الرئيسية » مقالات » تأسيس جمهورية الصين الشعبية..دروس وعبر!

تأسيس جمهورية الصين الشعبية..دروس وعبر!

“يموت العالم القديم،والجديد لم يولد بعد،وفي هذا الجو المضيء- المعتم،ترتع الوحوش”

تشجع احتفالات الذكرى السنوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية،واعلان ماو تسي تونغ في الاول من تشرين الاول 1949 قيامها،البشرية على التعلم من التقاليد الثورية وخوض غمار الكفاح العنيد لنيل الاستقلال الوطني الناجز والسير قدما في طريق الاصلاحات في ظل الاوضاع الدولية المتغيرة.وسجل تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 بداية الثورة الاشتراكية في هذا البلد،ولازال القطاع الحكومي حتى يومنا هذا هو المهيمن في اقتصاده.
شهدت الصين منذ تأسيسها تغيّرات كبيرة وانجازات عديدة في كافة المجالات،خاصة في المجال التجاري حيث يشكل اجمالي الناتج المحلي للصين ما يزيد عن اربعة الاف مليار دولار اميركي،فيما يصل الاحتياطي الدولي الى اكثر من 2000 مليار دولار،وحجم التجارة الخارجية للصين بلغ 2560 مليار دولار اميركي،وهو امر جعل البلاد تحل على مدار السنوات الاربع الاخيرة في المركز الثالث عالميا من حيث حجم التجارة الخارجية،كما تشهد استمرارا في النمو السريع للاقتصاد!اما جيش التحرير الشعبي فهو اضخم جيش في العالم،حقق”قفزة نوعية”في مستوى تسليحه،ويملك 52 نوع من المعدات العسكرية من صنع صيني بنسبة 100%!ان التطور الاقتصادي الهائل الذي شهدته الصين خلال العقدين الاخيرين جعل هذا البلد الكبير وكثيف السكان ينتقل الى مصاف القوى الاقتصادية – السياسية الكبرى في العالم،والصين اليوم عضو دائم في مجلس الامن الدولي.
استهدفت الثورة الصينية التحرر من الاستعباد الامبريالي واحراز الاستقلال الوطني الحقيقي وتصفية مخلفات القرون الوسطى والاقطاعية،وتحطيم جهاز الدولة القديم واستبداله بنظام سياسي جديد ديمقراطي،وتصفية الرأسمال الاحتكاري ونقل المراكز الحساسة في الاقتصاد الوطني الى ايدي الدولة.الثورة الصينية – ثورة ديمقراطية شعبية بحق دمجت النضال الوطني التحرري ضد العسكرياتية اليابانية بنضال الشغيلة الثوري،وكان الحزب الشيوعي الصيني قائدا ملهما محتقرا للغطرسة والتعجرف والتعالي والولائية،وادرك موضوعية الاحداث بعقلانيــة وبصيرة ثاقبة وعلمانية غير مهادنة واهمية الزمن كونه سيف ذو حدين!
لم يخلو النشاط الشيوعي طيلة تاريخ الدولة الصينية الشيوعية حتى اليوم من شحنات سلبية اساءت الى سمعة الشيوعيين وابعدت قسم من الناس عن الكفاح الثوري،الا انه لا يتجرأ حتى ألد اعداء الاشتراكية على نكران تأثير الثورة الصينية وعموم الثورات الاشتراكية الكبير على مصير الانسانية!وتشير تقارير الامم المتحدة الى ان الصين تتساوى مع الولايات المتحدة فى مستوى التفاوت الاجتماعى،فكلاهما يقف عند 0.45 طبقا للمقياس العالمى المعترف به للتفاوت الاجتماعى،وان هذه الفجوة بين الأغنياء والفقراء حدثت خلال جيل واحد،وادت الى حرمان وتدهور اوضاع مئات الملايين من الصينيين.
تبقى الثورة الصينية ملحمة كفاحية جبارة ومذهلة في الزحف الطويل لاقامة حكم الشعب رغم اعوام الاضطهاد السياسي والتبقرط الحزبي والركود والجمود العقائدي التي لم تستطع بمجملها ان تقضي على روح الثورة الصينية ومثلها الكامنة في نفوس المواطنين!راية التجديد الاصيل عبر الاصلاحات الاقتصادية،والتطوير السريع للاقتصاد وفسح المجال الواسع لاقتصاد السوق والاستثمارات الخارجية فيما يسمى باشتراكية السوق- كونها مرحلة من التحول طويل المدى نحو الاشتراكية(الطريق المختصر لبناء الهياكل الأساسية للرأسمالية ومؤسساتها،مع التقليل بقدر الامكان من الاحتكاكات والآلام المصاحبة للتحول الى الرأسمالية)لا زالت شعار الحزب الشيوعي في الصين الشعبية،مع اتخاذ كل اجراءات الحيطة واليقظة للاستفادة من مأساة تجربة تفكك الاتحاد السوفيتي ونهوض المشاعر القومية العدائية- النتيجة الحتمية للثورة الديمقراطية البرجوازية المضادة بقواها من بيروقراطية حزبية،وبورجوازية ظل،ورأسمال اجنبي.
يدرك الحزب الشيوعي ان الاشتراكية تعني قبل كل شيء تحرير الانسانية،وبالتالي بناء شكل من تنظيم المجتمع متحررا من الخضوع لمتطلبات التراكم الرأسمالي،وبذلك تكون الاشتراكية والديمقراطية غير قابلين للانفصال.ويدرك الحزب الشيوعي ايضا ان انتصار المستقبل الاشتراكي العادل للبشرية هو في نهوض التموذج الناجح الذي يعيد فتح الآفاق امام المشروع التاريخي والذي ضحى ملايين البشر من اجل تحقيقه.مع ذلك لا تقل البورجوازية الصينية الجديدة في انانيتها وابتذالها عن البورجوازيات الكومبرادورية والطفيلية في بلدان العالم الثالث المعاصرة،رغم انها لا تحتل حتى الآن واجهة المسرح السياسي لكنها لا تُعدَم الوسائل(بالإفساد ضمن وسائل أخرى)للتأثير على القرارات.ويبدي شباب الطبقة الوسطى المزدهرة مظاهر “الأمركة”،وفي الوقت الذي كان فيه أبناء العمال يذهبون فيما مضى للاتحاد السوفييتي لتعلم صناعة محركات الطائرات،فان أبناء الطبقة الوسطى الجديدة يذهبون للولايات المتحدة لتعلم”ادارة”الفنادق!.سيحدد المستقبل مدى صواب السياسات التي اتبعت في العقود الاخيرة من منظار التحول اللاحق تحو الاشتراكية!
ان النجاحات التي تحققت كالنمو الاقتصادي المتوازن والنمو الحضري(انضمام 200 مليون نسمة لسكان الحضر)واستيعاب التكنولوجيا بشكل فائق لم تكن قد تتحقق بدون الثورة وميراثها الكفاحي الضخم وادارة النضال الوطني التحرري بكفاءة ودراية متقدمة.”الصين بلد فقير لا نرى فيه سوى عدد قليل من الفقراء”والصين تطعم 22 % من سكان العالم مع انها لا تمتلك سوى 6 % من الاراضي القابلة للزراعة في الكوكب،وهذه هي المعجزة الحقيقية!بالطبع انها المعجزة الحقيقية اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الصين بدأت من مستوى تطور اكثر تخلفا من روسيا اكتوبر 1917.
نقلت الثورة الصينية مجتمع هذه البلاد الى الحداثة،والمجتمع الصيني مجتمع حديث بحق،ويتضح هذا من جميع مظاهر تصرف مواطنيه.ويعيش الصينيون حاضرهم،غير متأثرين بتلك الأنواع من الحنين الى ماض اسطوري معاد تشكيله،وهم لا يعانون من مشاكل”الهوية”.ويمتلك كادحو الصين الثقة الكبيرة بالنفس،ويعرفون ان نضالاتهم تؤتي ثمارها،وقد تخلصوا لدرجة كبيرة من مواقف الخضوع.المساواة قيمة مهمة في الآيديولوجية العامة بالصين الشعبية،وفي الصين لازال الحصول على الأرض احد الحقوق الأساسية المعترف بها،ويدرك الحزب الشيوعي ان التخلي عن هذا الحق يعني تحويل الأرض الى سلعة!
عندما يشار للصين الشعبية يأتي ذكر(ماركس،انجلز،لينين،ماوتسي تونغ،دينغ هسياو بنغ).وماوتسي تونغ هو زعيم المرحلة الأولى في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني وحقق انتصار الثورة الديمقراطية الصينية الجديدة بفضل اظهاره لدور الفلاحين بشكل رائع وعارض طريق النزعة الاصلاحية.وحتى بعد تأسيس الصين الجديدة،ظل يتمسك بجعل الصراع الطبقي مركز ثقل اعمال الحزب،وطبق الماركسية بصورة مرنة.ودينغ هسياو بنغ هو المرشد والاب الروحي لكل التحولات الاقتصادية اللاحقة والمتواصلة حتى الآن.واكد الحزب الشيوعي الصيني لاحقا ان المسارات الموضوعية للتطور الاجتماعي في الصين لا تأتي بالقفزات الكبرى والثورات الثقافية او المغامرات التي تحمل طابع التسريع القسري في تحقيق التقدم الاجتماعي.
الرأسمالية ليست الأفق النهائي للبشرية،وسقوط مشروع بناء الاشتراكية في عدد من الدول لا يعني موت الفكرة ذاتها،كما بشّر بذلك منظرو الرأسمالية والمروجون لأطروحة”نهاية التاريخ”ومثيلاتها من التنظيرات التي تهاوت سريعا.وتتكشف يوما بعد يوم النتائج السلبية والآثار المدمرة لسياسات”الليبرالية الجديدة”واقتصاد السوق المنفلت،ويتسع نطاق النضالات الاجتماعية وحركات السلام والتحركات المناهضة للعولمة الرأسمالية،ويقترن ذلك بالبحث عن البديل والخيار الانساني الذي يلبي الطموح الى الديمقراطية الحقيقية والحرية والعدالة والمساواة والتقدم،وهي القيم الاساسية للاشتراكية.ويتجلى بعد اعوام قلائل على نشوء نظام القطب الواحد عالميا مأزق الرأسمالية المنفلتة وتعمق التفاوت الاقتصادي والاجتماعي والاستغلال على نحو لم يسبق له مثيل،واهدار الامكانات الهائلة التي توفرها منجزات العلوم والتقدم التكنولوجي.
اصبح العراق الذي ابتلي بالدكتاتورية المقبورة وآثامها على مدى عقود ساحة لاختبارات النظام العالمي الجديد ولشعاراته.واذ ينصب نضال الشعب العراقي في المرحلة الراهنة على انجاز الاهداف ذات الطابع الوطني والديمقراطي،فانه يتمسك بالخيار الاشتراكي لبناء المجتمع مدركا ان التطور الرأسمالي لن يحل الازمة البنيوية الشاملة التي تعيشها بلادنا منذ عقود طويلة،لان هذا النمط من التطور زاخر بالتناقضات والصراعات السياسية والطبقية والاستقطاب.ويتطلع شعبنا العراقي في نضاله الصعب العنيد المتعدد الاوجه الى المزيد من دعم وتضامن الشعب الصيني والحزب الشيوعي الصيني وكل قوى السلام والقوى والحركات التقدمية والديمقراطية في العالم لدحر الارهاب والطائفية السياسية،وازالة تركة الدكتاتورية والاحتلال،واستعادة السيادة الوطنية الكاملة،وارساء مقومات دولة المؤسسات والعدل والقانون،وبناء العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد،وفي سبيل النضال المشترك من اجل التحرر والديمقراطية والتقدم الاجتماعي،واعلاء قيم التقدم الاجتماعي والديمقراطية الحقة.

بغداد
2/10/2009