بالجماعات المحلية. فتلك العلاقة، تلعب دورا رائدا في العمل على جعل الملك العام مجالا للنهب من قبل مسئولي السلطات في مستوياتهم المختلفة، ومن قبل مسئولي الجماعات المحلية، المحكومين جميعا بالعمل على إنضاج الشروط اللازمة للتسريع بعملية التسلق الطبقي، والتصنيف إلى جانب الإقطاع، والإقطاع المتبرجز، والبورجوازية التابعة، والبورجوازية الوطنية، إن كانت هناك بورجوازي وطنية فعلا.

و هذه الأسباب التي ذكرنا، هي التي تمنع من قيام السلطات المسؤولة من اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الملك العام، لأنها إن فعلت ذلك، ستكون ضد مصالحها، ومصالح المسئولين الجماعيين، و ضد مصالح المتهافتين على احتلال الملك العام، أو إلحاقه بالأملاك الخاصة.

ومن العوامل التي تقف دون إلزام السلطات بالقيام بدورها اللازم في حماية الملك العام، خدمة للموطنين، ومساهمة منها في تنظيم المجتمع، نجد:

1) سيادة الاختيارات الرأسمالية التبعية، اللا ديمقراطية واللا شعبية، التي تفسح المجال أمام ممارسة كافة أشكال العمالة المترتبة عن العمالة إلى الرأسمالية العالمية، من خلال صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمؤسسات المالية الدولية الأخرى.

فالعمالة الممارسة، يوميا، في الساحة الجماهيرية، وفي الساحة السياسية، لا يمكن أن تنتج لنا إلا بشرا لا يستطيع إلا أن يكون عميلا للسلطات القائمة، إلا من تمنعه كرامته من القيام بذلك. وهذه العمالة هي التي تقود إلى السماح باستغلال الملك العام، أو إلحاقه بالملك الخاص، و في نفس الوقت، يمنع السلطة من القيام بدورها اللازم، في إيجاد حل لمعضلة احتلال الملك العام، أو إلحاقه بالملك الخاص.

2) غياب احترام حقوق الإنسان في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، بسبب عدم ملاءمة القوانين المحلية، مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. الأمر الذي يؤدي إلى سيادة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من قبل أجهزة السلطة المحلية، وحرمان المواطنين من المزيد من حقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية؛ الأمر الذي أدى، ويؤدى باستمرار، إلى حرمان المزيد من المواطنين من حقهم في التعليم، وفي جودته، وفي استكماله، ومن حقهم في الشغل، وفي السكن، ومن حقهم في العلاج، ومن الحقوق الثقافية المختلفة، ومن حقهم في اختيار من يمثلهم تمثيلا حقيقيا، في المؤسسات الجماعية، وفي البرلمان. الأمر الذي لا يمكن أن ينتج إلا الفقر، والمرض، والجهل، و يؤدي بالضرورة إلى اتساع رقعة من يبحث عن شبر من الملك العام، يستغله من أجل الحصول على قوته اليومي، حتى صارت هناك قطاعات عريضة من المجتمع المغربي، يقوم وجودها على أساس ذلك الاستغلال، وعلى مدى عقود بأكملها. والسلطات القائمة محليا، وإقليميا، وجهويا، لا يمكن إلا أن تبارك ذلك. ومباركتها تلك تساهم بشكل كبير في جعل تطور المجتمع المغربي معاقا، وفي تفاحش أمر البطالة المقنعة، وفي إتاحة الفرصة أمام مؤدلجي الدين الإسلامي، من أجل تجييش هذه الشرائح، ودعمها، وتشجيعها على الاستقواء ضد الحركة الديمقراطية، والتقدمية، وضد السلطات القائمة في نفس الوقت. واعتبار احتلالها للملك العام عطاء من الله، وسعيا إلى توظيف ذلك العطاء في الجهاد ضد الكفرة، والملحدين، والعلمانيين، وضد الدولة الكافرة، من أجل العمل على قيام “الدولة المسلمة”، التي ترسم ذلك العطاء، ليصير الملك العام بذلك ملكا للخواص، عن طريق وضع اليد. والسلطات حينذاك، تصير منفذة لأوامر “الدولة الإسلامية”.

3) غياب الممارسة الديمقراطية الحقيقية، بدل ديمقراطية الواجهة، التي تحاول الطبقة الحاكمة فرضها، بواسطة القوانين التي يشرعنها، مجلسها التشريعي، على أنها هي الديمقراطية الحقيقية، التي يمكن أن تعتمد لقيام دولة رأسمالية تبعية، بلباس “ديمقراطي”، حتى يعترف لنا العالم، من خلال مؤسساته، بأننا نمارس الديمقراطية. بينما نجد أن الواقع لا يعرف إلا الاستبداد الذي يفرض، وبقوة الحديد، والنار، وجهة نظر الطبقة الحاكمة في فبركة هذا الواقع، الذي يزداد ترديا، بفعل غياب الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، بسبب استغلال الملك العام في خلق المزيد من العملاء، وبطرق لا علاقة لها بالممارسة الديمقراطية الحقيقية، التي هي الحل لهذه المصائب، والكوارث التي يعاني منها المجتمع، بما فيها حرمانه من حماية الملك العام، وتوظيفه لصالحه.

4) غياب دستور ديمقراطي، تكون فيه السيادة للشعب، ويضمن استقلال السلط، وخاصة استقلال القضاء، ويكون منطلقا لإجراء انتخابات حرة، ونزيهة، تفرز مؤسسات تمثيلية حقيقية: جماعية، وبرلمانية، وتمكن من احترام إرادة الشعب، من بداية الانتخابات، إلى إعلان النتائج، تكريسا لسيادة الشعب على نفسه، كضمانة قائمة على قيام دستور ديمقراطي، يفرض قيام سلطة قضائية، وسلطة تشريعية، وسلطة تنفيذية مستقلة عن بعضها البعض.

وغياب دستور من هذا النوع، هو الذي جعل السيادة للسلطات القائمة، التي لا تهتم بحماية الملك العام، بقدر ما تهتم بحماية مصالحها، ومصالح الطبقة الحاكمة، من خلال إباحة الملك العام لكل من هب، ودب.

5) غياب حكومة وطنية مفرزة بواسطة صناديق الاقتراع، عن طريق الأغلبية البرلمانية، وتكون مهمتها هي حماية الشعب، وخدمة مصالحه.

وغياب حكومة من هذا النوع، يستحضر قيام حكومة لا ديمقراطية، ولا شعبية، ولا وطنية، مهمتها: حماية مصالح الرأسمال العالمي، ومصالح الطبقة الحاكمة، وخدمة تلك المصالح المرتبطة فيما بينها.

وحكومة، من هذا النوع، لا يمكن أن تشجع إلا على نهب المال العام، واحتلال الملك العام، أو إلحاقه بالممتلكات الخاصة، الأمر الذي يجعل حكومات، من هذا النوع، مناسبة لنهب المال العام، وتفويت الملك العام إلى الخواص، أو غض الطرف عن احتلاله، أو إلحاقه بالملك الخاص، حتى يتأتى ازدياد ثراء هؤلاء، ودفع أفواج العاطلين، والمعطلين إلى احتلال الملك العام، ونهبه، من أجل أن يقبلوا بالأمر الواقع، ويصيروا جزءا لا يتجزأ من الاختيارات الرأسمالية التبعية.

وهذه العوامل، وغيرها، مما لم نذكر، مجتمعة، هي التي تقف وراء نهب الملك العام، عن طريق الاحتلال، أو الإلحاق، وأمام أنظار السلطات المسؤولة عن حمايته.

و لذلك نجد أن السلطات المعنية بحماية الملك العام، لا يمكن أن تقوم بدورها كاملا في ظل الشروط المحكومة بالعوامل التي أشرنا إلى بعضها، ولا يمكن أن تهتم بالملك العام، بقدر ما تهتم بشيء آخر، مما يجعل فوضى احتلال الملك العام، وإلحاقه بالملك الخاص، عارمة، ومستأسدة، ويصعب مواجهتها بالحزم اللازم، ووفق برنامج محدد، تعمل تلك السلطات على تفعيله، وعلى جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وبعيدا عن الهاجس الأمني، الذي يحكم ممارسة السلطات المعنية بحماية الملك العام.