الرئيسية » شؤون كوردستانية » الهدنة الكوردية بين الفعل، ورد الفعل

الهدنة الكوردية بين الفعل، ورد الفعل

ثلاثة أسابيع انقضت منذ إعلان منظومة المجتمع الكوردستاني، مبادرتها بتمديد فترة وقف إطلاق النار حتى منتصف يوليو/ تموز 2009، وقبول قوات
الدفاع الشعبي الكوردستاني لتلك المبادرة، لإتاحة أوسع فرصة، أمام السياسيين، لتفعيل آليات الحل السلمي االديموقراطي، للصراع المستحكم بين الدولة التركية، وقوى التحرر الديموقراطي الكردستاني، ولا جديد! ثلاثة أسابيع انقضت منذ آخر تصريح للرئيس التركي عبد الله جول، حول ضرورة العمل على حل المشكلة الكوردية، ولم تقدم الدولة التركية رؤيتها للحل السياسي، لتلك القضية، حتى الآن، بل استمرت في تقديم الوجه العسكري للحل من وجهة نظرها، ثلاثة أسابيع مضت ولم تكف قوات الجيش التركي عن المضي في مغامراتها العنترية العسكرية غير المحسوبة، ضد المناطق، والجماهير الكوردية، دون أن تكسر قوات الدفاع الشعبي الكوردستاني، من جانبها، قرار تمديد الهدنة. الطرف التركي نادى دوماً بإلقاء السلاح، من جانب حركة التحرر الكوردي، دون وعد بأي مقابل، ومع هذا فقد نفذت قوى التحرر الكوردية وقفاً لإطلاق النار، يعادل في تأثيره، ونتائجه، نزع سلاحها، ولو بصفة مؤقته، ومشروطة، لإتاحة الفرصة للدخول إلى مائدة حوار دون وجود أي ضغط عسكري، أي أنها بادرت من جانبها باتخاذ موقف وسطي، ولكن دون نتيجة إيجابية، حتى الآن، دون أن يقدم الطرف التركي، من جانبه، ما يشجع على الاستمرار في وقف العمليات العسكرية!
كوردستان ليست بستان أزهار لمن يريدون بها شراً، ولا منتجعاً سياحياً لاستقبال الجنود الأتراك المدججين بالسلاح، والحقد العنصري، والعنف الدموي ضد شعبها المسالم، فلا يتصور أحدٌ أن صمت قوات الدفاع ضعف، وقلة حيلة، بل هو التزام بقرار، وموقف سياسي، بمبادرة محددة المدة، معلقة بأهداف تفعيل أفق للحل السلمي، هو وقف مشروط، للعمليات العسكرية الكوردية الدفاعية المشروعة، مشروط بفتح مائدة حوار سياسي. لا يمكن لعاقل أن يتصور أن مقاتلي الجريللا استجابوا لمبادرة تمديد وقف إطلاق النار لشهر ونصف، ثم خلدوا إلى النوم، إنتظاراً للفرج، فاستمرار وقف إطلاق النار، والتهدئة، لاتعني وقتاً ضائعاً، لا يتم توظيفه، إن كل متابع لمجريات الأحداث في شمال كوردستان، خلال السنوات الماضية، يدرك جيداً، أن قوات الجريللا لا تخلد إلى الاسترخاء مطلقاً، بل تستفيد، في كل سانحة، بإعادة توزيع تشكيلاتها، ورفع درجة الاستعداد والتدريب والتعبئة، وتدعيم الخطوط الدفاعية، وتغطية النواقص، وتكثيف الخبرات المكتسبة، وتعميمها وتوظيفها ميدانياً، ورصد وتتبع حركة القوات التركية، غير المرحب بها كوردياً، الكل يعرف أن الوضع، في تلك المنطقة، الآن، يقف على فوهة بركان، فإما الدخول في مفاوضات، وإما استمرار الكورد في نهج الدفاع المشروع، ومن يتصور أن الموقف العسكري لقوات الدفاع ما بعد التهدئة والهدنة، هو نفسه، ما كان قبلها، يعيش وهماً يفتقد حسن التوقع.
لقد أثبتت قوات الدفاع الكوردستاني، وحركة التحرر الكوردية، عبر مبادرات التهدئة، ووقف إطلاق النار المتكررة، جديتها، ونهجها المسؤول في البحث عن حل سلمي للصراع، كما أثبتت أن سفك الدماء ليس هدفها، ولا حرفتها، ولا مبتغاها، وغايتها، ولكن يخطئ من يتصور، أنه يمكن خداع حركة التحرر الديموقراطي الكوردية، واستغفالها!
والسؤال: ماذا تنتظر الحكومة التركية؟ لماذا لم يطرح جول، أو أردوغان، التصور السياسي للحكم التركي، عن حل القضية الكوردية؟ أم أن الحل الوحيد المختار من جانبهم هو الحسم العسكري، الذي يتصورون، وهماً، أنه مجدي مع قوات الدفاع الكوردستاني!
الرئيس التركي يتحدث عن ضرورة حل القضية الكوردية، وتتعالى أصوات صحفية تركية عن إمكانية، بل وضرورة البحث عن، حل سياسي، فيما يرد قائد الأركان بتصريحات استفزازية، وبتحريك قوات الجيش التركي، في أداء عدواني تجاه المناطق الكوردية، ثم تتكشف أوراق تحركات تآمرية، ذات صبغة انقلابية عسكرية، داخل قيادة الأركان، ضد سلطة الحكم المدني في تركيا، يعيد فيها قادة الجيش التركي طرح لعبتهم المعروفة، المملة، لعبة الانقلاب العسكري على مؤسسات الحكم المدني التركي حينما يختلف مع توجهاتهم الدموية العنصرية، تلك اللعبة الممجوجة، والآداء التآمري، الذي لا يجيد الجيش التركي سواها، ودأب على تكرارها طوال ثمانين عاماً مضت، فلم تورث البلاد سوى التردي والعقم والدوران في حلقات مفرغ، هل نحن أمام تمثيلية تتوزع فيها الأدوار بين ممثلين سياسيين، وآخرين عسكريين، بين جذبٍ وشد؟ أم نحن أمام انقسام داخل أجهزة الدولة التركية؟ هل الصراع دائر بين حركة التحرر الكوردي، من جانب، وجهاز الدولة من الجانب الآخر، أم أن جهاز الدولة التركية، نفسه، ليس كتلة موحدة، ولا تمتلك قراراً سياسياً موحداًَ، وملزماً، لأجهزتها السياسية، والعسكرية؟ تصريحات من عبد الله جول حول ضرورة حل القضية الكوردية سلمياً، يعقبها تهديد من إلكر باشبوغ رئيس أركان الجيش التركي بالبحث عن قوات الدفاع الشعبي الكوردستاني وتعقبهم والقضاء عليهم! هل نحن أمام دولة تحكمها مؤسسات مدنية، وحكومة مدنية، تقرر السياسات، ويستجيب الجيش لتنفيذ توجهاتها السياسية؟ أم نحن أمام دولة يحكمها العسكر، من وراء ستار، ويرضخ لهم السياسيون؟ لمن تميل توازنات القوى داخل الحكم التركي، للعسكر أم للمدنيين؟ هل هناك تصاعد للصدام بين القوى الفاشية العنصرية، التي يحتل الجيش مقدمة صفوفها، وبين سلطة الحكم التركي المدنية؟ الأولى بفعل فشل حملاتها العسكرية المتتالية على المناطق الكوردية، وانفضاح وسقوط تنظيمها السري التآمري “أرجنه كون”، والثانية بفعل عجزها السياسي، تارةً في الانتخابات، وتارةً أخرى عجزها عن اتخاذ القرار الصائب فيما يتعلق بالقضية الكوردية؟ عجزها عن ترجمة التصريحات الكلامية حول حل الصراع، وتحويلها إلى مبادرة عملية، بفتح الحوار على مائدة تفاوض؟ كيف يمكن أن تنشد سلطة الحكم التركي الحل السلمي، وفي الوقت نفسه، ترفض تلك السلطة إدارة حوارٍ مع الطرف الآخر للصراع، الطرف الكوردي، ممثلاً بحزب العمال الكوردستاني، أو بحزب المجتمع الديموقراطي، هل نحن أمام حالة انفصام في الشخصية السياسية، والتوجه السياسي للحكم التركي؟ أم أنهم يستهلكون الوقت، وبلا عائد، لتستمر دائرة الصراع المفتوحة ثلاثين عاماً أخرى، ويستمر نزيف الدماء الزكية الكوردية، واستنزاف موارد الدولة التركية، وثرواتها، ودماء خيرة أبنائها، في حرب داخلية مفتوحة، تهدر طاقة أبناء الوطن، بأكراده، وأتراكه، وتهدر إمكانية النهوض الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي! إنها حالة عبثية، لا يستفيد منها سوى قادة الجيش، الذين يتعاقبون، واحداً كل عامين، على قيادة الأركان! ينشدون منها ضمان استمرار استفراد قادة الجيش، بمقدمة صفوف صياغة السياسة التركية، بحجة اشتعال صراع مسلح في البلاد، ولا يستفيد منها سوى قيادة سياسية عاجزة وانتهازية لتركيا، تصر على استمرار صراع مسلح، يكفل لهم التفاف جماهيري، حول حزبهم السياسي، الذي ما عاد حزباً للعدالة! ولم يحقق أي تنمية! تحت دعاوى رص الصفوف في زمن الأزمة التي، وعلى المستوى العملي، لا يريدون لها حلاً نهائياً. يبدو الأمر كما لو كان لعبة سياسية، يسترزق منها انتهازيو السياسة، وقادة العسكر، ولكن مستقبل الشعوب، ومصائرها ليست لعبة!
من جانبٍ آخر، يبدو أن الطرف الكوردي ليس أمامه سوى التمسك بنهج الدفاع المشروع عن المناطق الكوردية وحرية القرار السياسي الكوردي بكل قوة، والتحرك، في الوقت نفسه، على مسار الحل السلمي، فهو مازال مدعواً لطرح المزيد من المبادرات السياسية، التي تزيد الضغط السياسي على الحكم التركي، داخلياً في تركيا، وخارجياً على المستوى الدولي، فأمام ميل الإدارة الأمريكية المعلن، لتفعيل الحلول السياسية في منطقة الشرق الأوسط، والابتعاد، في هذه المرحلة عن الحلول الصدامية العنيفة، والإكتفاء بها في باكستان وأفغانستان، فحسب، فالطرف الكوردي مدعوٌ بقوة إلى تشديد النضال الجماهيري الديموقراطي الضاغط لانتزاع أوسع حقوق ديموقراطية وسياسية، ومدعوٌ إلى التقدم باتجاه عقد المؤتمر الموسع للقوى الكوردية الفاعلة في الساحة، بهدف بلورة توجه استراتيجي للشعب الكوردي، وقواه السياسية، في الأجزاء الأربعة من كوردستان، نحو انتزاع الحقوق الديموقراطية، وبلورة خطوط عامة ملزمة، وإعلان قائمة مطالب واضحة ومحددة، يتم التوجه بها إلى القوى الدولية، لفرض مناقشتها، والتفاوض بشأنها مع الدولة التركية، كأساس للحل السلمي، وفي الوقت نفسه، تتجسد قائمة المطالب تلك، كبرنامج عمل أساسي، أمام القوى السياسية الكوردية، تترجمها تلك القوى السياسية في كل جزء من كوردستان، إلى خطة عمل تفصيلية، وفقاً لظروفها الخاصة، ومعطياتها المحلية، وإذا كان هناك من القوى السياسية الكوردية، من وصل إلى حالة من العجز، وعدم القدرة على التحرك السياسي البناء، والاكتفاء بردود أفعال، لما يتم إلقاؤه لهم من فتات موائد الدولة التركية، والقوى الدولية الكبرى في العالم، والمنطقة، فقد آن الأوان للقوى الكوردية، التي تملك زخم الفعل، بأن تبادر هي لاتخاذ الترتيبات لعقد المؤتمر المنشود، الذي كثر الكلام حوله طوال أشهر، دون أن يتحقق في الواقع، لتجاوُز حالة كردية فات زمانها، بعد نتائج انتخابات 29 مارس/ آذار 2009.
آن الأوان لإبراز قضية الأكراد، كقضية رئيسية في المنطقة، كقضية مطالب عادلة ومستحقة لشعب، تحتاج من المجتمع الدولي التحرك للضغط في اتجاه حلها، وتحقيقها، آن الأوان للدفع بقضية الأكراد لواجهة الحدث، الوقت الآن مهيأ للدفع بالقضية الكوردية، سياسياً، لتأخذ مكانها في رأس برنامج الأولويات السياسية في المنطقة، إن التمترس خلف آليات العمل السياسي التقليدية، القديمة، لم يعد مجدياً، فقد تجاوزته الأحداث، واقع القاهرة الأكراد السياسي يمكِّنهم الآن من التقدم لدائرة الفعل، وليس انتظار أفعال الآخرين.

القاهرة في 20/6/2009