الرئيسية » مقالات » أي اتفاق ينتظر الفلسطينيون هذا الشهر ؟! …

أي اتفاق ينتظر الفلسطينيون هذا الشهر ؟! …

بقدر التفاؤل الكبير الذي عمَّ الأوساط الشعبية الفلسطينية غداة الحوار الوطني الشامل في 19 آذار/ مارس 2009، بقدر ما تسود اليوم أجواء القلق والخشية على الرغم من تأكيد مصادر مسؤولة مصرية وفلسطينية أن الموعد المقترح لعقد المؤتمر الوطني الشامل للتنظيمات والفصائل والشخصيات الوطنية المستقلة لمناقشة مشروع المصالحة النهائية الذي تعكف مصر حالياً على أعداد صيغته النهائية في ضوء ردود مكتوبة من كافة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وردود شفهية من قبل حركة حماس والذي تحمل أيضاً ردود واقتراحات فصائل المعارضة الفلسطينية المنضوية في إطار “التحالف الوطني”، سيكون يوم 18 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، يعقبه إصرار الطرف المصري على حفل التوقيع لإعلان اتفاق القاهرة للمصالحة لعام 2009.
أسباب القلق والخشية لدى الفلسطينيين لها ما يبررها، فبعد جولات الحوار الوطني الشامل (6 جولات) منذ آذار/ مارس الماضي والوصول إلى اتفاق شبه منجز، عادت قوى المحاصصة السلطوية للانقلاب عليه، ما يخشى منه الفلسطينيون اليوم أن يأتي الاتفاق الجديد المتوقع نسخة كربونية لاتفاق محاصصة سلطوي يجمد الخلاف مؤقتاً، لإعادة الاعتبار لحظوياً لقوى إقليمية ولتمرير صفقات أمنية وربما سياسية بدأت تباشيرها منذ اللحظة.
المخاوف الفلسطينية جاءت كون القيادة المصرية تتجه إلى فرض اتفاق على الفصائل الفلسطينية في المؤتمر المزمع عقده في 18 تشرين أول/ أكتوبر المقبل، يراعي القاسم المشترك للفصائل وتحديداً فتح وحماس في الجوانب التنفيذية، أي المصالح السلطوية وإعادة تشريع تقاسم النفوذ دون الاعتبار إلى الجوانب السياسية، أي إلزام الأطراف وتحديداً الممسكين بزمام السلطة في كل من رام الله وغزة بالعودة إلى المشروع الوطني الفلسطيني، ولا سيما وثيقة القوى الأسيرة التي سبق الاتفاق عليها في حوارات آذار/ مارس الماضي.
فبحسب مسؤول فلسطيني رفيع قابل المصريين أخيراً أكد أن مصر ستتدخل في تطبيق جميع بنود الاتفاق (المزمع) خصوصاً ما يتعلق بإعادة بناء الأجهزة الأمنية، وإجراء الانتخابات (لاحظ هنا التركيز على الجوانب التنفيذية). وقال هذا المسؤول: “أبلغنا أعضاء الوفد المصري بأن بلادهم لن تسمح لنفسها بالفشل في الموضوع الفلسطينية، وأنها ستفرض اتفاقاً وستتدخل بالتطبيق من أجل ضمان النجاح”.
إن الموقف المصري الذي نقله المسؤول الفلسطيني، إضافة إلى الجهود المصرية الحثيثة هي محط تقدير واعتزاز الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، سيما إذا ارتكزت كما أكد المصريون أكثر من مرة من أن تحركهم يأتي في إطار مجموعة من المحددات، أهمها مصلحة الشعب الفلسطيني التي يجب أن تكون الهدف الرئيسي لإنجاز أي اتفاق، والحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية حتى يكون الجسد الفلسطيني بعيداً عن أي تجاذبات أو مصالح حزبية وتنظيمية، بالإضافة إلى الحرص على عدم المساس بالمكتسبات الفلسطينية التي تحققت طوال السنوات الماضية، ولا سيما الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
إن هذه المحددات التي ينطلق منها الجانب المصري تتناقض مع ما بات من شبه المؤكد أن تتضمنه الورقة المصرية وهو الموعد المقترح لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية وانتخاب المجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير، يوم 25 حزيران/ يونيو المقبل.
فمن حيث الشكل يأتي هذا الموعد ليشكل انتهاكاً فاضحاً للنظام السياسي والدستور الفلسطيني، أما من حيث الجوهر فيشكل ضربة لكل المحددات الوطنية الذي انطلق منها الجهد والرعاية المصرية، ولا سيما الحفاظ على منظمة التحرير كممثل شرعي وحيد، سيما إذا تأكدنا أن فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك قرارات اللجنة التنفيذية ولا سيما في اجتماعها الأخير (10 أيلول/ سبتمبر) الحّت على موعد 25 كانون الثاني/ يناير، بينما موقف حماس المعلن (دون التزام كتابي موثق) هو الوحيد مع تأجيل الانتخابات، والتخوفات الفلسطينية الشعبية منها على وجه الخصوص تبدو مبررة، سيما من أن تحاول حماس (كما فعلت في السابق) تقديم مبررات بشكل متكرر للتهرب من هذا الاستحقاق، تارة بحجة ملف المعتقلين، وتارة أخرى لأسباب سياسية وهكذا دواليك، علماً أن السبب الحقيقي ـ كما بات معروفاً للأوساط الشعبية والإعلامية ـ يكمن في التراجع المخيف لشعبية حماس ولا سيما في قطاع غزة، حيث الظروف الاقتصادية والاجتماعية بالغة الصعوبة، سيما مع تحكم القيادات الميدانية لحماس بكل المفاصل الاقتصادية (ذات الطبيعة الخدماتية) كالإنفاق والقطاع العقاري، وما ينقله القادمون من غزة عن تحول المجتمع الغزاوي إلى مجتمعين منفصلين: “مجتمع حماس” إذا صح التعبير وهو يضم الأعضاء والمستفيدين وينعم ببحبوحة اقتصادية، و”المجتمع الغزاوي” العام الذي يعيش بظروف بالغة الدقة والصعوبة، واذ عرفنا ان 62% من القوة القادرة على العمل في قطاع غزة هي دون مستوى الفقر، فنستطيع ان نكتشف ان نسبة 85% من المجتمع الغزاوي العام الغير مرتبط سياسياً وادارياً وخدماتياً بحماس هو تحت مستوى الفقر.
المقلق أكثر بالورقة المصرية أن الانتخابات ستجري للمجلس الوطني (الكل الفلسطيني في الوطن والشتات) على أساس التمثيل النسبي الكامل، وستتم الانتخابات التشريعية (الجزئي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة) على أساس النظام المختلط (المتوقع 75% نسبي و 25% مختلط) وتحت اشراف عربي ودولي.
السؤال المشروع الذي يطرحه المواطن الفلسطيني العادي في الوطن أو في الشتات هو عن الاسباب الضرورية المصرية وحتى الفلسطينية عن التفريق بالنظام الانتخابي إلا كونه تنازلاً غير مبرر ولدواعي غير وطنية لقوى سلطوية مستأثرة ترغب في استخدام هائل لنفوذها السلطوي ومالها السياسي المعروف مصادره وتوجهاته لاعادة إنتاج مجلس تشريعي لا يلبي الحاجات والمصالح الوطنية من حيث فئويته الحزبية والتنظيمية، ويكون مطيعاً لتوجهات تتعدى حدود الوطن.
المخاوف الفلسطينية الشعبية والفصائلية مشروعة ومبررة وعلى الجانب المصري المشكور على كل جهوده طوال اربع سنوات ونصف من عمر الأزمة والانقسام ان لا يتخلى عن دوره الراعي ويتحول إلى وسيط أو طرف مع هذا الفصيل أو ذاك، وان تبقى محدداته الوطنية ومصلحة الشعب الفلسطيني (ضمناً المصلحة العربية) هي الاساس بتحركه وجهوده ورعايته للإتفاق ، فالشعب الفلسطيني الذي يتعرض اليوم لجنون الاستيطان من حقه ان يحصل على إتفاق دائم وشامل يعزز من وحدته السياسية والجغرافية على قاعدة التوأمة بين مشروع العودة لللاجئين (مصلحة الشتات) وانهاء الاحتلال واقامة دولته المستقلة (مصالح المواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة) وليس اتفاقاً مؤقتاً يلبي المصالح التنظيمية والفئوية ويتعدى الحدود.
المطلوب تطوير الورقة المصرية بنظام انتخابات التمثيل النسبي الكامل وليس النظام المختلط لإعادة إنتاج الانقسام العبثي المدمر و “صوملة حالة الصراع الاحتكاري على السلطة والمال والنفوذ” تحت سقف سلطة الاحتلال. فمن المعلوم انه لا يوجد شعب في العالم في مرحلة تحرر وطني تحت الاحتلال أو حتى بعد الاستقلال يخضع لنظامين انتخابيين في وقت واحد حسب مزاج هذا الفصيل أو ذاك.
انهاء الانقسام يشترط بالضرورة نظام انتخابي واحد لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية (المجلس الوطني الموحد) ومؤسسات السلطة الفلسطينية (المجلس التشريعي للسلطة في الضفة وقطاع غزة). ويشترط بناء مؤسسات السلطة الادارية والأمنية على اساس مهني غير فصائلي، غير حزبي بإعتبارها مؤسسات لابناء الشعب وليس احتكاراً حزبياً.
هذا طريق الخلاص من الانقسام والصوملة، وطريق الوحدة والشراكة الوطنية في مرحلة التحرر الوطني في مواجهة الاحتلال واستعمار القدس والضفة وانتزاع حقوق شعبنا بتقرير المصير والدولة والعودة.