الرئيسية » مقالات » وداعاً أبا وائل، ياس ناصر حسين!

وداعاً أبا وائل، ياس ناصر حسين!

عام 2003 كتبتُ نصاً عن الصديق أبي وائل (ياس ناصر حسين) أهديته الى الشاعر الصديق عبد الرزاق الربيعي ونُشر على مواقع الانترنيت:

(ياس) يرفع خيمته
فوق الكتب المصطفة في مكتبته
عبر العينين المثقلتين
بالضعف، وبالقوة، بالحب
بطيبة نخل النهرين،
هل تذكر أبا وائل
شيخ أدباء الحرية؟
تذكره ؟
في صومعة الدفء
بين الكتب المصطفة،
بين الطلاب،
يناجي الشعراء
والعلماء
عبر دروس اللغةِ،
تذكره ؟
ام أنّ الزمنَ رحيلُ الأنهار؟

لكنّي أحفظ وجهك في الشاشة،
في الصحف،
في ألسنة الناس،
وأبو وائل يحفظ
في زاوية من وطن مذبوح،

النصُّ يتحدثُ عن الصديق الأعز والأخ الأكرم القريب من القلب والبعيد عن العين مدرس اللغة العربية السابق المرحوم ( أبي وائل ياس ناصر حسين) الذي أتاح لنا حسنُ الأقدار وحكمة الأيام أن نلتقي مدرسينِ في مدارس مدينة الحرية: متوسطة الناصر، متوسطة العدالة، اعدادية الشروق، ثانوية الشعب المسائية في سبعينات القرن العشرين، لتتوطد بيننا علاقة صداقة وأخوة وعِشرة جميلة امتدت في الزمن وترسّخت مدى الأيام، ومحبة لم تعصف بها أعاصير الحياة الغزيرة حتى هذه اللحظة.

رجلٌ في نحافة سعفة نخلة، شامخٌ بقامة نخلةٍ خضراء باسقة، مثمر كشجرة ناضجة الثمار دانية قطوفُها، فسيح الظلال مثل سدرةٍ خصبة ممتدة الجذور في الأرض، مترامي الأغصان ثابت الجنان. انسان مسالمٌ في وداعة حمامة سلام، وديع وداعة طفلٍ غرير، طيبُ بإفراط ، دافئ دفءَ شمس العراق. كريمٌ كرم حاتم الطائي، هادئ هدوء سماءٍ زرقاء صافية، أبيض القلب نقي السريرة مثل بياض ونقاء الثلج. لا يعرف للكرهِ سبيلا، ولا للتعصب فتيلا، ولايحبُّ القالَ والقيلا. كان في ميدانِ العِلم والدرس نزيلا، متواضعاً أصيلا. يسعُ قلبُه العالمَ كلّه، بريء السريرة، صافي النفس.

كان هذا هو ياس ناصر حسين الانسان الرائع، الانسان بكل ما تحمله صفات الانسانية بمفهومها الايجابي الخيّر من معانٍ. كان مصاباً في قرنيته لا يملك من البصر إلا بصيصاً ضئيلاً. يعاني من ذلك أيّما معاناة، لكنّ لسانه لم ينطق يوماً بأية شكوىً أو تذمرٍ ، مع أننا كنا نحسّ بما يعاني.

مع هذا البصيص الضئيل كان أبو وائل قارئاً نهماً يحتسي الكتب احتساءاً ومن كل علمٍ، وبخاصة علوم اللغة العربية بنحوها وصرفها وأدبها وبلاغتها. وكان شغوفاً مدمناً على اقتناء الكتب حتى أصبحت لديه مكتبة ضخمة عامرة بأصناف الكتب في ألوان العلوم تعدّت الآلاف لتملأ صالة بيته رفوفاً رفوفاً. يقتطع من لقمة أطفاله ليشتري الكتب مع أنه كان يعاني من الضائقة المادية وشظف العيش دون أن ينبس بكلمة شكوىً، بل كان يَجهَد ويُجهِد نفسه في التدريس صباحاً ومساءاً ليوفر لعائلته لقمة العيش ولنفسه هواية اقتناء الكتب. لم يكن يملك داراً كان مستأجراً دائماً يتنقل من بيت الى بيت. كان كريماً في فتح باب مكتبته أمام كل من يريد استعارة كتاب، حتى من تلامذته ناهيك عن أصدقائه وزملائه.

ياس ناصر حسين كان مدرساً للغة العربية، عالماً في اختصاصه أديباً بارعاً ومرجعاً في اللغة، ومن أنجح المدرسين وأخلصهم في واجبه. يحبّه طلابه اشدّ الحبِّ، ويحترمونه أجلّ احترامٍ، ويطيعونه كأبرِّ أبناءٍ. يغمرهم بحبه وحنانه وهدوئه الذي كنا نحسده عليه، لا يغضب عليهم، ولا يقسو، ولم يوجه يوماً اليهم كلمة قاسية أو نابية ، لذا تعلقوا به الى حدّ الوله وبشكل لم نصادفه في مهنة التعليم، مع علمنا بعلاقة التلاميذ المألوفة بأساتذتهم في ذلك الزمن، وعلاقة الاساتذة بطلابهم، والنظرة التي كانت سائدة، وأظنها لا تزال، بتأثير من الثقافة الاجتماعية والإرث التاريخي وهو ما نعرفه من المثل العراقي الشعبي (الإمام الذي لا يُشوِّر يسمونه أبو الخِرَق). وقد كان هذا المنطق سائداً في الوسط التربوي والتعليمي في نوع التعامل مع الطلبة وهي الشدة والقسوة والعقاب الصارم ظناً بأنّ في هذا ضبطاً للنظام وانضباطاً مطلوباً. وكأنّ المدرسةَ ثكنة عسكرية لا مكان للتربية والتعليم وبناء أجيال تتحلّى بالمعرفة والعلم وحسن التربية من أجل بناء مجتمع خالٍ من الجهل والتخلف والأمراض نفسياً وجسدياً. مجتمع يتحلّى بالعلم والمدنية والحضارة والتقدم، ومن خلال جيل سليم نفسياً وثقافياً مجهزاً بكل الوسائل المطلوبة في هذه المهمة الملقاة على عاتقه.

لكنّ طريقة تعامل المدرس المرحوم أبي وائل مع تلاميذه كان خروجاً على هذه النظرة السائدة في قطاع التربية والتعليم وهذا المنطق في التعامل مع التلاميذ وشكل العلاقة بينهم وبين أساتذتهم، وقد أثبت نجاحه الباهر. فقد كان صفه مثالاً للانضباط والالتزام والهدوء بسبب التعامل الانساني الطيب مع التلاميذ، واحساسهم بأبوة الرجل ودفء عاطفته وحدبه عليهم وحرصه الشديد على منحهم العلم وايصال المنهج الى مداركهم بأسهل طريقةٍ وأشوق وسيلةٍ مشوبةٍ بحنان أبويٍّ وطيبة انسانية عالية. لذا تعلقت نفوسهم به الى حد كبير فأحبوه وأطاعوه وبرّوا به، ولا يزالونحتى اليوم يذكرونه بخير ومحبة واحترام.

مرةً حين كنتُ مدرساً للغة العربية في إعدادية الشروق للبنين وهو في متوسطة العدالة في مدينة الحرية، وكانتا متجاورتين، طُلب مني أن ألقي محاضرات على صفين من الصفوف الثالثة في متوسطة العدالة بسبب حاجتهم، وكان أبو وائل هو الذي رشّحني لالقاء المحاضرات وألحّ في ذلك. وكان هو المدرس الدائم للصفوف الثالثة. حين شرعتُ بالحصة الأولى شعرت بالضيق في عيون التلاميذ، وأحسستُ بتبرمهم واستيائهم.كنت أعرف مدى تعلقهم بمدرسهم السابق ياس ناصر حسين واشتياقهم اليه. أمطرني بعض الطلاب بأسئلة لغوية كانت مضامينها أعلى من مستواهم الدراسي وليس ضمن منهجهم، وكذا حصل في مادة الأدب والنصوص وكأنني في امتحان، كنت أجيبهم دونتردد أو تذمر مع إني أعرف الهدف من هذه الأسئلة. وبعد أيام أحسستُ بالارتياح يرتسم على وجوههم، والرضا والقناعة في نفوسهم. فاضحت علاقتهم بي عميقة تسودها المحبة المتبادلة.

عرفتُ فيما بعد أنهم كانوا قبل مباشرتي بالدرس قد توجهوا الى المرحوم أبي وائل وأخبروه بعدم قبولهم بمدرس غيره، فقال لهم أنه هو من طلبني وأنّني أفضل منه وأقدم وأعلم، وقال لهم (راح اتشوفون)، وبعد أيام من بدئي بالعمل والتدريس توجهوا اليه ثانية وقالوا له أنه كان على حق، فردّ عليهم مسروراً (ألم أقلْ لكم!).

لقد كانت علاقتي به وشيجة عميقة تسودها المحبة والألفة والاحترام المتبادل بحيث وصلت الى علاقة عائلية متينة أصبحنا معها عائلة واحدة. كنا متعلقين ببعضنا بشكل كبير، نتلاقى في الأفكار والمواقف والاهتمامات. وكان يحلو له أن يدعوني بـ(الكاكه) احتراماً وتقديراً ومحبة و(ميانةً).

كنا معاً يومياً محاضرين في ثانوية الشعب المسائية مساءاً ونتزاور نهاراً في مدرستينا المتجاورتين. نتناقش معاً في الأمور اللغوية والأدبية ونتبادل الكتب والمجلات الأدبية والثقافية. إذا أشكلَ على أحدنا مسألة لغوية يتصل بالآخر علّه يجد عنده الجواب، وإلا كنا نتناقش معاً لنتوصل الى جواب ورأي موحد. وكنا والحمد لله مرجعين للآخرين في هذه المسائل. وغالباً ما كنا بعد انتهاء الدوام المسائي نتوجه الى نادي المعلمين لتمضية السهرة الى ما بعد منتصف الليل مع شلة الأصدقاء وعلى رأسهم الأخ الكبير العزيز أبو رائد (عيسى رؤوف الجواهري) صهر الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، زوج ابنته الكبرى أميرة.

كان المرحوم ابو وائل معجباً جداً بقصيدتي (قالوا تدلّل!) وبالذات البيت التالي:

صُبّوا الكؤوسَ فإّنني
في الشاربين لَحوتُ

فكان يُكرّره في كلّ جلسةِ سمر تجمعنا وهو يضحك محدّقاً صوبي.

لقد اتفقنا أنا وهو على أن نتفرغ للبحث والدراسة والتحقيق اللغوي بعد التقاعد. فقد كان مغرماً بالنحو والصرف والبلاغة الى جانب الأدب طبعاً، وبدأ في العمل بجدٍّ ومثابرة وتفرغ وانكباب على اعراب القرآن الكريم. وقد ذكر الشاعر عبد الرزاق الربيعي الذي كان من تلامذته المقربين والمترددين عليه أنه قد فرغ من اعراب سورة البقرة. فلقد انقطعت أخباره عني بعد هجرتي من الوطن في نهاية عام 1991 . كان المرحوم يتحدث لي عن علاقته بالشاعر الربيعي الذي لم ألتق به في حياتي إلا من خلال نتاجه الابداعي الذي كنت أتابعه بحكم اهتمامي الأدبي. ولذا أهديتُ إليه قصيدتي أعلاه في بداية المقال تذكيراً بالعزيز المرحوم لتتوطد بيننا بعدها صداقة عبر الشبكة العنكبوتية، وللمرحوم الفضل في خلقها وتمتينها فهو العزيز المشترك والحاضر الغائب. وبالمناسبة هو الذي أخبرني برحيله. وكتب عنه مقالة تذكيرية مؤرخة لانسان كبير وعالم نحرير ومربٍ قدير وصديق أثير وفاءً منه لاستاذه ومعلمه.

أذكر أنه بعد وفاة والدي المرحوم الملا نورعلي بن الملا مرتضى بن الملا نزار مواليد بغداد عام 1898 وذلك عام 1993 اثر جلطة دماغية وهو في محل عمله بخان الطباطبائي في سوق الصفافير حيث لم ينقطع يوماً عن عمله حتى هذه السن المتقدمة، إذ كان يتمتع بصحة جيدة وروح نشطة وايمان قويٍّ متين وذهن وقّاد وذاكرة شابة وقلبٍ قوي، وكان يقول سأعمل ما دام في عروقي دمٌ ينبض، فلو قعدتُ فسأموت سريعاً، وفي اثناء بحثي في أشيائه ومقتنياته عثرتُ على مخطوطة كتاب يبحث في علم الصرف اللغوي واشتقاقات الكلمات العربية.كان مكتوباً بالريشة وبالحبر الأسود، قديماً جداً بحيث اصفرّت أوراقه، ولم يكن عليه لا عنوان ولا اسم المؤلف ولا سنة الكتابة. وقد أخبرتُ بعد فترة المرحوم ياس ناصر حسين عنه، وعرضته عليه فقرأه وطار من الفرح، فعرض عليّ أن نقوم بتحقيقة ودراسته ونشره، وذلك بعد التقاعد طبعاً، إذ أن وقتنا المعبأ بالتدريس لم يكن فارغاً بما فيه الكفاية لمتابعة مثل هذا المشروع الذي يحتاج الى وقت وجهد واستقراء ومتابعة كثيفة. طبعاً كانت أعمارنا قد اقتربت في الثمانينات من التقاعد وبعد خمسة وعشرين عاماً من التدريس، بمعنى أنّ المتبقي من العمر يكفي في تنفيذ مشروعنا المشترك، كما أن سننا لن يكون متقدماً ليصيبنا الوهن والضعف.

لكن الرياح جرت بما لا تشتهي أنفسنا، فقد هاجرتُ الوطن أواخر عام 1991 وبعد حرب الخليج الثانية بعد أنْ ضاقت بنا الأرض، وإثر مضايقات أمنية تعرضت لها ومن قبل احالتي على التقاعد عام 1989 وتوقفي عن الكتابة خلال حقبة الثمانينات بعد اندلاع الحرب العراقية الايرانية إلا في مجلة (الثقافة) التي كان يصدرها المرحوم الدكتور صلاح خالص وزوجته الفاضلة الدكتورة سعاد محمد خضر، وكذلك خارج العراق في مجلة (اليوم السابع) الفلسطينية التي كانت تصدر في باريس. فقد أحسست من الاستدعاءات والمضايقات الأمنية أن نهايتي ستكون سيئة ومصير عائلتي مجهولاً، فبدأت أخطط للهجرة سرّاً دون أن يشعر أحد، مواصلاً حياتي اليومية العادية، حتى جاءت الفرصة بعد توقف حرب الخليج الثانية/حرب الكويت، فخلّفتُ غاشيةَ الخنوع ورائي، وتركتُ أبا وائل وأحلامنا خلفي لتنقطع عني أخباره، حتى تكوّنت صداقة عبر الايميل بيني وبين الشاعر المتألق عبد الرزاق الربيعي وتحت جناح ذكرياتنا وعلاقتنا الماضية بالصديق المشترك المرحوم. فأخذ الربيعي يزودني بين الحين والحين بما تصله من أطراف أخبار عنه حتى بلغني قبل أيام برحيله المؤلم إثر سكتة قلبية.

في اعدادية الشروق كان معنا مدرس اللغة العربية الصديق الشاعر الكبير المرحوم محمود الريفي، المناضل اليساري الصُلب الذي عرفتْهُ سوح النضال منذ العهد الملكي مروراً بالعهود اللاحقة. وهو أحد محرري ومؤسسي وأعمدة مجلة (المعلم الجديد) التي أصدرتها نقابة المعلمين العراقيين بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 اضافة الى مجلة ( المثقف). عركته السجون والمعتقلات وزنزانات التعذيب الرهيبة. كنا نحبه ونحترمه ونستأنس برأيه وحضوره الثري، فقد كان شاعراً كبيراً وضليعاً باللغة. نلتقي في داره المتواضعة الكائنة مقابل اعدادية الشروق فيقرأ لنا ما كان يكتب سراً من شعر سياسي وغيره، فقد كان قد توقف عن النشر، بعد أن حاربوه وحاصروه وحاولوا اغتياله ابداعياً وأدبياً. لقد اغتالوا ابنه الأكبر بدعوى سياسية. وقد ذكرتُ في قصيدةٍ كتبتها عنه وهي (قراءة في دفاتر الشاعر محمود الريفي) مؤرخاً لهذا الشاعر الكبير زمعاناته وكيف كنا نلتقي أنا وهو وأبو وائل في دار الريفي فيقرأ علينا ماكان يكتب. وقد أشرت الى أبي وائل بـ(هو) دون ذكر اسمه خوفاً عليه من أزلام النظام الدكتاتوري الدموي الساقط، إذ كتبتُ القصيدة عام 1999 ونشرتها في مجلة (المدى) التي كانت تصدر في دمشق، وفي صحيفة (ريكَاي كوردستان) في أربيل، حيث قلتُ:

وقرأتَ ….
كنتُ أنا ، هو ، أنتَ ،
وقرأتَ
ما كنتَ تقولُ وما تحكيهِ في السرِّ
تحاورُ نفسكَ في صومعةٍ دونَ الضفةِ
دونَ نخيلِ الأهوارْ
والأقمارْ
وخريرِ النهرِ ، حفيفِ الأغصانْ
في صومعةٍ
جدرانٌ أربعة ٌ
شُباكان
وجدارٌ عالٍ خلفَ الشباكْ
وبقايا أشجارٍ أطفأها سبخُ التربِ
وملحُ مياهِ القضبانْ
كنتُ أنا ، هو ، أنتَ ،
وقرأتَ :
هذا صوتي
في صمتي
في الصمتِ ….

كانت دار المرحوم أبي وائل ملتقىً أدبياً يتردد عليها الكثيرون وبالخصوص الأدباء والشعراء الشباب الذين كانوا يستأنسون برأيه وملاحظاته وتوجيهاته ويستعيرون منه الكتب مثل غيرهم أصدقاءَ وأدباءَ وفنانين وحتى تلامذته، حيث تجري المناقشات والقراءات وتبادل الرأي.

كان المرحوم كريم النفس، مفتوح اليد، سامي الخلق، طيب المعشر، دمث الأخلاق ، حلو الكلام، بهيَّ الحضور.

رحم الله الأخ والانسان الكبير أبا وائل (ياس ناصر حسين العبيدي).


عبد الستار نورعلي
السويد
الأثنين 5 أكتوبر 2009