الرئيسية » مقالات » اليسار العربي: نقد وتوقعات ورؤيا النهوض الكبير

اليسار العربي: نقد وتوقعات ورؤيا النهوض الكبير

تناول موضوع اليسار العربي في هذا التوقيت بالذات، يحمل الكثير من المعاني والدلالات بخاصة لجهة نقده، ورسم رؤى مستقبلية له، وتكمن الأهمية ايضا في التعمق والقراءة الدقيقة، عندما يكون الباحث احد ابرز اليساريين العرب، الذي عاش هذه التجربة عن كثب، بل وكان واحدا من كبار الذين نظروا لها وعملوا في اطارها، واعني هنا امين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فقد صدر له مؤخرا كتاب «اليسار العربي: رؤيا النهوض الكبير (نقد وتوقعات)» عن دار الأهالي للطباعة والنشر وبيان للنشر والتوزيع.
واشار حواتمه إلى ان الكتاب هو نتاج جدل وحوار مباشر وغير مباشر، تفاعلات وتداعيات، بأبعاد فلسطينية وعربية وأممية، روادا ومناضلين، رجالا ونساء قدموا العمر كله، لدفع عجلة حياة وتاريخ شعوبنا وبلادنا تحت الشمس وإلى الامام، ومازال الدرب طويلا.
أما الناشران، فرأيا ان العالم من حولنا يتطور ويتغير، وعلينا نحن العرب ان نتغير ونتطور حتى نلامس ضفاف القرن الواحد والعشرين ونتقدم إلى الامام، فتحرير العقل والعدالة الاجتماعية، دوافع ومحركات مسار الشعوب والبلدان منذ فجر البشرية حتى الآن، والتاريخ صاخب بالتحولات الكبرى، الالتواءات والتراجعات، والاندفاعات لتحرير العقل، وهذا ما يفتح عليه الكتاب بروح جدلية نقدية ملموسة وعملية.
واضافا: ان التحولات الكبرى اليسارية الديمقراطية الجارية في أميركا الجنوبية والكاريبي، النهوض الكبير في الصين، فيتنام، جنوب شرق آسيا، وفي افريقيا، والأزمة العاصفة في الرأسمالية العالمية المتوحشة، ولجوء انظمة بلدان المركز الرأسمالي إلى اسلحة التجارب الاشتراكية بتأميم البنوك والشركات الكبرى، تؤكد انهيار وسقوط ايديولوجية ونظريات اليمين الرأسمالي عن «نهاية التاريخ» عند حدود العولمة الرأسمالية والنيوليبرالية.
إن اسوار الحالة العربية بامراضها المزمنة، والزمن العربي الدائري تهتزان في الميدان امام التحولات اليسارية الديمقراطية والتقدمية الجارية في العالم، نحو تحرير العقل، الاصلاح والانفتاح والعدالة الاجتماعية وقال: ان الشعارات العامة لاتقدم حلولا للأزمات العربية والفلسطينية المتراكمة، والأفق في يومنا يستداعي المراجعة النقدية والبرامج الملموسة، التحدي الكبير للسير مع قاطرة التاريخ.
نقد وتحليل
وفي عملية نقده وتحليله لليسار العربي، يلفت حواتمة إلى ان العالم يتطور، وعجلة التاريخ تدور حولنا ومطلع القرن الواحد والعشرين يفرض عمليات تجير العلاقة التحالفية بين جديد التاريخ الانساني ومعسكر التحرر الوطني الديمقراطي في العالم الثالث .. عالم الجنوب فلقد انهارت النظريات الفاشية، نظرية «نهاية التاريخ» للأميركي اليميني فرانسيس فوكوياما، ونظرية «صراع الحضارات» للأميركي اليميني صموئيل هنتنغتون، التي بنيت على تفكك وانهيار «التجربة الاشتراكية السوفياتية» وضرورات البحث عن عدو جديد»، وادعت انتصار «الرأسمالية النيوليبرالية المعولمة التاريخي رأسمالية «الاسواق نضبط نفسها»، عدم تدخل الدولة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية وعلى الوجه الآخر «حلول» صراع الحضارات بديلا عن صراع البشرية التاريخي نحو العدالة الاجتماعية.
ورأى ان التحولات اليسارية الكبرى في اميركا الجنوبية والوسطى الكاريبي (600 مليون)، وصمود الثورة الكوبية بقيادة يسارية جذرية وكسر الحصار من حولها، ما عدا الجار الشمالي، ادت إلى اعتراف إدارة الرئيس باراك اوباما بفشل سياسات الحصار الاميركي لمدة 47 عاما، وكسر تعليق عضوية كوبا في منظمة الدول الاميركية واستعادة حقها بين اسرة دول الاميركيتين.
ويشير حواتمة، إلى أنه لم يعد ممكنا الحديث عن اليسار العربي دون تناول تاريخه وتاريخ المجتمعات العربية نقديا، كذلك فإن مصطلح «اليسار» فضفاض ويحتاج إلى تحديد في البلدان والمجتمع الواحد وبين مجتمع عربي وآخر في المشرق والمغرب العربي، وايضا في مجتمعات المشرق والمغرب العربي في ظروف الذاتية والموضوعية المحلية والاقليمية والدولية المحيطة، بها، وفي حركة تطورها الايجابية والسلبية، ودون هذه اللوحة نقع في اخطاء، ورأى ان بعض من صنفوا في خانة اليسار من الذين يغيب عنهم النشاط العام، وناظمه القانوني المتمثل في النقد ونقد برامج العمل، ثم ضياع الرؤية بين التكتيك والاستراتيجية سواء بسواء عدمية انتظارية وبالمحصلة قدرية وشعبوية، بل ان بعضها في حركة الواقع وغياب الاستراتيجية في الهدف والبرنامج والتحالفات ذهب إلى التهاون والتعاون مع السياسة الأميركية الكونية والاقليمية بعد انتهاء الحرب الباردة الكونية المباشرة أو غير المباشرة على المسارات الاقليمية.
وعلى حساب اوطانهم وشعوبهم في عدد وافر من البلدان العربية ورغم وضوح الكوارث، والحصيلة المرة التي حصدتها تحالفات انظمة اليمين العربية واحزابها مع السياسة الأميركية. تحت سقف الحرب الباردة طيلة ستين عاماً، منذ الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا.
واضاف: هناك مفارقات وسفسطات وتلفيقات بعيدة تماما عن الأهداف الوطنية المحلية والقومية المشتركة، وبعيدة عن مصالح اغلبية البشر، وتفاقم الفقر والبطالة والأمية والتهميش، والانهيارات في الطبقة الوسطى واللامساواة بين الرجل والمرأة، وغياب المساواة في المواطنة، وكذلك تفاقم الازمات الآنية والطائية والمذهبية والحروب الاهلية، وانتشار الفساد والرشوة فضلا عن غياب الديمقراطية التعددية، كل ذلك بعيد عن اهداف اليسار الوطني الديمقراطي الذي يحتمل اية مساومات وشعوذات.
وحدد رؤية القوة في اليسار عضويا وبنيويا كالتالي:
– تحقيق السيادة الوطنية والقومية والتحرر من التبعية.
– التنمية الآنية المستدامة بكل ابعادها، وفي المقدمة تحرير العقل، الاصلاح والانفتاح.
– الحلول الديمقراطية لمشكلات: الآنية، الطائفية والمذهبية المزمنة.
– التطور الصناعي والتكنولوجي والعلمي.
– المساواة في المواطنة دون تمييز في الجنس والعرق والدين والمذهب.
– فتح نوافذ الحريات الفكرية والثقافية والسياسية، والحرية النيابية بدون قيود سلطوية.
الحالة العربية
في الحالة العربية، يحيل البعض تعدد هذه الأهداف إلى البنى المتخلفة بنيوياً وتاريخياً، التي ولدتها الأنظمة الطبقية الاستبدادية على مساحة عشرات القرون بما فيها الامبراطورية العثمانية وما بعدها أنظمة التحالف الطبقي الاقطاعي – الكومبرادوري، من تخلف اجتماعي سياسي واقتصادي، اخلاقي ومعرفي برعاية الاستعمار القديم والجديد، وما بعد الاستقلال عن الأجنبي الخارجي ودون الاستقلال الديمقراطي الداخلي شرط تحرير العقل والتقدم نحو النتيجة وحل المعضلات التاريخية المزمنة: الإثنية، الطائفية، المذهبية، المساواة في المواطنة، المساواة بين الرجل والمرأة، ويحيل آخرون الفشل إلى اغتصاب فلسطين أو تجزئة بلدان وشعوب المشرق والمغرب العربي بتقطيرها.
ويري المؤلف ان المسؤولية الأولى هي على النخب الطبقية الاجتماعية والسياسية الحاكمة المتعاقبة في تاريخنا وخاصة منذ انهيار «دار الحكمة وتقديم العقل على النقل»، وطغيان النقل على العقل، بحرب أهلية شاملة زمن الخليفة المأمون عام 813-833، ادت إلى الاطاحة به وقتله وتفكيك الدولة، والمجتمع إلى ممالك واقطاعيات على يد السلاجقة والاتابكة والمماليك، تقاسموا السلطان والبلاد والعباد، وصولاً إلى هيمنة الامبراطورية العثمانية الاقطاعية، والتخلف التاريخي الطويل الأمد حتى مطلع القرن العشرين، الاستعمار القديم والجديد تجاور بل تساكن واعتمد الموروث التاريخي والتشكيلات الطبقية الاقطاعية الكومبرادورية حليفاً وقاعدة اجتماعية، ثقافية، وسيكولوجية قدرية، فكرية وسياسية، وحارب كل المشروع النهضوي العربي الحديث، واحتضن طغيان النقل على العقل في خدمة الهيمنة الامبريالية، ومشاريع العولمة الأميركية والتوسعية الإسرائيلية الصهيونية، وتفكيك مشاريع التطور العربية المحلية والقومية، حتى يبقى «الزمن العربي الدائري» يطحن مشاريع التقدم إلى أمام وتحرير العقل نحو العلم والمعرفة السلاح السحري الحقيقي لكسر «الزمن الدائري»، والأهم هو تجاوز العوامل البنيوية الضعيفة انطلاقاً من الواقع الفعلي للعالم الراهن، انطلاقاً من اتسامه بالترابط المتنامي واعادة النظر في سياسة ومنهج بناء الدولة الحديثة على آليات حرية العقل والتقدم إلى أمام.
البرامج والحلول
ورأى المؤلف ان اليسار الثوري الديمقراطي الفلسطيني هو الذي قدم البرامج والحلول السياسية الجديدة المرحلية والاستراتيجية وترشيد سلاح المقاومة، برامج الحلول لبناء الوحدة الوطنية للشعب في فلسطين المحتلة واخطار اللجوء والشتات، للثورة والمقاومة ولمؤسسات السلطة ومنظمة التحرير على أسس ديمقراطية وبقوانين التمثيل النسبي الكامل ووفقاً لتطور مسار القضية والحقوق الوطنية مرحلة بعد مرحلة.
وبنى توازنات وطنية فلسطينية بين اليسار واليمين والوسط في كل من الحركة الوطنية ومنظمة التحرير شفافة مبدعة وجدوية ائتلافية على قاعدة القواسم المشتركة والبرامج المرحلية في سياق عملية تطوير مهمات المقاومة وائتلاف منظمة التحرير على مساحة اكثر من ثلاثين عاما من 1964 الى 1994 الى ان انهارت التوازنات العربية من حولنا والدولية وتداعياتها على مسار كل الحركة الوطنية ومنظمة التحرير بأزمة شاملة لكل الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير وما ترتب ويترتب عليها من حصارات وانقسامات وانقلابات سياسية وعسكرية نحو اليمين بغطاء سياسي واعلامي يميني وتمويل مالي ومادي كبير اقليمي ودولي وتراجعات وارتدادات الاوضاع العربية الى الحلف الى اليمين وتداعيات ذلك على كل اوضاع حركة التحرر والتقدم العربية وتياراتها الفكرية والاجتماعية نحو اليمين ومشاريع اقامة توازنات وشبكة علاقات وتحالفات يمين- يمين بديلا عن الديمقراطية التعددية وتحالفات دفع حركة التحرر والتقدم والتحديث الى امام والى ضفاف العالم المعاصر.
عصر العولمة
واعتبر في العصر الراهن بعصر العولمة الاقتصادية ان العالم يعيش عصر التكتلات الكبرى الاقليمية الاقتصادية بما يمليه من تكامل وتقليص الفجوة الحاصلة مشيرا الى ان التجربة الاوروبية قد تبدو مفيدة للدول العربية حيث تبرز الارقام من عام 1986 الى 1999 ان معدل الناتج المحلي الاجمالي لأفقر اربع دول في الاتحاد من 56 بالمائة الى 78 بالمائة ويعود الفضل في ذلك الى المساعدات السخية والتجارة الحرة الداخلية من داخل الاتحاد وكذلك السياسة الحكمية والرشيدة من قبل متلقي المساعدات وتصحيح التفاوت ورأى ان البشرية تمر بمرحلة انتقال جديدة وربما طويلة الامد بفعل التناقض الجديد بين المليار الذهبي ومليارات الاطراف والذي تفاقم بعد تفكك وانهيار التجربة الاشتراكية السوفياتية وبعد الازمة الطاحنة في العولمة الرأسمالية المتوحشة وانهيارات النظام المالي الرأسمالي العالمي وتدخل دول بلدان المركز الرأسمالي وفي الاقتصادات الصاعدة وفي الدول الرأسمالية الناشئة في العالم الثالث بالتأميم على حد التعبير الاوروبي الاستحواذ والشراء بتعبير الادارة الاميركية والسياسية المحافظة النيوليبرالية لانقاذ الرأسمالية من ازمتها الراهنة مشيرا الى انه تم حتى الان صرف اكثر من 6 تريليونات دولار قدمت الادارة الاميركية منها 1800 مليار دولار او ما يوازي تريليونًا وثمانمائة مليار دولار وتحملت اوروبا وحدها 2600 مليار يورو وقدمت اليابان واقتصادات الدول الصاعدة والدول الناشئة في العالم الثالث الثقل والعبء المالي الاكبر لاعادة تأسيس وتقنين النظام الرأسمالي العالمي على اكتاف مليارات البشر من الطبقة الوسطى والطبقات والشعوب الفقيرة من دافعي الضرائب ليزداد الفقراء فقرا وحيتان الرأسمالية ثراء ومالا وقال باختصار انها الاشتراكية للاغنياء والرأسمالية المتوحشة للبقية.