الرئيسية » المرأة والأسرة » المرأة وسيلة بيد الرجل التسول كحالة

المرأة وسيلة بيد الرجل التسول كحالة

عمد الرجل ومنذ فجر التاريخ إلى اضطهاد المرأة واتخاذها وسيلة توصله إلى غاياته وأهدافه، وإن كانت ماهية عمل تلك الوسيلة غير شريفة، وتحط من كرامة المرأة أو كانت صعبة وقاسية على المرأة، فالمهم كان لدى هذا الرجل في العهد الذكوري أن يمارس أنانيته ونرجسيته على حساب الجنس الآخر الذي من المفترض به أن يكون العون له لا أن يكون الأداة والوسيلة فقط، ولقد استخدم الرجل هذه المرأة في أعمال مختلفة، فكانت الوسيلة لتسيير الصفقات في المجتمعات المخملية، والمشتغلة بالدعارة لحساب الرجل، والمتعرضة للخطر في اشتغالها في القضايا الأمنية كطعم للعدو المفترض

وكانت في أغلب الأحيان وفي أيامنا هذه متسولة تجمع المال على حساب كبريائها وكرامتها لأجل الرجل الذي يضعها في منطقة تدر عليه أكبر قدر من المال وفي المساء ينهال عليها بظلمه ليأخذ منها ما أعطاها إياه الناس لأنها فقط فقيرة بائسة لا لأنها خادمة لرجل مستغل.
إننا نرى شوارعنا اليوم ممتلئة بالمتسولات، لأن الرجل يرى فيهن الوسيلة الأقدر على جمع الأموال له لأنهن أصبحن رمزا للبؤس والفاقة، ولقد اتخذنا المرأة أداة ورمزا للضعف قبل كل شيء، حتى بدأ كل منا يستغل ضعفها هذا ليجبرها على فعل ما نريد، وبدلا من إعانتها ومساعدتها للخلاص من هذا الضعف وآثاره السلبية عليها عمدنا إلى الاستفادة من هذا الضعف وكرسناه لديها حتى باتت غير قادرة على أن تكون ضعيفة حتى بل أصبحت أوهن من المتصور.
رأيتها في دمشق وهي تتسول والرجل الذي يستغلها يأخذ منها طفلين من الأطفال الثلاثة الذين كانوا في أحضانها وهي تتسول عليهم كما يتسول عليها ذلك الرجل، وبقيت هناك حتى المساء تتوسل لكل مار أن يمنحها قوت هؤلاء الأطفال وما يساعدها على إعالتهم متناسية رغما عنها أن تلك هي بالذات مهمة ذلك الرجل الذي يتربع على عرش بؤسها بلامبالاة وفتور، ذلك الرجل الذي فقد كل حياء وكل خجل، وأراد فقط لنفسه أن يكون عالة على غيره بل ومستغلا لهم بأبشع ما ابتكرته يده ويد أمثاله من الذكور الذين لم يدركوا من الذكورية سوى القوة التي يمكنهم بواسطتها ظلم وإرهاق الآخر وأولهم المرأة ذلك الكائن الضعيف.
ولم تكن تلك المرأة بمختلفة كثيراً في وضعها عن تلك الفتاة التي تعودت أو تم تعويدها على المجيء كل سنة إلى قريتنا الصغيرة للتسول في المواسم، وهي الفتاة التي تبلغ من الجمال ما يجعل كل من هب ودب من الناس يتحدث عنها وعن جمالها وكيف يتركها أهلها تتسول متجاهلين بأن الرجل القائم على أمرها هو السبب الأول والأخير في لجوئها إلى هذه المهنة التي مازالت تمارسها ومنذ سنين فيوصلها الرجل إلى القرية ويتفق معها على موعد محدد ليلتقيا أمام القرية ويأخذها إلى قرية أخرى وهكذا دواليك إلى أن يجمع ما يرضي طمعه ونهمه إلى المال فقط ولو على حساب كرامة ابنته الشابة.
إن استغلال المرأة وخاصة تلك المرأة العجوز أو العاجزة أو حتى الجميلة والصبية في أيامنا ما هو إلا ناتج طبيعي للتخلف الذي يعانيه هذا الرجل وعدم قدرته على وضع الأمور في نصابها الصحيح، وعدم قدرته على تقدير الأمور حق قدرها، ولكن الأمر لا يخلو من لوم المرأة على أنها أيضا تقوم بما هو داعم لهذا الفعل الذكوري الذي يخضعها للذل وذلك بسبب جهلها نفسها أولاً لأميتها وثانيا لعدم إدراكها لوسائل دفاعها عن نفسها، وعدم المحاولة حتى للجوء إلى من يعينها لأنها وفي أغلب الأحيان تبقى تلك المرأة التي لا تريد لزوجها أن ينهار أمام الآخرين.
إن استغلال المرأة وما تتميز به من ميزات الضعف والجمال ليس إلا النار الذي سيأتي علينا لهيبها لأن ما يجب أن يستغل إيجابيا من ميزات المرأة ليس هو الجمال ولا الضعف، بل كونها عددا مكملا للرجل في المجتمع الذي يتقاسمه كلاهما، واستخدام ذكائها وقدراتها الخاصة المختلفة عن قدرات الرجل والمميزة عنها لأنها كائن مغاير له إلى حد ما في ما يفيد في بناء حياة الإنسان، تلك الحياة المليئة بما يمكنه أن يخدم الإنسان بعيدا عن كون ذلك الإنسان رجلا أو امرأة، لأن عدم تضافر جهود هذين العنصرين البشريين المتكاملين لخيرهما يعني في النهاية تغييب جهد المرأة وبذلك الحصول على ما هو ناقص وغير مكتمل من الخدمات في هذه الحياة التي تتطلب منا كل جهد لغلبتها والوصول إلى التقدم اللازم الذي من شأنه أن يخدم مصالحنا ويخلصنا من ظلم جنس لآخر، لأن الوصول إلى الاحتياجات له أكبر الأكثر في تنبيه الرجل إلى ضرورة المساواة بينه وبين المرأة ويعني بالتالي عدم حاجته لاستغلالها واستغلال ضعفها.
فالمطلوب بداية تأهيل الرجل والمرأة على السواء تعليميا وتربويا ودفعهما لبناء المجتمع الذي سيجدان فيه حاجاتهما، لأن اكتمال العقل وإدراك ماهية الأمور التي حولنا يعني نصف الحل بالنسبة لما تعانيه المرأة والذي هو بالتالي معاناة للرجل لأن ظلم أحدهما للآخر يعني ظلمه لنفسه أيضاً.

مجلة ثرى – العدد 200 تاريخ 26 9 2009 – السنة الخامس