الرئيسية » مقالات » حواديت …الأصمعي ود.سلام فياض

حواديت …الأصمعي ود.سلام فياض

الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء الدولة العباسية وأقواهم، وهو مشيد مدينة بغداد وجعل منها عاصمة الدولة العباسية، عمل على تقوية دعائم الدولة العباسية حتى وإن جاء الخطر من حلفاء الأمس، كما فعل مع أبي مسلم الخراساني الذي قاد الحرب على الدولة الأموية في خراسان، وكان ملماً بالشعر والنثر ويمتلك قدرة فائقة على حفظ القصائد الشعرية من سماعها لمرة واحدة مهما طالت أبياتها، وكان عنده غلام يحفظ الشعر من قراءتين وخادمة بعد ثلاث ، وكان يطرب لسماع الشعر وفي الوقت ذاته حريصاً على المال العام فلا يغدقه على الشعراء، فوافق بين ذلك بأن وضع شرطاً أمام من يأته من الشعراء بأن يعطه وزن ما كتب عليه ذهباً إن كان الشعر من بنات أفكار الشاعر ويعود بخفي حنين إن كان منقولاً، فكان الشاعر يقف أمامه يتغنى بقصيدته التي سهر الليالي في نظمها، وما أن ينتهي منها حتى يعيد أبو جعفر المنصور على مسامعه ما قال، ويأتي بغلامه على مسامع الحضور ليردد القصيدة كما قالها الشاعر، ثم يأتي بالخادمة كي يقطع الشك باليقين فتعيد القصيدة بالبيت والكلمة، فيعود الشاعر مطأطئ الرأس في شك من أمره، وجلس الشعراء يوماً يشكون حالهم مع الخليفة، فمر عليهم الأصمعي وكل منهم يسرد تجربته مع الخليفة وكيف عاد أدراجه تحت حجة المنقول، فما كان من الأصمعي إلا أن قال لهم اتركوا الخليفة لي، فنظم قصيدة طويلة بأفكار متعددة وكلمات معقدة وحروف متشابهة عرفت فيما بعد بقصيدة ‘صوت صفير البلبل’، وجاء الأصمعي متنكراً بثوب أعرابي أمام الخليفة وبعد أن أكد له معرفته الشرط قال قصيدته بيتاً بيتاً، فاحتار فيها الخليفة فلم يتمكن من حفظها لصعوبة مفرداتها وغياب الربط بين كلماتها، فاستدعى الغلام عله ينقذه من ‘المطب’ فتلعثم الغلام ببعض الأبيات الغير مكتملة، فما كان منه إلا أن أمر الخادمة بإعادة القصيدة على مسامع الحضور فصنعت صنيع الغلام ولم تزد شيئاً، فلم يكن هنالك من مفر سوى إقرار الخليفة بملكية القصيدة للأعرابي ‘الأصمعي’ وعليه أن يوفي بشرطه، فقال له الخليفة هات ما كتبت عليه القصيدة لنعطيك وزنه ذهباً، فقال الأعرابي نقشت القصيدة على عامود من الرخام ورثته عن والدي لا يتمكن من حمله سوى أربعة رجال، فكان وزنه يعادل ما في خزائن الخليفة من ذهب، وقبل أن يغادر الأعرابي مجلس الخليفة عرف أنه الأصمعي والسبب وراء حيلته هذه فاتفق مع الخليفة على إعطاء الشعراء حقهم تشجيعاً لهم، حال الشعراء مع الخليفة المنصور كحال من تحدث مع رئيس الوزراء ‘د. سلام فياض’ حول ضرورة حل مشكلة تفريغات 2005 وإعطائهم حقوقهم التي نص عليها القانون، فكل من تحدث إليه حول الموضوع يرجع خالي الوفاق على اعتبار أن حديثه منقول، لتتواصل معاناة الآلاف في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي يحياه قطاع غزة، وضاقوا ذرعاً من شكواهم التي طرقوا بها كافة البواب دون إجابة من الحكومة تعيد لهم ما سلب منهم من حق بين، وصرف رواتبهم لا يمكن لأحد كان من كان أن يسجله تحت بند هدر المال العام، ولسنا هنا بصدد سرد تفاصيل معاناتهم خلال الشهور السابقة، فمن المؤكد أن د. فياض يعرفها ويدرك أبعادها، وليس بحاجة لمن يعيد على مسامعه تفاصيلها الدقيقة، وقضيتهم لم تعد تحتمل التأجيل والتسويف، ولم يتبق أمام أصحابها من ملجأ إلا هرولوا إليه على أمل أن يحمل همومهم ويعود إليهم بحل طال انتظاره، وإن كنا نقر بحجم الجهد التنموي الذي تقوم به الحكومة إلا أنه يبدو أن تفريغات 2005 بحاجة لموقف أصمعي مع د. سلام فياض لإعادة حقوقهم إليهم.