الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -36

حرب وسجن ورحيل -36

رغم الآثار الأقتصادية المدمرة التي رزح تحتها العراق بعد خروجه من الحرب ألا أن البضائع الأستهلاكية الأجنبية كانت تغمر الأسواق وترتفع أسعارها تدريجيا نظرا للعلاقات الجيدة التي كانت تربط العراق بالغرب عامة وبأمريكا خاصة حيث كان ينظر لصدام بأنه الشخص الوحيد الذي يستطيع الوقوف بوجه تصدير الثورة الخمينية بصورة مباشرة و التي روجت في أيران على نطاق واسع من قبل بعض رؤوس النظام الأيراني وكان دهاقنة السياسة في البيت الأبيض يعتقدون أن صداما يمكن ترويضه أما حكام أيران فهم يشكلون الخطر المباشر والأكبر على المصالح البترولية الغربية في الخليج العربي وكانت تطلق الدعوات بدعم صدام اقتصاديا وعسكريا ألى أبعد حد ممكن تلبية لرغبات حكام الخليج الذين كانوا يتخوفون كثيرا من الثورة الخمينية ويعتبرونها العدو الأول لهم في المنطقه وما يزالون يحملون نفس الأفكار رغم مرور عشرات السنين على قيامها.

لقد كان كيس الطحين الأمريكي الذي يزن 50 كيلو غراما يباع بثلاثة دنانير ونصف رغم هبوط قيمة الدينار العراقي وهذا دليل على أن أمريكا كانت تحتفظ بعلاقات أقتصادية جيدة مع العراق بعد أنتهاء الحرب العراقية الأيرانية وقد طالب الرئيس الأمريكي بوش الأب بتعزيز تلك العلاقات حيث أن تلك العلاقات تصب في صالح الولايات المتحدة والعالم ومنطقة الخليج العربي كما قال في أحدى خطاباته . وكانت تلك الأشارات تزيد من غطرسة النظام العراقي وتزيد من شعوره بالزهو والغرور وميله لخندق الشعب بالقبضة الحديدية مازال العالمان الغربي والشرقي راضيان عليه ولاينبسان ببنت شفة عن الشعب العراقي الذي سحق الدكتاتور كرامته وصادر حريته وسلط نفسه ألها عليه يعبد من دون الله . فأصبح هدفه الأول والأخير هو تكديس الأسلحة بشكل جنوني فتراكمت الديون من كل حدب وصوب ولكن النظام لم يأبه للدمار الذي لحق بالبنية التحتية للعراق بعد انتهاء الحرب وخاصة في قطاع التعليم والصحة والخدمات وبدأت المستشفيات تستوفي الأجور من المراجعين وكذلك الجامعات بعد ألغاء الأقسام الداخلية للطلبه . وبدأ النظام يستقطع نسبة خمسة بالمائة من راتب كل موظف لدعم ( المجهود الحربي ) رغم انتهاء الحرب وهذا الأمر عمق اعتقاد العراقيين بأن حربا أخرى مهلكة في انتظارهم بدأت تلوح في الأفق كما ذكرت سابقا .

لقد كانت الفترة بين الحرب الأولى على أيران والحرب الثانية التي سماها صدام ب ( أم المعارك )سنتين ألا عدة أيام سادت فيها أبشع فترة استبدادية في العراق لم يمر بها طوال تأريخه المعاصر . حيث كممت الأفواه تماما ولم يعد المواطن العراقي يسمع سوى كلمات التعظيم والتبجيل والتأليه لشخص صدام في كل مكان يحل به وبدأت الألقاب الجديدة تسبغ عليه من وسائل الأعلام فهو ( هبة الله للعالم ) وهو ( بطل الحرب والسلام ) وهو ( منقذ الأمة العربية من أعدائها ) وهو ( محرر الأوطان) و(بطل الفرسان ) وغيرها من الألقاب التي ماأنزل الله بها من سلطان وبصورة أشد من الحالات السابقه وتم التأكيد على عيد ميلاد الرئيس الذي صار من الأعياد الوطنية الكبرى وتبدأ التحضيرات له قبل عام أي بعد انتهائه مباشرة ويستمر لمدة شهر كامل . وأصبحت مديرية الثقافة العامة تجمعا لكل من هب ودب ليطبع ماتفتقت به قريحته لتعظيم ( قادسية صدام ) (التي دونت التأريخ الجديد للعرب بحروف من نور . ) فطبعت الآلاف من الكراريس القصصية والشعرية والمقالات السياسية عن القادسية وبطلها العظيم التي ستدرس في كل مدارس العراق وجامعاته ومراكزه البحثية لتكون دليل عمل للمرحلة القادمة والمصباح الذي سينير دروب الأجيال القادمة لتتعلم منها الكثير الذي لم يظهر بعد . وأصبح مقياس قيمة المواطن هو بمقدار تفاعله مع تلك الحرب فالتعيين الوظيفي لا يتم ألا بعد تقديم الشخص وثيقة من الجهات الأمنية والمخابراتيه والوحدات العسكرية التي كان يعمل بها تثبت سلامة موقفه من قادسية صدام ومن يسجل عليه هروب أو تخلف ولو ليوم واحد حتى ولو صدر العفو عنه لم يحصل على أية وظيفة حتى ولو بدرجة فراش في أحدى الدوائر البسيطه .

لقد دمر الأستبداد نفسية الفرد العراقي الذي تخلى العالم عنه في تلك الفترة المظلمة الرهيبة من تأريخ العراق وأصبح أسم صدام أبشع من الكابوس على صدر كل عراقي شريف يريد أن يستنشق نسمة واحدة من عبير الحريه تحت مراقبة جلاوزة ذلك النظام من البعثيين الصداميين الذين كانوا يدينون بالولاء المطلق لرأس النظام لقاء مصالحهم المادية وأصبح حزب البعث في خبر كان بعد أن تحول ألى دمى تابعة تنفذ أمر رأس الهرم الذي هو صدام .

أزداد عدد أعضاء مايسمى بالجيش الشعبي وبدأت قوات الأحتياط تنخرط في الجيش من جديد وانتشرت مفارز الأعدام لتعقب الهاربين من الخدمة العسكرية للقبض عليهم وسوقهم ألى معسكرات الأعدام لتصفيتهم واستمرت عمليات أبادة الأكراد في شمال العراق ومازالت آثار الأسلحة الكيمياوية بادية في كل قرية من قرى ذلك الجزء العزيز من العراق الذي يضم بين دفتيه أروع المناظر الطبيعية الخلابة فتحول ألى رماد وهشيم محترق بفضل رغبة الدكتاتور التي هي فوق كل الرغبات في القتل والتدمير لكل صوت معارض. وكانت مدينة حلبجة الدامية المنكوبة بأطفالها ونسائها وشيوخها تستصرخ ضمائر الشرفاء في العالم ومنظمات حقوق الأنسان لتأتي وترى ماذا حدث لها وماذا حدث لتلك الطبيعه الزاهية الخلابة فكانت تلك النداءات تذهب مع أدراج الرياح مادامت أمريكا وأعوانها راضين عن الدكتاتور وأفعاله الشنيعة في تلك الفترة الرهيبة من تأريخ الشعب العراقي. وخلال تلك الفتره اختفت بعض الشخصيات المهمة التي كانت دائمة الظهور في وسائل الأعلام ومنهم منيف الرزاز الأمين العام المساعد لحزب البعث وشفيق الكمالي الشاعر المعروف وصاحب النشيد الوطني العراقي وغيرهم . أما ألياس فرح وشبلي العيسمي وبدر الدين مدثر وقاسم سلام أعضاء مايسمى بالقيادة القومية وعلى رأسهم ميشيل عفلق الأمين العام فقد تم تهميشهم ألى أبعد حد وتحولوا ألى كتبة في القيادة القومية تلفهم زوايا النسيان دون أن يكون لهم الحق في أبداء آرائهم بأية قضية مهمة .

بدأت أمريكا تتوجس خيفة من حليفها المقرب وتصرفاته في المنطقه لتصريحاته العنترية وادعائه بأنه أصبح الرجل الأقوى الذي لايستطيع أن ينازعه منازع لكثرة الأسلحة التي يمتلكها ومن ضمنها الأسلحة الجرثومية والبايولوجية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل التي بدأ يلوح بها ولو بصورة غير مباشرة وبدأت زيارات قادة الكيان الصهيوني المكوكية تترى على الولايات المتحدة لتطويق طموحات صدام الأخطبوطيه وخاصة توعده بالأنتقام من أسرائيل التي قصفت المفاعل النووي العراقي في كانون الأول عام 1881 وأخذت دوائر البنتاكون تنظر بعين الريبة ألى الدكتاتور رغم محاولات الملك حسين الحليف الأول لصدام في المنطقة آنذاك والرئيس المصري حسني مبارك بتطمين الولايات المتحدة من أهداف صدام الجديده ألا أن أسرائيل كانت أقوى تأثيرا بعكس هذا الأتجاه نظرا للنفوذ القوي الذي يتمتع به اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية والذي هو فوق كل اعتبار فيها حيث بدأت علامات التوتر تظهر بين الولايات المتحدة والعراق وبدأت الصحف الأمريكية حملة قوية على النظام العراقي ورئيسه صدام بعد أن أغرته نتائج الحرب العراقية الأيرانية بالتأكيد على القوة العسكرية وعسكرة الشعب وهذه المرة ليست باتجاه أيران وأنما باتجاه الأشقاء الحلفاء العرب أصحاب ( خزائن قارون ) ومن يحميهم . مما دعا جون كيللي وكيل وزارة الخارجية الأمريكية من زيارة العراق في 11 شباط 1990 ردا على زيارة طارق عزيز وزير الخارجية العراقي التي سبقتها بعدة أشهر ليستطلع الأمر ويبدد بعض الغيوم الداكنة التي بدأت تلوح في الأفق بين النظام العراقي والولايات المتحدة الأمريكيه . ولم تكن تلك الزياره ألا مسكنات لتهدئة الموقف لم تثمر عن أية نتيجة بعد أن بدأت التقارير تترى في الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الأنسان والصحف الأمريكية بأن النظام العراقي نظام دموي وحشي يعامل شعبه بقسوة متناهية وأن تحشيده للجيش والأسلحه بعد حربه مع أيران ودعوة وزارة الدفاع باستدعاء الأحتياط بتلك الصورة الكثفة تثير الشبهات والمخاوف من تصرفات هذا الدكتاتور الغير ثابته والغير معروفه. وفي 21 شباط من عام 1990 نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرا يتألف من 12 صفحه نعتت النظام العراقي بأنه أسوأ منتهك لحقوق الأنسان وقام بجرائم قتل كثيرة في داخل السجون ولم يتح لأي شخص بتعيين محام يدافع عنه وكأنها نهضت من سباتها بصورة مفاجئة بعد أن تغاضت عن جرائمه الكبرى لعشرات السنين وكما يقول المثل( بعد خراب البصره )وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير مما زادت من غطرسة وحدة تصريحات رئيس النظام الذي قال في أحدى خطاباته وما أكثرها( يبدو أنهم مازالوا يجهلون العراق الذي هو أقوى منهم جميعا )ويقصد الولايات المتحدة والغرب وقال بالحرف الواحد ( خلي يظلون غركانين بأوهامهم ألى أن يعرفوا العراقيين حق المعرفه الذين لايهابون من أية قوة في الأرض حتى ولو كانت الولايات المتحده .) ثم توالت الأحداث بسرعه وألقي القبض على صحفي بريطاني من أصل أيراني لصحيفة الأوبزيرفر البريطانيه كان يحمل معه كامره أسمه ( آزاد بازوفت ) واتهم بالتجسس والعمالة لبريطانيا وكانت تلك التهمه من أسهل التهم في العراق وعقوبتها الحتمية هو الأعدام ورغم كل المحاولات التي قامت بها بريطانيا لأنقاذ حياته ألا أنها باءت بالفشل واصطدمت بغطرسة وغرور رأس النظام العراقي حيث أخذ يزور بعض المناطق القروية في بغداد تحت حراسة المئات من حمايته وقال لأحد الشيوخ الكبار ( شدكول نعدم بازوفت ) والشيخ المسكين المرعوب كان لايعرف بازوفت هذا هل هو شخص أم سفينه فأجابه على الفور ( أعدمه سيدي الرئيس !!!) فقهقه صدام قهقهته المعروفه وأجابه ( عد عيناك راح يتنفذ الأمر )وتم أعدامه في 15 آذار 1990 مما أثار حفيظة بريطانيا وقد وصفت الصحف البريطانية رأس النظام العراقي صدام حسين ب ( جزار بغداد ) ولكن بعد أعدامه شخصا واحدا هو بازوفت أما أولئك الضحايا الذين يقدرون بمئات الآلاف ومنهم الكثير من دفن حيا هو وعائلته وأحرقتهم القنابيل الكيميمياوية في حلبجة والأهوار فكانت مسألة فيها نظر !!! وهذه هي ازدواجية الغرب الصارخة ماثلة للعيان ولم يستطع التخلص منها أبدا مادامت مصالحه تقتضي ذلك .

جعفر المهاجر- السويد

5/10/2009