الرئيسية » مقالات » مرشحو القوائم الانتخابية

مرشحو القوائم الانتخابية

في عديد من بلدان العالم التي تمارس اللعبة الانتخابية تضع الأحزاب السياسية وجوها خبيرة و جماهيرية معروفة ولها ثقلها على أوسع نطاق شعبي. إذ ترشح أحزاب من أقصى اليسار الديموقراطي وجوها من التكنوقراط أو حتى من أصحاب الملكية الكبيرة بلا حرج بل بثقة بالفوز وصواب الاختيار.

وقد حصل أن فازت حتى الأحزاب الشيوعية في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية بفضل حسن اختيار مرشحيها من الشخصيات التي تحمل الخبرة فضلا عن امتلاكها الاحترام الشعبي الكافي لفوزها المميز الكبير والحاسم بالانتخابات.

إنّ اختيار المرشح في العملية الانتخابية ليس ملزما أن يكون من أعضاء الحزب تنظيميا. وليس مطلوبا منه أن يكون تابعا بآلية الخضوع المطلق لفلسفة القيادة التنظيمية للحزب أو الحركة. بل الصحيح أن يجد التنظيم الفاصل بين القائد التنظيمي الذي يدير عمل منظمات الحزب وحركته الداخلية من جهة وبين القائد الجماهيري الذي يحظى بقدراته المخصوصة في العلاقة مع أصوات الناخبين…

والصحيح أبعد من هذا أن يوجد في التنظيم سكرتير للحزب يكون مسؤولا عن أنشطته التنظيمية وأمينا عاما أو رئيسا يمثل الواجهة الجماهيرية والقيادة الاعتبارية التي تربط الحزب بجمهوره.. ويبدو لي اليوم أن لا وجود لشخصية كارزمية شعبية بهذا التوصيف في أي من الأحزاب السياسية حاليا؛ فضلا عن أن الأحزاب السياسية (راهنا) لا تمتلك فلسفاتها قبولا لتسليط الضوء على المفكرين والفلاسفة ولا تعمل في حسبانها آليات عمل لتعريف الجمهور بالعلماء والأكاديميين في منافسة غير موضوعية تحاصر هؤلاء من التكنوقراط والقادة من المنظرين الاقتصاديين الاجتماعيين وفي محاولة لاحتلال الصدارة في المشهد العام وتزعمه من قبل القيادات التنظيمية الحزبية…

وفي ظرف كهذا، أي في ظرف لا يبرز فيه قائد يمتلك الخبرة في القيادة الجماهيرية وفي إدارة مؤسسات الدولة الرئيسة ، ينحسر اهتمام الناخب بقضية المشاركة في الانتخابات لعدم قناعته بالمرشحين من قيادات الأحزاب السياسية ممن يقدمون أنفسهم بدلاء للقادة الحقيقيين من المفكرين والتكنوقراط والمتخصصين…

إنّ أي حركة سياسية وتنظيم حزبي يدخل الانتخابات ويتخذ قراره بإشغال سكرتير حزبه في العمل البرلماني أو تقديم أعضاء التنظيم بوصفهم مرشحين لمجرد عضويتهم في الحزب.. ينسى أمورا مهمة وخطيرة تتمثل في أن الكفاءة لا تأتي من عضوية الحزب السياسي بل من جملة أمور موضوعية معرفية ومن خبرات ليست أولها عضوية الحزب…

صحيح أن بعض الأحزاب السياسية تعنى بالتثقيف وبعقد اجتماعات توعوية إلا أن هذا لا يعفي من حقيقة أن الزمن قد تغير وأن مهام الإدارة في المؤسسات الرسمية التشريعية والحكومية لم تعد كما كانت قبل عشرات السنين بل صار يُعدّ لها المسؤول إعدادا مهنيا دراسيا متقدما ومتخصصا بشكل دقيق..

وصرنا بحاجة للتعاطي مع العلوم السياسية في الجامعات مثلما نتعاطى مع العلوم الاقتصادية والاجتماعية والفروع العلمية التي تتطلب دراسات تطبيقية بحتة أو علوم نظرية صرفة وكل في مجال التخصص من تلك التي اصطلحنا على تسمية المختصين بها بالتكنوقراط…

ولم يعد ترشيح قائد جماهيري للعمل التشريعي بوارد القول بصوابه أن يكون مجرد شخص يقود التنظيم ويوجهه لأسباب تتعلق بأمانته وإخلاصه للتنظيم ولمبادئه ولـــ (زعاماته).. وعلى الرغم من أن بعض الجمهور العراقي ما زال يصوّت لزعامة دينية سياسية أو لتيار ما بحسب الأهواء ومن دون رجوع للبرامج مثلا ولنضجها ولا لمن سيقوم بتنفيذها، الأمر الذي يعني قلة اهتمام بعض الجمهور الانتخابي بإشكالية المرشح وإمكاناته في الإدارة والقيادة..

إلا أن التجربة الانتخابية وتكرر عمليات المشاركة بالتصويت ونتائج ذلك ميدانيا يمنح الجمهور الأنضج في التعاطي مع تصويته لمرشح دون آخر فرصا وخبرات مضافة في تدقيق أمر تصويته في كل مرة جديدة…

من هنا فإن الانتخابات التالية عراقيا ستحظى بمراجعات واسعة من الجمهور لقائمة المرشحين لسببين أولهما الخبرة في التعاطي مع الأسماء وثانيهما خيبة الأمل مع أغلب الأحزاب والحركات التي قدمت مرشحين بلا إمكانات مناسبة لشغل منصب إدارة الدولة تشريعيا قضائيا تنفيذيا…

إن حال الفشل الذريع الذي منيت به تلك القوى في استيزار متخصصين أكفاء أو ترشيح أعضاء برلمان مناسبين للمهمة التشريعية دفع بالجمهور للتردد حتى في مسألة تجديد قيده الانتخابي بمعنى إعلان تذمره واحتجاجه على سياسة الترشيح ولو مؤقتا…

وحزبيا انحسر جمهور التيار الديني وأحزابه واتجه بعيدا عن فكرة إغماض الأعين في قرار السير وراء زعامة تتكئ على اسم عائلة أو على ماضِ ِ أو خطاب مضلل.. وصار أوضح في التصويت لمرشح وبات يطالب بالتوجه للتكنوقراط وللوجاهات الشعبية الرصينة…

من هنا ينبغي التوكيد على أن المرشح لقيادة أية قائمة إذا لم يمتلك الخلفية المعرفية التخصصية أكاديميا جامعيا والثقافية الإبداعية بما يتضمن سيرة من العطاء الفكري من دراسات وبحوث ومؤلفات ومن الخبرات التراكمية في تخصص بعينه فضلا عن معرفة الجمهور به واحترامه لمنجزه ولشخصه ولسلوكه، فهذا سيعني خسارة أكيدة لهذا الجمهور وصوته..

إذ يصر الجمهور اليوم على التصويت هذه المرة لخيار المدارسة والتمحيص ومراجعة ماكنة توجيه الرأي العام وكشف الأمور له وتبيانها بوضوح.. ففي المرة السابقة انشغل بالخيار بين العنف والعملية السياسية واضطر اضطرارا لخيارات المرشحين بالقائمة المغلقة التي غشته وخدعته بعد تضليله..

اليوم هذا الصوت الانتخابي يبحث عن الكفاءة التي يمكنها أن تنهض بخدمته فتسن القوانين وتستكمل بناء المؤسسات وترتقي بالخدمات وتجاوز الأزمات وهذا لن ينهض به مسؤول تنظيمي ناشط في حزبه ومنظمته وأمين على مبادئها بل من يقوم به ليس سوى المتخصص والمهيأ المعد لوظيفته مضافا إلى ذلك حامل الخبرات ممن أشرت الجماهير إليه بالبنان وعرفت درجة تميزه وإبداعه في عمله ومسؤوليته..

إن شروط المرشح إذن لا تكون مختزلة في العضوية الحزبية والاخلاص للتنظيم وشؤونه فهذه أمور تخص الحزب ومطالبه المخصوصة.. أما ما يخص الشعب ومطالبه، الناخب وحاجاته فيتطلب وجود عضو الهيأة التشريعية (البرلمان) الذي يمتلك الخلفية التخصصية المعرفية التي تجعله يدافع بعلومه التي تحل المعضلات معرفيا تقنيا تخصصيا وليس بالوهم وبتوزيعه أضاليل الوعود الكاذبة..

ومن بين ممارسي الحياة العامة والنضال الوطني والتضحية ومن الخبراء بأعمال الإدارة والتنظيم والقيادة الجماهيرية ومن الضالعين بإدارة شؤون الدولة ومن حملة البرامج الناضجة الصائبة، من بين هؤلاء سيكون رئيس الوزراء ورئيس البرلمان ورئيس الدولة والوزير والمسؤول العام وليس من بين أصحاب الأعمة والبرانيط والجلابيب غالية الأثمان سوقيا ولكنها رخيصته في الأكتاف التي تحملها..

العقل والعلم والخبرة هي المحددات للترشيح وليس المال والجاه المتأتي من سلطة ميليشياوية وليس من حكاية (المنية) التي يفرضها تيار أو حزب أتاوة لأعضائه و (مايسميه تضحياتهم) مثلما مر طوال السنوات المنصرمة حيث ظل الناخب يسمع رد المسؤولين كلما تقدم بمطلب شعبي بأن ما يؤخذ للمسؤول هو حصته وحقه ثمنا جزاء (لنضالاته) (التاريخية!) وبات الشعب يدفع جزية تلك (النضالات!؟) ضريبة لا بماله حسب بل بدمه وحياته وما زال ساسة جباية تلك الضريبة يمنون على الشعب ويطالبون بهذه ((المنية)) من جهد العراقيين وخبزهم ودمائهم!!

أما الرد الشعبي للناخب فلابد أن يكون من الناخب نفسه أن لا منية ولا ضريبة يدفعها لأحد ولا مساومة على قراره في أن يوضع المسؤول المناسب في المسؤولية المناسبة والمتخصص الخبير الأمين في الوظيفة المناسبة والمناضل العارف الوطني والزعامة الحقيقية الشعبية لا الهزالات وأشباه الرجال هي المخولة لقيادة المرحلة الجديدة والتي سيتم التصويت لها..

ومع أن جمهورا من الناخبين يرون أن المرحلة ليست مؤهلة بعد لتقديم مثل هذه الشخصيات بما يكفي ويرون أن الانتخابات ستكون على طريقة تريد أرنبا خذ أرنبا تريد غزالا خذ أرنبا.. إلا أن هذا الاعتقاد مبالغ فيه ومتطرف في حمل سمات الاحباط وخيبة الأمل وهو غير صحيح.. إذ ينبغي أن يفكر الناخب بوجود قوى وشخصيات لها مكانتها وقد يختلف معها فكريا سياسيا لكنه لن يختلف معها في البرنامج التطبيقي لخدمة البناء وإعادة الإعمار ولا معها في التصدي للمشكلات التي تعاني منها البلاد ويئن منها العباد.. وينبغي أن يصوت هذا الناخب لتلك القوى والشخصيات بالبحث عنها فمن يريد تصحيح الأوضاع عليه التسجيل والتصويت والدفاع عن صوته وإلا فإنه بعزوفه سيصوت بشكل غير مباشر لاستمرار ما سبب خيبة أمله..

عظة منتظرة لكل الأحزاب أن ترفض آليات اختيارها السابقة القائمة على الروح الحزبي الضيق وأن تتغير لا بادعاء التغيير والتضليل بارتداء جلابيب جديدة وأسماء جديدة [لن تنفع البراقع وإن كان البرقع أجدى بهؤلاء وأضاليلهم] بل تتغير بمعالجة الأمراض وتغيير الآليات والبرامج واختيار من يمكنه تنفيذها عن حق.. وإلا فإن الأجراس قد قرعت ولن تتكرر الخيارات السابقة والجمهور أوعى من لدغه من جحر مرتين… ولن يمكن تضليله لا بتخويف بمرجعية ولا بتهويش بأسلحة ميليشيات ولا بإغراء ببطانيات أو مدافئ……… والفطنة في الاتعاظ حقا..