الرئيسية » مقالات » مالك بن نبي وسيد قطب .. مدارس آياتٍ خلت من تلاوة !

مالك بن نبي وسيد قطب .. مدارس آياتٍ خلت من تلاوة !

المنظومة الاسلامية السنية – لا شك – انها تلتقي مع المنظومة الاسلامية الشيعية في هدف واحد سامٍ هو اقامة نظام اسلامي حضاري تقوده الشريعة وكلٌ منهما ترى ذلك النظام من منطلقات تعتقد بنقاوة اصلها .

لكنَ المنظومة الاسلامية السنية تفترق عن نظيرتها الشيعية حين يحجز الاولى جداران يمنعان نموها واتمام مسيرتها هما قضيتا ( الحاكم ) و ( التمويل ) ففي حين تخلو حركة النهضة الاسلامية الشيعية من هاتين المشكلتين باعتبار اشتراط الفكر الشيعي بيعة الامة ( بطريقة ديمقراطية ) للحاكم غير المعصوم واعتبار من يخالف هذا الشرط حاكما ظالما لايجوز الاحتكام اليه وكذلك استقلالية النظام التمويلي الشيعي عبر مبدأ ( الحقوق الشرعية ) نرى نظيرتها الحركة الاسلامية السنية تعاني من مبدأ ( شرعية حاكم السيف ) وارتباط تمويل المؤسسات الدينية بالحاكم وبالتالي صعوبة الخروج عن خط الحاكم او استقلالية الرأي .

لذلك وغيره كان لحركة الفكر النهضوي الشيعي ان تتطور بالاتجاهين النظري والعملي فيما بقيت حركة الفكر النهضوي السني تعاني التصادم مع عقائد رسخها الحاكم اكثر من الدين لاسيما مع تجميد حركة الاجتهاد في المنظومة الاسلامية السنية .

ومن هنا كان مقدرا لمفكري الحركة الاسلامية السنية محدودية التأثير والتغيير لا سيما بتغييب الفكر الحسيني التضحوي عن المنظومة السنية عبر مؤسسات ( تلميع صورة الحاكم ووعاظ السلاطين ) ذلك الفكر الذي يُعتبر الركيزة الثانية للحركة الاصلاحية الشيعية القائمة على ركيزتي ( الفكر والعاطفة ) او ( العقلانية والحماسة ) والتي تلامس محوري المجتمع ( النخبة والجماهير ) .

وعبر هذه المقدمة نرجع الى محوري بحثنا وهما المفكران العظيمان ( مالك بن نبي وسيد قطب ) ففي حين استطاع معاصروهم من مفكري الشيعة القيام بعملية تأسيس فكرية عظيمة انتجت فيما بعد قوى ومؤسسات ومرجعيات وانظمة حاكمة على الشارع الاسلامي الشيعي وانتقلت – كحد ادنى – بفكر المسلم الشيعي العادي الى مرحلة التأمل والتحليل وبالتالي التغيير رأينا هذين المفكرين بقيا بين رفوف المكتبة الاسلامية السنية وكحد اقصى دخلا عالم النخبة وشبه النخبة .

ان في زمن استطاع ( علي شريعتي ومحمد باقر الصدر والخميني ومطهري ومحمد رضا المظفر وموسى الصدر … وغيرهم كثير ) التأسيس لحركة نهضة عملاقة في الواقع الشيعي ومن ثم تسليم الراية النهضوية الاصلاحية الى جيل فكري ناهض اخر تمثل في ( محمد محمد صادق الصدر ومحمد حسين فضل الله و احمد الوائلي ومحمد تقي المدرسي ومحمد اليعقوبي وهادي المدرسي وحسن الصفار وال الشيرازي وقبلهم المنتظري وغيرهم الكثير و كذلك منظومة فردية و مؤسساتية ضخمة تدير الحركة التغييرية الشيعية ) رغم وجود المتحجرين و ( سلفية الشيعة ) .. في نفس هذا الزمن لم يستطع هذان المفكران العاملان والمبدعان ( مالك بن نبي وسيد قطب ) الانتقال الى ابعد من جو الاطروحات العام و عالم الكتابة على الرغم من التأثيرات التي ربما تركاها في فكر بعض المؤسسات ولكن بشكل ( لا اقلاعي ) .

ان المنهج الاصلاحي النابع من التأمل والتحقيق العلمي الذي اتبعه مالك بن نبي كان مقدرا له ان يُحدث منهجية جديدة في حركة الواقع النهضوي السني والاسلامي بصورة عامة لو تُركَ يأخذ مجراه وصداه الصحيحين لكنه عانى كما عانت حماسة ( سيد قطب ) النهضوية من روتين حركي يرتبط في النهاية مع مؤسسات الحاكم وبالتالي رأيه !

ان الواقع العلمي والحماسي المشترك لهذين المفكرين حين يلتقي كان سيولد دفعا حركيا قويا يزيح رواسب كثيرة افرزها التحجر والتعنت واللاتأمل . ولكنه لم يتسنَ له البروز والانطلاق مما سمح بظهور تحركات تُعيد الحركة الاسلامية الى مربع استلاب العقل واغلاق العين والتفكير بالنيابة !

ان العقلية التي قاوم بها ( بن نبي ) التيار التغريبي في بيئة تساعد على التغريب بل وفي مصدر ذلك التيار ( فرنسا ) كانت ستنتج تغييرا ملموسا قد يلتقي مع التغيير الذي تركه ( علي شريعتي ) لو وجدت البيئة والارض المناسبة كما وجدها ( شريعتي ) . فالرجلان ( بن نبي وشريعتي ) تشابها في الكثير من الظروف على ارض الواقع وفكرهما كان سيلتقي في نقطة مشتركة قبل النهاية لو قُدر لهما الاستمرار في هذه الحياة وملامح ذلك واضحة لاسيما في منهج التطوير الحضاري وعالمية الفكر لديهما وبالتالي قربهما للمنهج الانساني .

فيما كان لحماسة ( سيد قطب ) المتلازمة مع منهج علمي اصلاحي ناقد لكثير من جوانب المجتمع الاسلامي السلبية ان تُحدث واقعا عمليا جديدا للحركة الاسلامية يُعطي ابناء هذه الحركة دعما نفسيا للعمل باتجاه التغيير .

ان غياب مثل فكر هذين العَلَمَين ( بن نبي وسيد قطب ) سمح بانتشار افكار وقواعد خاطئة ومدمرة او استسلامية انهزامية لاسيما الافكار ( التكفيرية والسلفية ) المتحجرة وكذلك افكار ( اسلاميي السلطة ) .

وهنا لا اقصد تمامية ما جاءا به او كفايته بل ان ما اقصده هو انهما كان يمكن ان يكونا محركين لمسيرة يقودها اخرون ومحفزين لمنهج تحليلي علمي يبتعد عن التحجر والولاء المطلق للحاكم , فانا اعلم ان ما انتجاه هو كباقي ما ينتجه المفكرون فيه المقبول وفيه غير ذلك وفيه الصحيح وغير الصحيح وفيه المعقول وفيه ما يثير الجدل .

وجزماً لو استمر هذا النهج النقدي ذو الاسس العلمية والمبادئ الاسلامية النهضوية والطابع الانساني في تحرك الشارع الاسلامي السني كان سيلتقي حتماً مع مسيرة النهضة في الشارع الاسلامي الشيعي وكان يمكن لهما ان يُولدا بُعداً عملياً يختلف عما هو موجود الان من تمزق وتناحر فكري ساعد على تردي واقع المسلمين وهيمنة اعدائهم حتى وصل الامر الى ظهور فتاوى تبيح دماء من شهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتدعو الى الوقوف بوجه من يُجاهد المحتل الاسرائيلي الغاصب لارض المسلمين وفي نفس الوقت تشرعن مدَ يد ( حاكم السيف ) لاعداء الامة !! وما على العوام الا السمع والطاعة لان من خرج على الجماعة ملعون !

وفي النهاية ارى ان هذين المفكرين ( مالك بن نبي وسيد قطب ) قد ظلمتهم الحركة الاسلامية فضلا عن باقي الشارع الاسلامي وكذلك المؤسسات الاعلامية – والتي تتوزع ملكية الكثير منها بين يد الحكومات او متحجري السلفية – الى حد كبير ولابد من مراجعة وقراءة فكرهما مرة اخرى لا سيما من قبل المؤسسة الاسلامية السنية .