الرئيسية » مقالات » العلمانية… موقف وسطي

العلمانية… موقف وسطي

إن الفلسفات المادية و العدمية و العبثية ليست نتاجا شاملا للحضارة الغربية العلمانية بقدر ما هي “تعبير” و تجلي للحريات و هي جزء من مجموعة فلسفات تتفاوت من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، و إذا كان المسيري لا يعتبر الإيمان بوحدة الوجود ـ و هي ظاهرة كانت قوية في التصوف السني مثل ابن عربي و ابن الفارض و السهروردي و في التصوف الشيعي بشكل أعم ـ إلا نوعا من “الإلحاد” فهذه بالفعل انتقائية تشبه أو تتطابق مع الانتقائية السلفية القطبية ـ نسبة إلى سيد قطب ـ التي تعتبر كل المنتج الحضاري الإسلامي من فن و فلسفة و أدب و تصوف، كفرا لا جذور له في الدين و بالتالي وجب القضاء عليه بكل الأساليب الممكنة، و هذا ما يتناقض مع المنهج العلمي الواقعي الذي يرفض المسلمات و البديهيات و التقليد دون وضعها تحت طائلة البحث و السؤال و التمحيص، بينما نجد العالم الإسلامي غارقا، في مقابل الغرب، في اليقينيات و الإيمان المناقض للعقل و التقليد الأعمى، و خلوه من مظاهر الفلسفات العدمية و الإلحادية و العبثية ليس نتاج تماسك حضاري عقلي و إنما قهر اجتماعي “متمظهر بالديني” منع أي تشكل متنوع للعقل، و قصة ابن رشد مع مجتمعه هي خير مثال على ما كان يعانيه المفكرون و لا زالوا يعانون في العالم الإسلامي الذي هيمنت عليه اليقينيات و المطلقات و بالتالي تحول المطلق و البديهي إلى نوع من “العدمية” و النمطية التي لا تقبل النقاش، فالفلسفة العدمية الغربية هي نتيجة و ليست منطلقا بعكس اليقين الشرقي الذي هيمن على كل شيء.

إن التشيء و التسلع بالنسبة إلى الإنسان و اللذان استعارهما المسيري من الفلسفة الغربية، لا تعني بالمطلق أن هذه الظاهرة هيمنت كلية في الغرب و بالتالي أصبح الإنسان مجرد متلقي لما يسميه المسيري بهيمنة وسائل الإعلام على البشر، لأن الفلاسفة عادة ما ينتبهون إلى “تجليات” أو “ظواهر” معينة في المجتمع و يقومون بالتعميم، فلم لم يلاحظ المسيري أن معدلات الأعمال الخيرية في المجتمعات الغربية رغم كل الحديث و الضجيج عن “فقدان القيم” و “التشيء” و “التسلع” المزعوم للإنسان الغربي، فالغربيون أدركوا و منذ أمد طويل أن الثقافة و الإبداع هي نتاج لبيئة الرخاء و الاستقرار، لذلك تجد أن معدلات التثقيف و الاطلاع بلغت في الغرب حدا لا يقارن بما يعيشه الشرق، فأفقر دولة في الاتحاد الأوروبي و هي (أسبانيا: المستعمرة الإسلامية السابقة) تنتج من الكتب و المؤلفات سنويا ما يعادل إنتاج العالم الإسلامي كله طوال 1000 عام من البحث و الإنتاج، و هذه حقيقة قد تصيب القاريء بصدمة لا بد لنا من أن نواجهها و نطلع عليها.

يناقش المسيري رأي صامويل هانتيغتون Samuel Huntigton “صاحب نظرية صدام الحضارات”، في قوله أن النموذج العلماني الغربي ـ أرى أنه كان غربيا ـ هو الأصلح لتخلص إليه الحضارات، فيقول الدكتور المسيري:

و مع هذا نجد هنتجتون نفسه بعد أن افترض شمول المصطلح يتعثر و يتبعثر، و يتحدث عن “الأفكار الغربية الخاصة بالفردية و الليبرالية، و الدستورية، و حقوق الإنسان، و المساواة، و الحرية، و سيادة القانون، و الديمقراطية، و حرية السوق، و فصل الدين عن الدولة” أي أنه بعد أن تحدث عن العلمانية باعتبارها رؤية شاملة للكون، عاد و تحدث عن عدة أفكار مختلفة من بينها العلمانية (الجزئية)” ـ المصدر السابق ص 35 ـ 36

إن المفردات المتعددة التي نقلها المسيري عن صامويل هانتغتون ليست مفردات منفصلة عن “العلمانية” و التي لا يعنينا مصطلحا الشمولية و الجزئية اللذان يستخدمهما المسيري شيئا، لأن الشمولية و الجزئية لا تعني إلا خطوة مختلفة يقدم عليها العلماني، فالفيلسوف الألماني الكبير عمانوئيل كانط لا يحكم على القضايا اللاهوتية و الثيولوجية عبر المنطق المادي لا بالسلب و لا بالإيجاب و بالتالي يمثل خلاصة العلمانية على عكس نقيضيه “هيجل” و “ماركس”، فالفيلسوف الألماني الآخر “هيجل” فصل بالمطلق بين المسيحية و غيرها من الأديان فأكد بما لا يقبل الشك أنها الدين الوحيد الموحى به، بينما وقف ماركس مؤكدا فيما يشبه اليقين الدّيني أن الحقيقة الوحيدة هي القوانين الاقتصادية لا غيرها.

يورد المسيري في الصفحات 36 و 37 من كتابه “العلمانية تحت المجهر” و الذي ألفه مناصفة مع الدكتور عزيز العظمة، أمثلة من الأدب الغربي في تناقص معدلات الأنسنة أو الفردية و وجود الإنسان “القيمي”، بدءا بحكايات كانتربري لتشوسر و مسرحيات شكسبير و مرورا بكورنيل و راسين إلى ووردزورث و فيكتور هوغو و ديكنز و دستوفيسكي و تولستوي. يضيف الدكتور المسيري بأن هذا الأمر يتراجع منذ القرن العشرين مستشهدا برواية ت س إليوت (الأرض الخراب) و أنها رواية مليئة باختفاء الأبطال و الشخصيات تتحرك بلا اتجاه مثل ذرات متناثرة و في عزلة قاتلة خاضعين لحتميات عديدة صارمة و من ثم يحدثنا المسيري عن كافكا و خضوع الشخصيات في قصصه لحتميات لا يعرف كنهها، ليتساءل في النهاية قائلا:

إن تحول الإنسان إلى ذرات متناثرة، ثم إلى صرصور، و جلوسه في صندوق قمامة ينتظر من لا يجيء، و خضوعه للحتميات المختلفة، و تحول اللغة الإنسانية إلى مجرد أصوات لا مرجعية لها، هي عملية تفكيك لهذا الإنسان.” ـ العلمانية تحت المجهر ص 37

حقيقة هي أن عقلنا الشرقي قد تجاوز و تغافل كليا عن “منطق الشك و السؤال” و وضع الرأي الآخر في موضع الصحة المحتملة، جعل هذا العقل الإيماني البحت من الأدب كله مجرد عبث، و ليس النموذجان الإليوتي في رواية الأرض الخراب أو الكافكي في قصصه حصرا لهذا الاتهام، بل إن من المتدينين من حاول إقناعي إن كتابة “القصص و الروايات و السيناريوهات” قد تدخل ضمن دائرة “المحرمات” أو “النميمة”!! لأنها ببساطة نتاج “الخيال” و هذه الكلمة في العرف الديني تعني “الكذب”، فمجال الأدب لا يمكن وضعه تحت مقياس النقد العلمي و الفلسفي لأن الأدب هو أشبه برسم صورة ـ عبر الكلمات ـ لا يحددها منطق أو قانون و يترك للعقل الباطني و للإلهام النفسي أن يكتشفها، فربما تبدو قصة ما، مجرد قصة حب و غرام، و لكن عند التحليل نجد أن لها هدفا سياسيا، و هذا الأمر هو الذي جعل شخصا مستبدا كنابليون “الثالث” يدخل في خصومة كاتب عظيم مثل فيكتور هوغو.

إن منطق اللا منطق هو الذي يحكم النقد المسيري للعلمانية بسبب تتبعه الفكرة و ربطه إياها بمراتب أخرى لا علاقة لها بالعلمانية كحل لإشكالية تحكم الديني الضبابي الذي يحتمل الكثير من التأويل في الواقع، و الحكم على الأدب بمقاييس الحكم على التاريخ أو البحث العلمي يقع في ذات الإشكال الذي طرحناه حول تداخل الدين و الدولة و أن لا حدود لهذا التداخل، إذا ما أخذنا به، و لذلك لا يمكن وصف الأدب بالسلبية لمجرد أنه رسم صورة كئيبة، لأن مهمة الأدب كما هي مهمة البحث العلمي هو تشخيص الواقع كما هو بدون إضافات أو رتوش، و إذا كان الأدب الحديث مكبلا بوصف العلاقات الجنسية مثلا فإن مردّ ذلك بالتأكيد إلى جوانب الكبت الكبيرة التي تعيشها المجتمعات الشرقية، بينما أخذت هذه الظاهرة في الانحسار في الغرب بسبب الانفتاح الكبير الذي تشهده تلك المجتمعات.

و إذا كان المسيري يقول: لماذا يصاب كل شيء يُصاب بالحياد؟ لماذا يتحول العالم إلى ذرات مبعثرة متناثرة؟ إن عالم الشعر الحديث في جوهره عالم انسحب منه الإله، و نزعت منه القداسة، و تفكك فيه الإنسان، فأصبح خاليا من المركزية و المرجعية الإنسانية، عالم خال من القيمة الأخلاقية و الإنسانية.” ـ المصدر السابق ـ ص 39

فإن جواب هذا التساول هو أن الإنسان الحديث اكتشف أكبر كذبتين بقيتا تنطليان على البشرية لآلاف الأعوام، الأولى: أنه اكتشف أن معاناته على هذه الأرض و ما يحيط به من كوارث و أمراض و فقر و كل النواقص المحيطة به لا علاقة لها بالله أو القضاء أو القدر، إلا إذا اعتبرنا أن القدر يعني النسبية المادية و قانون العلة و المعلول {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} القمر ـ 49 و القرآن وحده هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يشير خطابه إلى نسبية اللغة و أنها قابلة للسلب و الإيجاب و التأويل الإيجابي و السلبي يتضمنان في أي خطاب ديني أو فنّي أو فلسفي، من هنا كان الإنسان ضحية العقل الخرافي الذي يجعل الواقع المؤلم و المتخلف شأنا إلهيا قدريا أو له علاقة بالآثام و الذنوب “المفترضة”، و آيات القرآن كثيرة في هذا الباب و هي تنفي أن يكون الفعل السلبي و النتيجة السلبية من الله الذي هو خير محض، فكان أن بدأ الإنسان ينسب كل شيء ناقص إلى الطبيعة و الطبيعة بما أنها ناقصة فهي الأولى أن تتحمل تبعات آلامنا و معاناتنا، و أما الكذبة الثانية: فهي أن الإنسان خدع عشرات الأعوام و لا زال مخدوعا بها في بعض بقاع العالم ـ و المسيري واحد منهم بالتأكيد أعني المخدوعين ـ فهو البحث عن الإنسان المثالي و الكامل و السوبرمان اللا واقعي، أي المنفصل عن الإنسان العلمي، و الإنسان الطوباوي هو من السمات الواضحة في الثقافات الثلاث (الإسلام السياسي اللا لاهوتي ـ الماركسية ـ القومية)، و المسيري هو نتاج هذه الثقافات الثلاث و لذلك نجده دوما يتهم الإنسان الغربي الموغل في الإنسانية بأنه انفصل عن إنسانيته المفترضة، دون أن يطرح السؤال أو الجواب ـ فهو سؤال و جواب على حد سواء ـ أن الإنسان هو ما تحقق بالفعل على أرض الواقع لا ذلك المخلوق الملائكي الذي نتخيله ملتزما بالمواعظ، فهو كائن غريزي بالفطرة بينما الاتعاظ و التأثر بالثقافة يحتاج إلى تراكم تربوي و اجتماعي و ثقافي.

إذن، حينما بدأ الإنسان ينفي السلب عن الله و ينسب النقص و الخطأ و التمييز إلى نفسه و إلى الطبيعة، حينها كان له الحق في أن يسير في الطريق حتى النهاية و أن يحاول الإجابة على كل المسائل و القضايا، و هو ما يطلبه المسيري و يطالب به مفكرون من العالم الشرقي المسلم، و رغم أن لا أحد سيستطيع الإجابة على كل الأسئلة، إلا أن هذين الاكتشافين المنطقيين الذين سبق لنا الحديث عنهما و نزع العقل من وهم نسبة الناقص إلى الله و نزع الإلوهية عن الإنسان ـ نزع السوبرمانية عنه ـ جعلا من الإنسان كائنا أقوى عبر العقلية الجديدة التي كشفت له عن أفضليته ـ رغم نقصه ـ على الموجودات المحيطة به، غير أنه أكثر المخلوقات ضعفا إذا رأى نفسه كاملا بينما ينسب نقص المادة و عيوبها إلى الله.