الرئيسية » مقالات » أنطون بانيكوك 1953 رسالة إلى مجلة اشتراكية أو بربرية ( 1 )

أنطون بانيكوك 1953 رسالة إلى مجلة اشتراكية أو بربرية ( 1 )

الرفيق العزيز تشايلو ,

أقدم لك شكري الجزيل على سلسلة الأعداد ال 11 من مجلة اشتراكية أو بربرية التي أرسلتها للرفيق ب … ليوصلها إلي . لقد قرأتها بشغف شديد ( رغم أني لم أنهها بعد ) , بسبب ما تبينه من اتفاق كبير بيننا . ربما ستلاحظون نفس الشيء عندما تقرؤون كتابي المجالس العمالية . لقد بدا لي و لسنوات طويلة أن العدد الصغير من الاشتراكيين الذين يقدمون أفكارا كهذه لم يزداد ( أو لم ينمو ) , تم تجاهل الكتاب و قوبل بالصمت من قبل معظم الصحافة الاشتراكية ( ما عدا نشرة القائد الاشتراكي لحزب العمل المستقل مؤخرا ) . لذلك كنت سعيدا لأعرف أن مجموعة ما قد توصلت إلى ذات الأفكار عن طريق مستقل . إن السيطرة الكاملة للعمال على عملهم , الذي عبرتم عنه بالقول : “ينظم المنتجون أنفسهم إدارة الإنتاج” , قد وصفتها في الفصول عن “تنظيم المعامل” و “التنظيم الاجتماعي” . الأجهزة التي يحتاجها العمال للتداول تتألف من مجالس ( أو جمعيات – المترجم ) من المندوبين , تلك التي تسمونها “الأجهزة السوفيتية” , هي نفسها تلك التي تسمونها “مجالس العمال” .
بالتأكيد هناك اختلافات . سأتعامل معها , معتبرا هذا كمقال للمشاركة في المناقشة إلى مجلتكم . بينما تقصرون أنتم نشاط هذه الأجهزة على تنظيم العمل في المصانع بعد استيلاء العمال على السلطة الاجتماعية , فإننا نعتبرها الأجهزة التي بواسطتها سيستولي العمال على هذه السلطة . في الاستيلاء على السلطة لا نلق بالا “للحزب الثوري” الذي سيتولى قيادة الثورة البروليتارية . إن هذا “الحزب الثوري” هو مفهوم تروتسكي وجد مؤيدين ( منذ عام 1930 ) بين الكثير من الأنصار السابقين للحزب الشيوعي الذين خاب أملهم من ممارسات هذا الأخير . تعود معارضتنا و نقدنا إلى السنوات الأولى من الثورة الروسية , و كان منصبا على لينين و قد أدى إليها اتجاهه نحو الانتهازية السياسية . لقد بقينا خارج الطريق التروتسكي : فنحن لم نكن أبدا تحت تأثيره . لقد اعتبرنا تروتسكي أفضل ناطق بلسان البلشفية , و كان يفترض أن يكون خليفة لينين . لكن بعد أن اكتشفنا في روسيا رأسمالية ناشئة انصب اهتمامنا قبل كل شيء على عالم رأس المال الغربي حيث سيتعين على العمال أن يحولوا الرأسمالية الأكثر تطورا إلى شيوعية حقيقية ( بالمعنى الحرفي للكلمة ) . بحماسته الثورية فتن تروتسكي كل المنشقين الذين طردتهم الستالينية من الأحزاب الشيوعية , و بحقنهم بالفيروس البلشفي جعلهم غير قادرين على فهم المهام الكبرى الجديدة للثورة البروليتارية .
لأن الثورة الروسية و أفكارها ما تزال تحتفظ بتأثير كبير على معنويات الناس فمن الضروري التعمق في خاصيتها الأساسية . لقد كانت , بكلمات مختصرة , آخر ثورة برجوازية , رغم أن الطبقة العاملة قد قامت بها . تعني “الثورة البرجوازية” ثورة تقوم بتدمير الإقطاع و تفتح الطريق أمام التصنيع , مع كل النتائج الاجتماعية التي تتمخض عن ذلك . لذلك فالثورة الروسية كانت في نفس نسق الثورة الانكليزية لعام 1647 , و الثورة الفرنسية لعام 1789 , بالإضافة إلى الثورات التي تلتها في 1830 , 1848 , 1871 . في سياق هذه الثورات وفر الأنصار , الفلاحون و العمال , القوة الهائلة الضرورية لهدم النظام القديم . بعد ذلك تقدمت إلى المقدمة اللجان و الأحزاب السياسية المؤلفة من الأشخاص الذين يمثلون الطبقة الغنية التي ستشكل الطبقة المهيمنة في المستقبل و قاموا بالسيطرة على سلطة الحكومة . كانت هذه نتيجة طبيعية , حيث أن الطبقة العاملة لم تكن ناضجة بما فيه الكفاية لتحكم نفسها . في هذا المجتمع الطبقي الجديد , حيث يجري استغلال العمال , تحتاج الطبقة المهيمنة إلى حكومة تتألف من أقلية من الموظفين و السياسيين . في مرحلة أحدث بدت الثورة الروسية كثورة بروليتارية , و أن العمال كانوا هم القائمين بها من خلال إضراباتهم و نضالاتهم الجماهيرية . و مع ذلك نجح الحزب البلشفي شيئا فشيئا في الاستيلاء على السلطة ( حيث كانت الطبقة العاملة أقلية صغيرة بين الجماهير الفلاحية ) . لذلك تصبح الخاصية البرجوازية ( بالمعنى الأوسع للكلمة ) للثورة الروسية مسيطرة و تأخذ شكل رأسمالية الدولة . منذ ذلك الوقت و بسبب تأثيرها الإيديولوجي و المعنوي في العالم , أصبحت الثورة الروسية النقيض التام للثورة البروليتارية التي ستحرر العمال و ستجعلهم سادة ماكينة الإنتاج .
بالنسبة لنا انحصر التقليد المجيد للثورة الروسية في حقيقة أنها في انفجاراتها الأولى , في عام 1905 و 1917 , كانت الأولى التي طورت و أظهرت لعمال العالم بأسره الشكل التنظيمي لفعلهم الثوري المستقل الذاتي :السوفيتيات . من هذه الخبرة , و التي عززت فيما بعد على نطاق أضيق في ألمانيا , أخذنا أفكارنا عن أشكال الفعل الجماهيري التي تناسب الطبقة العاملة , و أنه يجب تطبيقها لكي تنجز تحررها .
بالتحديد يناقض هذا كله تلك التقاليد , الأفكار , والأساليب التي انبثقت عن الثورة الروسية عندما استولى الحزب الشيوعي على السلطة . هذه الأفكار التي خدمت فقط كعقبات أمام العمل البروليتاري الصحيح , و التي شكلت جوهر و أساس دعاية تروتسكي .
إن استنتاجنا هو أن أشكال تنظيم السلطة المستقلة ذاتيا , التي يعبر عنها في “السوفيتيات” أو “مجالس العمال” يجب أن تخدم كذلك في الاستيلاء على السلطة كما في الإشراف على العمل المنتج بعد هذا الاستيلاء . في المقام الأول لأن سلطة العمال على المجتمع لا يمكن تحقيقها بأي طريقة أخرى , على سبيل المثال من خلال ما يسمى بالحزب الثوري , و ثانيا لأن هذه السوفيتيات , التي ستكون فيما بعد ضرورية للإنتاج , يمكن أن تتشكل فقط من خلال الصراع الطبقي على السلطة .
يبدو لي أنه في هذه الفكرة تختفي “عقدة العقد” ( أو عقدة التناقضات ) لمشكلة “القيادة الثورية” . لأن مصدر هذه التناقضات هو استحالة تحقيق الانسجام بين السلطة و الحرية لطبقة تتحكم بمصيرها , مع الحاجة لأن تطيع قيادة تتألف من مجموعة صغيرة أو من حزب صغير . لكن هل يمكن المحافظة على مثل هذه الحاجة ؟ إنها تناقض بوضوح أكثر الأفكار اقتباسا عن ماركس , أي القائلة بأن تحرير العمال سيكون مهمة العمال أنفسهم . هناك ما هو أكثر , فلا يمكن مقارنة الثورة البروليتارية بتمرد بسيط أو بمعركة عسكرية تقودها قيادة مركزية , و لا حتى بفترة من النضال المماثل , مثلا , للثورة الفرنسية العظمى , التي لم تكن هي نفسها إلا حلقة في الصعود البرجوازي إلى السلطة . إن الثورة البروليتارية أكثر ضخامة وعمقا , إنها ارتقاء جماهير الشعب إلى وعي وجودهم و ميزاتهم . إنها لن تكون مجرد اضطراب بسيط , إنها ستشكل مضمون مرحلة كاملة من تاريخ الإنسانية , سيتعين خلالها على الطبقة العاملة أن تكتشف و أن تحقق قواها و إمكانياتها , بالإضافة إلى أهدافها و وسائل نضالها . لقد حاولت أن أتوسع فيما يتعلق بجوانب معينة من هذه الثورة في كتابي “المجالس العمالية” في الفصل المعنون “ثورة العمال” . طبعا كل هذا يعطي مخططا مجردا يمكن استخدامه ليدفع إلى المقدمة بالقوى المتنوعة في العمل و في علاقاتها .
من الممكن أنكم ستسألون الآن : ضمن هذا الإطار من التوجه ما هو الهدف الذي سيؤديه حزب ما أو مجموعة ما , و ما هي مهامه ؟ يمكننا أن نكون واثقين من أن مجموعتنا لن تنجح في قيادة الجماهير العاملة في أعمالها الثورية : إلى جانبنا هناك نصف دزينة أو أكثر من المجموعات أو الأحزاب التي تسمي نفسها ثورية , لكن التي تختلف جميعها في برامجها و أفكارها , و مقارنة بالحزب الاشتراكي العملاق هي ليست أكثر من أقزام . في إطار النقاش في العدد العاشر من مجلتكم جرى التأكيد بشكل صحيح أن مهمتنا هي نظرية في الأساس : أن نجد و نشير إلى , من خلال الدراسة و النقاش , أفضل طرق العمل للطبقة العاملة . و مع ذلك فإن التثقيف الذي يقوم على هذا يجب ألا يوجه فقط لأعضاء مجموعة أو حزب , بل إلى جماهير الطبقة العاملة . سيكون عليهم هم أنفسهم أن يقرروا أفضل طرق العمل في اجتماعات مصانعهم و في مجالسهم . لكن لكي يقرروا أفضل الطرق الممكنة يجب أن يبصروا بنصيحة جيدة الإعداد تأتي من أكبر عدد ممكن من الناس . بالنتيجة فإن مجموعة تعلن أن الشكل المستقل ذاتيا للطبقة العاملة هو الشكل الأساسي للثورة الاشتراكية ستعتبر مهمتها الأساسية أن تذهب لتتحدث إلى العمال , مثلا من خلال الكراسات الشعبية التي توضح أفكار العمال بشرح التغيرات الهامة في المجتمع , و حاجة العمال لأن يقودوا أنفسهم في كل أفعالهم , بما في ذلك في العمل المنتج المستقبلي .
هنا لديكم بعض الأفكار التي تنشأ من خلال قراءة النقاشات الممتعة جدا في مجلتكم . إضافة إلى ذلك أود القول كم كنت راضيا من المقالات عن “العامل الأمريكي” الذي يوضح جزءا كبيرا من المشكلة الغامضة لتلك الطبقة العاملة من دون الاشتراكية , و المقال التنويري عن الطبقة العاملة في ألمانيا الشرقية . آمل أن يسنح لمجموعتكم إصدار أعداد أكثر من مجلتكم .
أرجو أن تعذروني لكتابة هذه الرسالة بالانكليزية , من الصعب أن أعبر عن أفكاري بشكل مرض باللغة الفرنسية .
المخلص
أنطون بانيكوك
8 نوفمبر تشرين الثاني 1953




( 1 ) تمثل هذه المراسلة نقاشا بين جيلين من الماركسيين التحرريين الذي رفضوا الماركسية الأرثوذكسية السوفيتية و الذين ناضلوا في سبيل السلطة الذاتية للعمال كبديل عن كل من الرأسمالية و رأسمالية الدولة السوفيتية . الجيل الأقدم يمثله أنطون بانيكوك المنظر الشيوعي الهولندي ( 1873 – 1960 ) الذي يعد من أبرز ممثلي الشيوعية المجلسية ( نسبة لمجالس العمال ) و يمثل الجيل الجديد من هؤلاء المناضلين هيئة تحرير مجلة اشتراكية أو بربرية التي صدرت في فرنسا بين عامي 1949 و 1965 , و كان أبرز أعضائها كورنيليوس كاستورياديس المفكر الثوري اليوناني الأصل ( 1922 – 1997 ) و الذي تلقب بتشارليو و الفرنسي كلود ليفورت الذي تلقب بمونتال , انشق الاثنان عن الحركة التروتسكية رغم أنهما احتفظا علاقة جيدة مع بعض المفكرين التروتسكيين “المنشقين” أو الخارجين إلى درجات مختلفة عن التيار الأرثوذوكسي في التروتسكية منتقدين بشكل أكثر جذرية رأسمالية الدولة السوفيتية ( مثل تيار جميس – دونايفسكايا في أمريكا و توني كليف في بريطانيا الذين انشقوا أيضا عن الأممية الرابعة ليشكلوا تنظيمات مستقلة في الخمسينيات مع احتفاظهم بدرجات مختلفة من الولاء لفكر تروتسكي ) . أهمية مجلة اشتراكية أو بربرية في أنها مارست نقدا جذريا للرأسمالية المعاصرة و في نفس الوقت لرأسمالية الدولة و اقترحت مثلها مثل الشيوعيين المجلسيين في الفترة بين الحربين شكلا تحرريا للسلطة العمالية تقوم على شبكة مجالس أفقية تسيطر مباشرة على الإنتاج . الغاية من ترجمة هذه الرسالة إلقاء المزيد من الضوء على ذلك الجزء المجهول من نضال و تاريخ و الإنتاج النظري لليسار اللا سلطوي في وقت كانت فيه الستالينية ( و اللينينية ) تسيطر سيطرة مطلقة على الحركة العمالية العالمية , رغم الطابع النبوئي المميز لهذه الرسالة و لكتابات اليسار المعادي للستالينية عامة فإنها أبعد ما تكون عن الحقيقة المطلقة , طالما ردد الستالينيون أن الماركسية هي مرشد للعمل بينما عاملوها في الممارسة كدين ذا إنجيل و قديسين خاصين به , أما نتاج اليسار اللا سلطوي الفكري هذا فهو محاولة جريئة لقهر الجهل و روح العبودية و الخنوع و التابوهات المرتبطة بسلطات مختلفة كان همها الأول حرمان الناس , العمال خاصة , من حقهم في إدارة حياتهم – المترجم .
نقلا عن www.marxists.org/archive/pannekoe/index.htm  
ترجمة : مازن كم الماز