الرئيسية » مقالات » ماذا يمكن أن نقرأ في ثنايا رواية ؛رسائل حب خليجية؛

ماذا يمكن أن نقرأ في ثنايا رواية ؛رسائل حب خليجية؛

عنوان الكتاب : رسائل حب خليجية
اسم الكاتب : جاسم المطير
الناشر : الدار العربية للعلوم ناشرون, بيروت
سنة النشر : طبيعة أولى 2008
عدد الصفحات : 288

للكاتب العراقي المعروف جاسم المطير الكثير من المؤلفات الغنية شكلاً ومضموناً, فهو منتج غزير وقارئ دؤوب وناقد سياسي واجتماعي ساخر, ومساميره ستبقى تلاحق من يستحق الملاحقة والنقد. قرأت الكثير من الكتب التي صدرت له خلال العقود الأربعة المنصرمة, كما قرأت له المئات من المقالات السياسية والنقدية التي نشرها في المهجر, أو قبل ذاك حين كان يمارس العمل الكتابي والصحفي في مجلة النفط والتنمية وفي صحف أخرى. وقد أكسبه العمل السياسي والعيش في السجون خبرة ومعرفة قيمة بالبشر, وعواقب التعذيب في سجون ومعتقلات نظامي البعث الأول والثاني تعيق اليوم حركة جاسم المطير وأتعبت جسده, ولكنها عجزت عن تعطيل عقله وفكره النير وثقته العالية بصحة القضايا التي يناضل من أجلها وقدرته على الكتابة والتعبير الصادق عما يختلج في داخله وممارسة النقد. ومع ذلك ورغم مرارة الغربة يمتلك الكثير من الحيوية والعقلانية والعفوية الواعية في الكتابة وفي التعبير النافذ لما يريد إيصاله. وقد أعجبتُ كثيراً بما قرأته له خلال الفترة المنصرمة. ولكن رواية “رسائل حب خليجية” منحتني فرصة التعرف بشكل أجود على المستوى الفني الرفيع الذي يمتلكه الصديق جاسم المطير في كتابة الرواية وحبكة أحداثها واللغة الغنية المتماسكة والشفافة التي استخدمها في إنجاز هذا العمل الروائي الجديد كل الجدة على أدبنا العربي والشرق أوسطي. فالكاتب قدم لنا في “رسائل حب خليجية” لوحة أدبية ذات قيمة تاريخية وذات مستويات وأبعاد عدة, إنها أشبه بلوحة تشكيلية متباينة في مستويات النظر إليها.
أبدع الكاتب في عملية المزج الممتع والهادف بين الحقيقة والخيال, بين الواقع والاغتراب عنه, بين الحب والكراهية, بين الادعاء بالدين والدين, بين الظاهر من الأمور والباطن منه, بين الصدق والمخاتلة, بين الأمس واليوم. وكان التاريخ أداة طيعة بين يديه للتعبير عن الواقع الراهن عبر الماضي المتجدد بصيغة ما دون إقحام قسري لما يجري اليوم في واقع الحال. إنها رسائل حب غير اعتيادية, فرائحة الذهب الأسود, وقبلها اللؤلؤ, يفوح منها. إنها المواد التي تجلب رأس المال لتضاعفه عشرات بل مئات المرات على حساب شعوب هذه المنطقة.
الأسئلة التي تدور في بال القارئة والقاري لهذه الرسائل الخليجية في الحب كثيرة, ولكن على الأقل يمكن طرح سؤالين الأول: لِماذا اختار الكاتب هذه الموضوع, ولم أختار هذه الأسلوب في الكتابة؟ والسؤال الثاني هو: ماذا نقرأ في هذه الرواية الصادرة في العام 2008؟
لا أعرف بالضبط الدوافع التي دفعت بالصديق الكاتب على اختيار هذا الموضوع, ولكن اقدر بأن الأحداث المتتابعة منذ عدة عقود في المنطقة ومن ثم في دولها يعاد إنتاجها مرات ومرات ولكن بصيغ مختلفة وبأشخاص آخرين, ولكن الأهداف تبقى واحدة والعواقب على شعوب المنطقة واحدة, وهي التي أراد بها الكاتب جلب انتباه القارئات والقراء إلى هذه الحقيقة, رغم أنه يعتقدون بالمقولة القائلة “المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين, في حين أن المؤمنين من شعوبنا لدغوا مئات المرات ومن نفس الجحر لا غيره, ولم يتعلموا منه شيئاً. واشعر بأن الأسلوب الذي اختاره أراد به أن يكشف عن الوجه المزدوج أو الوجوه العدة لأولئك الذين يسعون إلى تحقيق أهدافهم في بلداننا على حساب شعوبنا ويمارسون الأساليب الغبية التي تمر علينا ولا نحس بها لأننا ما زلنا نياماً وكأننا في سبات عميق لا نختلف كثيراً عن أهل الكهف. أن الطريقة التي عالج بها الموضوع استنفذت منه كتاباً واحداً, في حين استنفذت من الراحل الكاتب المبدع عبد الرحمن منيف خمسة أجزاء في كتابه الموسوم “مدن الملح” ليعبر عن نفس الموضوعات ويصل إلى نفس النتائج, ولكن بتكثيف رفيع وغير مخل.
يطرح الكاتب حاسم المطير في هذه الرواية مجموعة من الإشكاليات الكبيرة التي عاشها الخليج العربي خلال الفترة الواقعة بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, استفاد في ذلك من فن كتابة “الرسائل المتبادلة” بين عاشقين أوروبيين, وبتعبير أدق إنكليزيين, بين بطلي الرواية ليكشف لنا عن تلك المشكلات التي عانى منها الخليج والتي نحصد اليوم نتائج وعواقب تلك الفترة.
الكاتب يقدم لنا بشكل خاص رؤية تفصيلية لما كان يدور في رأس الرجل العربي في تلك الفترة, وخاصة الرأس العربي البدوي قاطن الصحراء, ومدى ارتباط ذلك بما هو تحت الحزام. لقد استطاع الروائي المبدع جاسم المطير استخدام “رواية ألف ليلة وليلة” خير استخدام وقدم أفضل وأدق تحليل حول العلاقة بين الرجل والمرأة وحول إعادة إنتاج هذه العلاقة جيلاً بعد جيل في هذه المنطقة من العالم, كما أشار إلينا بشكل فني ممتع ودون إسراف كيف تتم مثل هذه العملية المعقدة والمتوارثة اجتماعياً وليس جينياً عبر تكريس العادات والتقاليد والتربية اليومية وما يمكن تطويعه عبر الدين في تربية الأطفال.
فالمرأة سلعة تباع وتشترى, إنها سلعة لأغراض متعة الرجل وليست للمشاركة مع الرجل في المتعة الجنسية, إنها متعة من طرف واحد لا غير. فالرجل سيد الموقف, ولكن السيد الفعلي الذي يتحكم به ليس عقله بل سلاحه البائس المنتصب دوماً بين فخذيهً.
فالرجل البدوي أو العربي يحمل سلاحه الذاتي شاهراً إياه في وجه المرأة فيقتنص الواحدة تلو الأخرى ليزيد عددهن عما سمح به القرآن, إذ أن النبي كانت له أكثر من 10 زوجات وقيل 15 زوجة, يقول الشيخ صالح الكرباسي في مركز الإشعاع الإسلامي ما يلي: “إختلفت الأقوال في عدد نساء النبي محمد ( صلَّى الله عليه و آله) ، لكن المختار لدينا إعتماداً على ما رُوِيَ عن أئمة أهل البيت ( عليهم السَّلام ) أنَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلَّى الله عليه و آله ) تَزَوَّجَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَة ، منها ما دَخَلَ ( صلَّى الله عليه و آله ) بهنَّ من نسائه”,(راجع: موقع مركز الإشعاع الإسلامي”للشيخ صالح الكرباسي بتاريخ 2/10/2009, ك. حبيب), إذ يشير الشيخ صالح الكرباسي إلى أن النبي دخل بثلاث عشرة منهن ولم يدخل باثنين منهن. أما المجلسي فيذكر ما يلي: هناك أقوال أخرى منها ما رواه العلامة المجلسي عن ” المبسوط ” ، و ابن شهر آشوب عن أبي عبيدة أنه قال : تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثمانية عشر امرأة و اتخذ من الإماء ثلاثا ، راجع : ما ذكره العلامة محمد باقر المجلسي ، المولود باصفهان سنة : 1037 ، والمتوفى بها سنة : 1110 هجرية ، في كتابه بحار الأنوار : 13 / 389 ، و 22 / 191 ، طبعة مؤسسة الوفاء ، بيروت / لبنان ، سنة : 1414 هجرية ، و راجع أيضاً : ما ذكره محمد بن شهر آشوب المازندراني ، المولود سنة : 489 هجرية بمازندران ، و المتوفى سنة : 588 هجرية بحلب ، في كتابه مناقب آل أبي طالب : 1 / 159 ، طبعة : انتشارات علامة ، سنة : 1379 هجرية ، قم / إيران” (راجع: موقع مركز الإشعاع الإسلامي”للشيخ صالح الكرباسي بتاريخ 2/10/2009, ك. حبيب). في حين لم يسمح القرآن إلا بأربع زوجات (لا غير!), وما ملكت أيمانكم (لا غير أيضاً!). أما الخلفاء المسلمون في عهود الأمويين والعباسيين وسلاطين العثمانيين وأولياء الله “الصالحين” والولاة وقادة الجيوش “المغاوير”, فكانت لهم زوجات وجواري يصعب عدّهن في غالب الأحيان, إذ كانت خزائن الأمة مفتوحة لهم بشكل مطلق!, وقد زادوا على ذلك حين امتلكوا الكثير من الغلمان, فهم يعتقدون بأن الله يسمح لهم بذلك ما دام سيوفره لهم في الجنة كما جاء في الآيات الثلاث التالية: “تحدّث القرآن الكريم عن “الولدان المخلّدون” في ثلاث سور هي الواقعة والطور والإنسان: “على سرر موضوعة، متكئين عليها متقابلين، يطوف عليهم ولدان مُخلّدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين” (الواقعة، 15-18)، “ويطوف عليهم غلمان لهم كأنّهم لؤلؤ مكنون” (الطور، 24)، “ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا” (الإنسان، 19).” (راجع: من هم الولدان المخلدون في القرآن ؟, بقلم ناصر بن رجب).
المرأة العربية أو الشرق أوسطية هنا في ألف ليلة وليلة وفي الحياة العربية اليومية ليست سوى مشروع جنس وإشباع غير منقطع لِِلذات وشهوات الرجال, ووظيفتها إنتاج المزيد من الأبناء دون البنات والبقاء وراء حجاب. المرأة خائنة, خانعة, ذليلة, مهذارة, راضية بالخنوع للرجل رغم العدد المتزايد من الزوجات فوق رأسها وكثرة هائلة من الجواري الحسان المستعدات لفتح سيقانهن لسيدهن في كل لحظة يشاء أو لغير سيدهن كما يشاء صاحب الجواري الحسان. أما الرجل فهو النموذج والأسد القادر على إخضاعهن جميعاً وغير الواثق منهن والرافض لاحترامهن. إنها مصيبة الرجل في نظرته البائسة والوقحة إلى المرأة, إلى الأخرى! وهنا يذكرني أسم أحد الرؤساء الأفارقة الذي حين يترجم إلى العربية يكون كالآتي: الديك الذي لم تنجو منه دجاجة. هل يتذكر القراء من هو؟ إنه الحاكم الشمولي موبوتو سيسيسيكو, الذي حكم كونغو المستقلة (زائير) 32 عاماً من 1965-1997!
ليست تلك الجارية العالمة في الفقه والطب والتاريخ والحياة العامة التي أعجبت هارون الرشيد سوى محاولة يائسة من مؤلف قصص “ألف ليلة وليلة” للتقليل من أثم الرجال ورفع الغبن المسلط على عقل النساء, لاتهامهن أو اعتبارهن “ناقصات عقل!”. هل تذكر بنات وأنباء هذه المنطقة وكل المسلمات والمسلمين أين يرد مثل هذا النص, النساء ناقصات عقل؟ وحين تجتمع المرأة والرجل في مكان واحد فالشيطان ثالثهما! هل يمكن أن يكون يزايد أحد على هذا الشك اللعين والظالم بحق المرأة؟
جاسم المطير يمنحنا بهذه الرواية الجميلة فرصة التعرف أيضاً على الحب الذي لا يخضع للتمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس, أو يدلنا على الحب الشبقي الذي لا يُجهد المصابين به إلا من قلة الجنس, أو الحب الذي يعيش على اجترار الذكريات, وكذا الجنس الذي يخضع للوظيفة الحكومية والمصالح الدولية ومن أجل الوصول إلى توقيع وثيقة بالذل الدائم للشيخ الذي ارتضى لنفسه نهش قبيلته من أجل لحظة تجلي جنسي لا غير, “لقد نكح لندن ورب الكعبة” هكذا صرخ الشيخ عبد الله بعد أن استطاع أن ينام ليلة مع كريستين التي انتزعت منه في هذه الليلة جل ما كانت تسعى إليه لصالح بريطانيا, ولكن هذا الشيخ “الفحل!” نسى تماماً أنه بذلك فتح الأبواب أمام “نكح كل شعبه” وسرقة “ثروة قومه”, ورب الكعبة! وكذلك الحب الوظيفي الذي يسمح للعاشق أن يقبل بأن تنكح حبيبته لصالح وظيفته ومركز أعلى لهما مقابل تقدمها خدمة تقدمها لوزارته!
وبهذا كشف لنا الكاتب عن تلك الشبقية التي يتميز بها أمثال هذا الرجل العربي الذي أبدى استعداداً لا حدود له من أجل إشباع شهواته الجنسية في التوقيع على اتفاقيات أبقت شعبه أسير تلك الاتفاقيات لعقود طويلة لاحقة. إنه ليس شخصاً بعينه, إنه الرمز الذي تكرر ويتكرر مرات ومرات.
كما يمنحنا الكاتب فرصة ثمينة للتعرف على النوايا والمخططات الاستعمارية والصراعات بين الدول الاستعمارية وبين الشركات الاحتكارية حول النفوذ في منطقة الخليج والمؤامرات والمناورات والأساليب الملتوية التي كانت تحاك في وزارات الخارجية وأجهزة التجسس لصالح الحصول على ما يمكَّنها من البقاء واحتكار المنطقة لصالحها ومصالح شركاتها دون غيرها, إنها “المصالح الحيوية!”. ولم تكن تجارة السلاح إلا شكلاً من أشكال الهيمنة وإثارة الصراعات والنزاعات بين القبائل وتحقيق أقصى الأرباح ومن خلالها الوصول إلى أفضل المواقع والامتيازات.
رواية “رسائل حب خليجية” تقدم لنا, إضافة إلى أسلوبها الأدبي الرفيع والجديد, أربع مسائل مهمة, وهي:
1 . الدور الذي لعبته المرأة في السياسة البريطانية. وعلينا أن نتذكر هنا “مس بل” ودورها في تنصيب ملك العراق وتشكيل الوزارات في العراق وفي البناء الأول للدولة العراقية, إضافة إلى علاقاتها الوطيدة بشيوخ العشائر وتأثيرها الكبير على عبد الرحمن النقيب أول رئيس وزراء عراقي ومن كان على شاكلته والذي كان يناديها بـ”خاتون”. فجاسم المطير لم يخترع كريستين, ففي السياسة البريطانية الكثير من أمثال هذه المرأة ممن لعبن أدواراً مهمة في السياسة البريطانية في الدول المستعمرة والتابعة حينذاك. لقد كانت المرأة مهمة في مخططات السياسة البريطانية في منطقة الشرق الأوسط لما لها من تأثير كبير وحاسم أحياناً غير قليلة على “الفحولة” العربية!
2 . المبدأ الذي تعتمده السياسة الاستعمارية, “الغاية تبرر الواسطة”, إذ كانت تمارس كل الأساليب الملتوية والمضللة, بما في ذلك اللعب على قاعدة “فرق تسد” قبلياً ودينياً ومذهبياً للوصول إلى تكريس مصالحها في المنطقة. ولم تكن الاغتيالات السياسية غريبة عنها, ومن هنا لم يقبل سكان العراق حتى الآن بأسباب موت الملك فيل الأول في سويسرا أو مقتل الملك غازي بحادث سيارة.
3 . أهمية إبقاء هذه المجتمعات متخلفة, رغم كون السياسة الاستعمارية تفتح مجبرة أبواب الحداثة على هذه الدول بسبب ركض المستعمرين الأعمى وراء مصالحهم وليس حباً في تقدم هذه الشعوب, سواء أكان ذلك عبر تكريس ممارسات الصراع والنزاع والتمييز بين القوميات والأديان والمذاهب, أم بتكريس عدم ثقة الرجال بالنساء, أم بإبقاء المرأة خاضعة للرجل ولا تمارس حياة المساواة والحرية المطلوبتين والضروريتين لتطور المجتمع وتقدمه.
4 . والكاتب يضع أمامنا بانسيابية وموضوعية العوامل الكامنة وراء الأرتال الأولى من السياسيين والعاملين في أجهزة الأمن البريطانية أو الفرنسية التي وصلت إلى المنطقة بهدف التهيئة والتحضير وتوفير مستلزمات الحصول على قواعد اجتماعية مؤيدة للوجود الاستعماري في المنطقة, وعن الهدف المباشر من هذا الوجود الذي لم يكن يعني سوى استغلال ثروات هذه المنطقة. فإذا كانت في البداية مسألة الغوص في البحار لاستخراج “اللؤلؤ” ليحقق لهم أقصى الأرباح, فأن التنقيب فيما بعد عن الثروات في باطن الأرض, وخاصة النفط الخام, أصبحت هي المهمة التي استحوذت على عقول وسلوك كل العاملين, هذا الذهب الأسود الذي حقق لهم ولا يزال يحقق لهم أقصى الأرباح, في حين كلف ولا يزال يكلف شعوب منطقة الشرق الأوسط سيولاً مريعة من الدماء الزكية, كما لا يزال الفقر يعم نسبة عالية من سكان منطقة الشرق الأوسط, رغم غنى المنطقة بثرواتها أو خاماتها الأولية. وكانت المنطقة غنية بمستبديها والفاسدين والمفسدين ممن حكموا فيها والذين وجدوا الدعم والتأييد من تلك الدول.
وعلى امتداد الرواية يقدم لنا الكاتب معلومات قيمة عن العادات والتقاليد والطقوس القبلية, صراعات هذه القبائل ونزاعاتها, تحالفاتها واتفاقاتها وعهودها, وسبل حل الخلافات في ما بينها والأسس القويمة لهذه العلاقات, إضافة إلى علاقة الشيخ بقبيلته, ومدى الغنى الذي يتمتع به على حساب قبيلته وكثرة زوجاته وجواريه والعواقب الوخيمة لمثل هذه العلاقات ومصروفات الشيخ المالية على المنطقة وثرواتها.
إن الكتاب يضع أمام القارئة والقارئ لوحة كبيرة ملونة تجسد العلاقات البدوية وحياة البداوة وقبل انتقال تلك القبائل إلى حياة المدينة. ويمكن للمتتبع أن يقارن بين ما كانوا عليه هؤلاء القوم وبين ما هم عليه اليوم, فالسلوك لا زال بدوياً والعواقب لا زالت ذاتها رغم التقنيات الجديدة, فالعقلية ذاتها وما تحت الحزام ذاته لا ينقطع عن تسيير سيده!
إن الكتاب يكشف بما لا يقبل الشك عن كون الهدف الأساسي والمركزي للسياسات الاستعمارية في المنطقة كان اللؤلؤ والنفط وبقية الخامات, كان توظيف رؤوس الأموال والهيمنة على السوق وصادرات السلاح لها, وكذلك الاستفادة القصوى من الأيدي العاملة الرخيصة حينذاك, ولكنه مع ذلك أجبر على فتح نوافذ على حضارة وثقافة الغرب, كما اضطر إلى إقامة الشوارع والسدود والموانئ والسكك الحديد لكي يستطيع تمشية أموره الاقتصادية والتجارية والمالية, كما لم يكن أمامه إلى فتح مدارس .. وكان على شعوبنا أن تتابع هذا التناقض في هذه السياسة وأن تستفيد منه قدر الإمكان, ولكن الفائدة حتى الآن كانت ضئيلة.
أتمنى أن يُقرأ هذا الكتاب على أوسع نطاق, إذ أنه ليس جديداً بأسلوب روايته واعتماد الرسائل في متابعة الأحداث حسب, بل باللغة الغنية التي استخدمها الكاتب ومضمون الرواية وتسلسل الأحداث عبر الرسائل المتبادلة أيضاً. إن الرواية تمس الماضي, ولكنها تقربنا اليوم وبعفوية محببة من أحداث مختلفة من حيث المكان والزمان والأشخاص والأحداث, ولكنها متماثلة من حيث الفكر والعقلية والمضامين والعواقب.

23/ أيلول/سبتمبر 2009 كاظم حبيب