الرئيسية » مقالات » إشكالات ؛العلمانية العراقية؛

إشكالات ؛العلمانية العراقية؛

حصرتُ العلمانية العراقية بين مزدوجين لكي اقول انه مصطلح قيد الجدل اوالشكوك، فليس ثمة –في الواقع- علمانية عراقية مقابل علمانيات اخرى، إلا حين يكون الحديث عن السمات الخاصة، المحلية، لعلمانية بشّرت وتبشّر بها نخب عراقية، وطرحت نفسها على طاولة البحث بلجاجة منذ سقوط الدكتاتورية الشمولية في البلاد، بوصفها شكلا من اشكال ترسيم الحدود(او فك الاشتباك) بين السياسة والدين.. بين المؤسستين السياسية والدينية في العراق.. بين الاختصاصات الدنيوية والاختصاصات الدينية.
وشأن أي قاعدة من قواعد بناء الدولة الحديثة (كالديمقراطية والليبرالية واستقلال القضاء والانتخابات) فقد عُرفت العلمانية في المجتمعات الصناعية عندما نأت عن الدولة الدينية التقليدية ووضعت مصدات للطغيان السياسي للكنيسة، وبدت طوال مئات السنين انها ظاهرة اوربية لا تصلح للتطبيق في المجتمعات الشرقية الاسلامية، بل انها قدمت(او تُرجمت) مشوهة في الكثير من المطالعات، اما في محاولة تعقيدها ورفضها بوصفها “نعرة” الحادية، اوفي تبسيطها المفرط باعتبارها اجراء شكليا يضع وظائف ادارية محضة للمؤسستين الدينية والسياسية.
غير انه من الخطأ القول بان الدعوة الى (وحتى ممارسة) شكل من العلمانية وحالات الفصل بين الاختصاصات لم تظهر في المجتمعات الاسلامية إلا في مراحل متأخرة، فان بعض معارضي الدولة الاموية، مثلا، عندما بايعوا معاوية خاطبوه بالقول: “نحن للأمة في أمور دينها وأنت للأمة في أمور دنياها” كما ان ثمة الكثير الحالات التي يجري فيها التشريع مجرى الفصل بين مؤسستي الخلافة والفقه.
وإذ فسرت المعاجم المعتمدة العلمانية بأنها:”مفهوم سياسي يقتضي الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. الدولة لا تمارس أية سلطة دينية والكنائس لا تمارس أية سلطة سياسية” شاء المصلح الكبير محمد عبده ان ينطلق من هذا التعريف الى القول “لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين” فيما اعاد سعد زغول توليف الدعوة بمقولته الشهيرة “الدين لله والوطن للجميع” ولا غرابة طبعا ان تنشأ حركة الدعوة الى الدولة العلمانية بين كتاب في مصر مثل فرح أنطون وجورجي زيدان وشبلي شميل وقاسم أمين وعلي عبد الرازق والطهطاوي وأحمد لطفي السيد وطه حسين قبل غيرهم، فان
الدولة المصرية الحديثة تأسست قبل الكثير من دول المنطقة وان مدعاة اقامة نظام علماني استُمدت من المشكلات التي واجهتها الدولة المصرية في القرن التاسع عشر.
والان، بعيدا عن زوايا المصطلح واشكاليات التعريف الاكاديمي للعلمانية فان رابطة المواطنة على اساس العقد الاجتماعي(كما ترد في الكثير من دساتير الدول الاسلامية) وليس على اساس الدين والمذهب هو اللبنة الاولى في الدولة العلمانية.
الحق، ان الدعوة الى العلمانية لدى المجتمعات الاسلامية انطلقت في الوقت الذي تعذر اقامة الدولة الدينية على وفق مقولة العالم المودودي “الحكومات لا تستحق طاعة الناس إلا من حيث أنها تحكم بما أنزل الله” فان الغالبية الساحقة من الحكومات الاسلامية المطاعة اضطرت الى التخلي عن فروض شرعية اساسية مثل تطبيق العقوبات البدنية كالجلد وقطع اليد والرجم ، فضلا عن اسقاط جباية الجزية من مواطنيها غير المسلمين، والسماح للانشطة المدنية، بما فيها حرية الاعتقاد والولاء والتعبير.
وإذ دخلت المستعمرات الاسيوية والافريقية (واكثريتها مسلمة) مرحلة الثورة على التبعية والاستعمار الاجنبي فقد اخذت المراجع والهيئات الدينية دور الرائد في حركة الانعتاق والاستقلال، لكن سرعة نشوء الجيوش الوطنية وقيام العسكر بانقلابات في غالبية هذه الدول الحديثة الاستقلال كسر من نفوذ كتلة “علماء الدين” في السياسات القومية الجديدة، بل فتح عهد الصراعات المديدة بين الجانبين(مصر. الباكستان. تركيا) وانتهى الامر بالكثير من الدول الى محاولات تدجين المسجد من قبل انظمة الحكم الانقلابية وحكم العائلات او التوابع وفرض تفسير مقولة “اطاعة
اولي الامر” بالموالاة المطلقة للحكام على اختلاف مشاربهم.
كل هذا كان يجري في العراق، على نحو ما، وينبغي ان نضيف الى هذه القراءة حقيقة موازية تتصل بالتقسيم المذهبي للاغلبية المسلمة، ودور مرجعية النجف الناشط في مقاومة العثمانيين، والبريطانيين، ثم في تأسيس المملكة العراقية، قبل ان تضطرب العلاقة بين المرجعية ومؤسسة الحكم، صعودا ونزولا، طوال عهد الجمهورية، ودخول الطرفين في اجواء الريبة والمجابهات، وقد برزت العلمانية لدى الكثيرين، وفي شكلها المبسط، كحل يجنب البلاد دوامة الاحتراب، بل ان مرجعية النجف كانت(طوال صعود صدام حسين واشعال الحرب مع ايران) تلوذ بتفسير علماني تحت عنوان (الدين لا
يتدخل في السياسة) اتقاء بطش الدكتاتورية ودفعا لضغوط اجهزة السلطة لاجبارها على تأييد سياسة النظام ومبايعته.
وفيما تتزايد مساحة التفكير والبحث في جدوى وضرورات بناء منظومة فصل (او علاقة) علمانية بين الدين والسياسة في العراق الجديد فقد تزايدت-في مجرى ذلك- الحاجة بالنسبة لدعاة العلمانية الى حل مشكلات بنوية اعتراضية ذات بعد عميق في الخلفية الدينية، فان الاسلام نشا دينا في قلب السياسة، بالمعنى الذي يتعلق بالدعوة المحمدية المبكرة لتحطيم دولة الاستبداد القرشية ونبذ سلسلة طويلة من عقائد الحكم والادارة والتشريع وتداول السلطة واحلال عقائد جديدة محلها، مشار اليها في آيات القرآن، وفي طائفة واسعة من الاحاديث والمرويات والفتاوى.
وبمعنى ما ، مطلوب من العلمانيين العراقيين تاسيس ورش بحث فكرية لصياغة علمانية عراقية، يمكن ان تكون مقبولة من المجتمع باعتبارها صمام امان للسلام الاهلي وبناء دولة المواطنة.
والآن، ليس من دون مغزى ان تكسر جماعات وتكتلات واحزاب اسلامية عراقية، في خلال التحرك المبكر نحو انتخابات العام 2010، حاجز الحذر السياسي (وحتى الدعوي) من التعامل مع المفردة العلمانية والاستعداد للائتلاف الانتخابي مع شخصيات او فئات علمانية، ما يعني امرين، وقل تطورين، في خارطة الحراك السياسي، الاول، يكشف عن انحسار في مفاهيم التحفظ على فكرة الفصل بين الدين والسياسة وتزايد قاعدة الجمهور الذي شفي من الحساسية الدينية حيال العلمانية والعلمانيين، والثاني، النجاح النسبي(اكرر: النسبي) الذي حققه العلمانيون العراقيون طوال السنوات الست
الماضية في تقديم العلمانية في صيغة (وممارسة) لا تتعارض مع الدين ولا تناهضه او تقلل من شأنه، ولا تمنع هذه الصيغة ان يكون المرء علمانيا ومؤمنا في ذات الوقت.
وإذ بدا هذا التطور الواضح، للوهلة الاولى، ذي صلة بالدواعي الانتخابية، وظروف التنافس والائتلافات والاستقطابات والصراعات في صفوف الكيانات الطائفية، فان مصير هذا التحول سيبقى رهن الحشوة الفكرية التي ينبغي ان تنمو باضطراد وعمق نحو خلق استيعاب مجتمعي يقبل الدين والسياسة، ويعي في ذات الوقت افتراقهما، واستقلال كل منهما، ومواضع هذا الافتراق والاستقلال، بل وضرورات هذا الافتراق والاستقلال.
واذا شئنا الدقة فان المسؤولية عن تنمية الوعي المجتمعي الايجابي حيال العلمانية بوصفها قاعدة ورؤيا سياسية عن استقلال السياسة (الدولة)عن الدين (المذاهب)تقع في المقام الاول على العلمانيين العراقيين انفسهم، وينبغي هنا القول ان بناء فكري وتطبيقي متماسك عن العلمانية من شانه ان يعالج تلك الاشكاليات التي لا تزال قائمة في مشروع العلمانية العراقية، كما ينبغي التحذير من مواصلة بعض المطالعات التبسيطية التي قدمت الى الجمهور من قبل بعض العلمانيين وذهبت الى الايحاء بـ”الخصومة” بين العلمانية والدين.
ولعل في مقدمة الاشكاليات المطروحة على طاولة البحث دور عالم الدين في الصراع السياسي، فقد جرى تقديم هذا الدور من زاويتين متطرفتين، واحدة، من علمانيين عبّر بعضهم عن الضيق من إسهام عالم الدين في الحياة السياسية الامر الذي يتعارض مع حقوق الانسان والفروض الدستورية بصدد حق المواطن، أي مواطن، في ابداء الرأي والمشاركة في الحكم ، وزاوية ثانية، من اسلاميين يعدّون العلمانية كنقيض للدين.
افترض بان الفرصة مواتية الآن لتدشين مرحلة تفكير محورية في قضية العلمانية العراقية، او في الاقل، تأشير منطلقات هذا التفكير الموصول بضرورات بناء الدولة المدنية.
ــــــــــــــــ
كلام مفيد:
” أتعس أنواع الحكومات هى التي تفرض عليك أن تذكرها صباح مساء “.
همنغواي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة (الاتحاد) بغداد