الرئيسية » مقالات » إذا عكسنا السلطة السائدة

إذا عكسنا السلطة السائدة

تلفت الانتباه الحملة التي يشنها اليمين الأبيض المحافظ على أوباما , و العبارات و الاتهامات التي تنضح بأبشع ما ولده العقل الأبيض المريض بوهم التفوق ( أو ربما جنون العظمة ) , فطالما كان جنون العظمة هذا من أهم مضاعفات السلطة المطلقة , بل و عرضها الرئيسي , لكن التاريخ يحكي لنا قصة مختلفة تماما , ليس فقط أن ذوي البشرة السوداء قد حكموا شعوبا بيضاء في مراحل ما من التاريخ , بل إن بعضهم كان حتى مخصيا , و يذكر تاريخنا مثلا أن نساء الزنج الذين استولوا على جنوب العراق في إحدى فترات الدولة العباسية كن يتمتعن بكل الامتيازات التي تتمتع بها اليوم نساء الطبقات الحاكمة و المالكة من الشعوب الغربية البيضاء , حتى أنهن قد استعبدن نساء آل هاشم و استخدمهن كخادمات , خلافا للداروينية الاجتماعية التي تعلن أن الانقسامات الحالية الطبقية و العرقية هي تعبير عن التفاوت في الخصائص الطبيعية بين البشر و الأعراق , لا نتيجة لنظام يحابي القوي و يقهر الضعيف , يزيد الغني غنى و يزيد الفقير فقرا , فإن التاريخ يدلنا على أن الضعيف هو الكاسب الحقيقي من دوران عجلة التاريخ , من صيرورته , فالضعيف يقوى دائما و القوي يضعف أبدا , لا يمكن مثلا مقارنة عبودية العمل المأجور اليوم بالعبودية التي كانت مفروضة على معظم البشر قبل قرون ناهيك عن شكل العبودية السائد قبل ألفي سنة , و لأننا غالبا ما نقلل من حجم القهر الواقع على البشر , و الذي تحاول القوى التي تمارسه أن تنسبه إلى طبيعة الأشياء , يمكننا أن نحرر رؤيتنا و قراءتنا للأمور من وهم الخطابات السائدة إذا ما عكسناها مثلا فقط لنعرف كم القهر الذي يحرسه النفاق و الوهم في عالمنا :

مثلا تصوروا لو أن الهنود الحمر قاموا بذبح كل البيض في القارة الأوروبية , أو أن البيشمركة الكردية قصفت تكريت بالأسلحة الكيماوية , أو أن يحفر المسلمون تحت الفاتيكان باحثين عن مسجد ما مزعوم و أن يستولوا تدريجيا على لندن و باريس وفق قوانين يضعوها هم , أو أن أبناء القارة السوداء قد استجلبوا ملايين الأوروبيين إلى بلادهم ليستعبدوهم , أو أن يتعرض الحنابلة للتمييز و سوء المعاملة و التكفير من قبل الشيعة , أو أن يقصف اليابانيون نيويورك و واشنطن بالقنابل النووية , أو أن يعيش البيض في جنوب أفريقيا في معازل أو بانتوستات قذرة , أو أن يسكن جمال مبارك في الدويقة , أو أن يضطر بشار الأسد لأن يركب الهوب هوب ( لمن لا يعرف الهوب هوب : هو باص قديم و بطيء و قذر و رخيص ما زال يستخدم في التنقل بين المدن السورية ) ليزور بيت حماه في حمص , أو أن يعمل الإماراتيون في بنغلاديش كعمال نظافة أو أن يعمل الأمريكيون البيض في غسل الصحون في البلدان الأفريقية , و و و ……