الرئيسية » مقالات » المصلحة العربية الموحدة … والمصالح الأمريكية

المصلحة العربية الموحدة … والمصالح الأمريكية

شكّل انتخاب باراك أوباما بأصوات الطبقات المتوسطة فما دون، سيّما فئات الشباب والأمريكيين من أصول إفريقية وأمريكية لاتينية وآسيوية، لحظة مفصلية مؤثرة في الحياة السياسية ـ الاجتماعية الأمريكية، ولا نبالغ إذ قلنا أن هذه الانتخابات شكلت منعطفاً في الحياة والعملية الديمقراطية في الغرب. إنها من المرات النادرة التي يتمرد بها جزء واسع من آلة الإعلام وصنّاع الرأي العام عن دوائر القرار المالي والاقتصادي وينحازوا إلى تطلعات الأغلبية من الشعب التوّاقة إلى التغيير وذلك تحت تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية والفشل الذريع للسياسة الخارجية الأمريكية في كل بقاع الأرض، ووصول شعبية الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها، ليس فقط لدى أوساط الرأي العام وإنما أيضاً الحكومات والنظم السياسية في مختلف أرجاء العالم.
الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية. أو بمعنى أدق الأزمة الكبرى في الرأسمالية، التي أدت بنتائجها الأولية إلى التحاق آلاف وملايين الناس يومياً بجيوش العاطلين عن العمل، وتشرّد الآلاف في الشوارع بعد أن استولت البنوك والشركات المالية والتأمينية على منازلهم وأملاكهم، وارتفعت أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية بنسبة تفوق (30 ـ 40%) وارتفعت نسبة البطالة إلى حالة غير مسبوقة، وكلها أموال ذهبت أو قُل سُرقت من كل سكان الأرض وذهبت إلى جيوب أهل القمة في الولايات المتحدة أساساً وفي كل أرجاء المعمورة.
تحت تأثير هذه الأزمة، جرت الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، ووصل الرئيس أوباما إلى سدة الحكم بأصوات الغالبية من الناس (طبقة متوسطة فما دون) تحت شعار التغيير، تغيير وإصلاح اقتصادي، وتغيير في السياسة الخارجية قائم على إعادة التوازن والاستقرار بعد فشل كل النظريات التي استند إليها جورج بوش وحلفائه من المحافظين الجدد، من “نهاية التاريخ” إلى “صراع الحضارات” مروراً بـ “صراع الأديان وذهنية القطب الأحادي المسيطر والمهيمن”.
أمام واقع التغيير المطروح كأجندة لدى الرئيس أوباما، لا بد من أن نطرح السؤال الكبير التالي: هل يمكن للعلاقات العربية ـ الأمريكية أن تستمر كما كانت في العهود السابقة ولا سيما ولايتيّ بوش الابن ؟
من المفيد الإشارة هنا أن رؤية العرب تجاه الإدارة الأمريكية السابقة، كانت تنبع من خلفية إما من موقع “التابع” أو “المتصدي”، وأن غالبية الأنظمة تندرج في نطاق الخلفية الأولى أي “التابع” وفي كل المجالات السياسيّة والاقتصادية والعسكرية والأمنية … الخ، فيما غالبية الشعوب كانت تتظلل في الخلفية الثانية أي “المتصدي” التي اصطلح عليها بكلمة “الممانعة”.
اليوم وأمام انفتاح الإدارة الأمريكية الجديدة وطرحها لأفكار التعاون بديلاً للإخضاع، والحوار والمفاوضات بديلاً للحروب، والرؤية المشتركة بديلاً لأحادية الهيمنة، فإننا ندعو الدول العربية لتنسيق رؤيتها للعلاقات الأمريكية ـ العربية على أساس المصالح الدولية، أي أن تكون المصالح الأمريكية مقابل مصلحة قومية عربية موحدة.
إن هذا يعني في البداية ترجمة قرارات القمم العربية خاصةً في المجالات الاقتصادية لجهة فتح الحدود وإلغاء التعرفة الجمركية والتبادل البضائعي، كونها خطوات باتجاه بناء التكامل الاقتصادي العربي. إن الرؤية للسوق العربية الواحدة وهو السوق الواسع نسبياً بالمقارنة مع السوق الإسرائيلي؛ هو ميزة يجب أن توظف في إطار العلاقات الأمريكية ـ العربية، والغربية ـ العربية، وهي مدخل لرؤية أمريكية ـ عربية أكثر عدالة تجاه قضايانا الوطنية والسياسية.
إن أولى المبادئ في العلاقات الدولية تقول؛ بأن لا تكون المصالح الأمريكية في الدول العربية مضمونة مجاناً، وإنما المطلوب وحدة الموقف العربي على أساس المصالح الدولية المتبادلة، أي أن تكون المصالح الأمريكية مقابل مصلحة قومية عربية موحدة وفق القرارات الدولية، في ترجمة هذا المبدأ عربياً وعملياً ما يملي تشكيل هيئة من الملوك والرؤساء قد يراوح عددهم بين 7 ـ 9، مهمتها أن تشرف فعلياً على تحقيق هذه المعادلة التي يجب بناؤها، والقائمة على مصالح مقابل مصالح، وليس مصالح بالمجان.
إن مثل هذه الرؤية العربية؛ تساعد (ولا تعرقل) الخطوات والإجراءات التغييرية للإدارة الأمريكية وتساندها في تطوير مواقفها، في التصدي للتعنت والتصلب الإسرائيلي، تحديداً في موضوع البناء الاستعماري الاستيطاني.
المطلوب ممارسة أوراق ضغط عربية وفلسطينية، على الإدارة الأمريكية لإلزام “إسرائيل” بالخضوع لسقف قرارات الأمم المتحدة يتمثل برأينا بالعوامل التالية:
• إنهاء الانقسام الفلسطيني وإعادة بناء الوحدة الوطنية بانتخابات تشريعية ورئاسية للسلطة، ومجلس وطني لمنظمة التحرير داخل الوطن وخارجه بقوانين التمثيل النسبي الكامل وبدون عتبة حسم، والعودة للحوار الوطني الشامل والبناء على نتائج الحوار الشامل (آذار/ مارس 2009) في القاهرة.
• إنهاء الانقسامات العربية ـ العربية، ووقف زرع وتعميق وتمويل الانقسام العبثي المدمّر بين فتح وحماس، وصياغة معادلة عربية ـ أمريكية جديدة وفق المصلحة العربية المشتركة لحل قضايا الصراع الفلسطيني العربي ـ الإسرائيلي بدءاً بالوقف الكامل للاستيطان، ورفض “التطبيع” حتى رحيل الاحتلال عن الأراضي العربية المحتلة بعدوان 1967، وتأمين حقوق شعب فلسطين بتقرير المصير والدولة والعودة مقابل المصالح الكبرى الأمريكية وسلام قرارات الشرعية الدولية المتوازن.
• تفعيل وتطوير دور الأحزاب والمجتمع الفلسطيني والقوى الإسرائيلية اليهودية الداعية لسلام الشرعية وإنهاء التمييز العنصري للضغط على حكومة نتنياهو لوقف الاستيطان بالكامل وإنهاء التمييز العنصري.
إن حجر الزاوية للبدء الجدّي لتحويل هذه العوامل الثلاث إلى رؤية سياسية وترجمتها من خلال الممارسة على أرض الواقع يكون بالوقف التام والفوري لتدفق المال السياسي العربي والإقليمي لتغذية الانقسام المدمر بين فتح وحماس، ولإيقاف المؤسسات الإعلامية ذات الارتباط الواضح من الانحياز الفئوي لصالح الانحياز لمصالح الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني الواحد المُوحِّد.
الجميع يعرف حجم الأموال التي تأتي وتقدر بمئات الملايين وأحياناً المليارات، بينما الشعب الفلسطيني تزداد أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية بؤساً سواء في الوطن أو الشتات ولا سيما (لبنان).
إن هذه الأموال العربية والإقليمية يجب أن توجه لتطوير الأوضاع الاقتصادية ولبناء المؤسسات الإنمائية للشعب الفلسطيني مما يزيد من إمكانيات صموده وتعزيزها، لا أن تذهب لجيوب المنتفعين والذين يحولونها لشراء الذمم أو بمعنى أدق لشراء “السلطة” والتصرف بها وبالشعب كملكية خاصة لخدمة مصالح فئوية وإقليمية.
من الناحية الأخرى فإن إنجاز الانتخابات التشريعية والرئاسية للسلطة، والمجلس الوطني لمنظمة التحرير داخل الوطن وخارجه، بقانون انتخاب قائم على التمثيل النسبي الكامل وبدون عتبة حسم، إنما يعني إعادة الحيوية للشعب لإظهار حقيقة مواقفه من الانقسام، وتوقه اللامتناهي لاستعادة الوحدة، وتطوير النظام السياسي الفلسطيني على أساس ديمقراطي نابع من كون الشعب هو صانع السلطة السياسية.
إن التركيز على مبدأ التمثيل النسبي الكامل وبدون عتبة حسم، والذي يتعرض إلى هجوم كاسح من قبل أصحاب المال السياسي الخرافي والمتربعين على رأس المؤسسات السلطوية، وأولئك الذين يتصرفون بموازناتها وكأنها ملكيات خاصة. هو بالجوهر ينطلق من الظروف الموضوعية التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ عام 1948، وتشتته الجغرافي في أكثر من بقعة من بقاع الأرض. إن المشاركة الجماعية في الانتخابات (خارج وداخل الوطن) لانتخاب الكل الفلسطيني (مجلس وطني) أو الجزئي (مجلس تشريعي) هي خطوة توحيدية لا بد منها لإعادة تصليب وحدة الشعب الفلسطيني بعد سنوات طوال من الانقسام والتشرذم، فوحدة الشعب ليست شعار نتغنى به بل لها أساساتها الموضوعية القائمة على التزاوج بين المشروع الوطني (وهو أحد استهدافات الانقسام) وآليات تنفيذ وتطبيق هذا المشروع.
كما أن التركيز على قانون انتخاب قائم على التمثيل النسبي، يتيح لكل القوى السياسية والاجتماعية المشاركة في النظام السياسي، مما يعزز الوحدة الوطنية وهي السلاح الأهم في مرحلة التحرر الوطني، علماً أن العديد من القوى السياسية والاجتماعية هي ذات اهتمامات محلية (بحكم الواقع الموضوعي) وإن مثل هذا القانون يتيح لها وللجميع المشاركة وتصليب بنيان الوحدة الوطنية.
ومما لا شك فيه أن قانون التمثيل النسبي ـ وهو ما يؤكده خبراء انتخابات ـ يزيد بشكل ملحوظ من نسبة المشاركة في الانتخابات وهو مطلب وطني وديمقراطي لا شك فيه.
كما أن قانون التمثيل النسبي الكامل يخفف إلى الحد الأدنى الممكن من تأثيرات المال السياسي واستخدام السلطة والعصبيات العائلية والقبلية.
بمعنى آخر؛ إن هذا القانون وكما يؤكد جميع خبراء الانتخابات هو المعيار الأكثر دقة لقراءة المؤشر السياسي والبرنامجي للرأي العام، فيما قانون الدوائر هو معيار لقراءة طغيان تأثير المال السياسي والاستخدام المهين للسلطة ولتزايد العصبيات العائلية والقبلية.
في الخلاصة لا بد من القول أن إجراء انتخابات الكل والجزء الفلسطيني وعلى قاعدة قانون التمثيل النسبي الكامل هو المدخل الذي لا شك فيه نحو تعزيز الحضور الفلسطيني على المسرح السياسي الإقليمي والدولي، أما دون ذلك فستبقى الأدوار الرئيسية مقتصرة على الطرف الصهيوني والاحتلال العنصري، وسيجد ليبرمان وقتاً ومساحة لتنفيذ برامجه العنصرية.