الرئيسية » مقالات » مع من يتحالف الشيوعيين

مع من يتحالف الشيوعيين

تشهد الساحة السياسية تجاذبات حادة بين القوى السياسية واتصالات محمومة لتكوين ائتلافات لخوض الانتخابات القادمة لم تتمخض المشاورات عن صيغ معلومة ولا زالت الاتصالات مستمرة وسط صخب أعلامي وحمى من التصريحات المتضاربة عن التحالفات بين هذا الطرف أو ذاك وما يعنينا هو موقع التيار الديمقراطي مما يجري وتحركاته لتكوين ائتلاف يمكن له أن يثبت وجوده في الساحة السياسية في ظل المستجدات الطارئة على الساحة وفقدان العديد من المكونات الطائفية لحضورها في الشارع مما دفعها لمحاولة الالتفاف على الناخبين لارتداء أثواب جديدة لتظهر بمظهر ديمقراطي بعيدا عن أي تكتل طائفي لانحسار التأييد الشعبي بسبب فشلها الكبير في أدارة الدول طيلة السنوات الماضية وظهور توجهات شعبية لاختيار بديل علماني مما حدا بالأطراف الطائفية الى محاولة ارتداء اللبوس العلماني ونبذ الطائفية ظاهريا في محاولة لكسب الشارع العراقي الذي ذاق الأمرين جراء أعمال العنف والهدر المالي والفساد والعجز عن توفير الخدمات الضرورية للمواطن،ناهيك عن الصراع بين الائتلافات الطائفية وفي داخلها للهيمنة وبسط النفوذ وإنهاء الآخر لأنها ذات مشروع سلطوي لا علاقة له بالدين والمذهب وأن اتخذ لبوسا دينيا لخداع البسطاء والسذج ممن فقدوا القدرة على التفكير والتمييز فانساقوا وراء عواطفهم الدينية التي أوصلتهم الى الحضيض.

وما يعنينا في ضوء هذه التجاذبات ،أين يكون التيار الديمقراطي وقوى اليسار وطليعتها الحزب الشيوعي العراقي ؟هل يمكنها التحالف لوحدها في تيار واحد يمثلها أم تكون ضمن التيارات الطائفية التي تتبارى في جذب القوى الديمقراطية ضمان لإلباسها الرداء الديمقراطي لخداع المواطن من جديد؟

يبدو في ضوء ما يجري من حراك داخل التيار الديمقراطي أنه لا أمل في تحالف عريض يجمع قوى هذه التيار على مختلف مشاربها وتوجهاتها لاستحالة الجمع بين المتناقضات وعدم القدرة على الوصول لاتفاق انتخابي ولو ضمن الحد الأدنى من التحالفات لوجود تقاطعات وحسابات بعيدة عن المصلحة الوطنية وخدمة مجموع الشعب فالقوى الكردية ذاتها تشهد تقاطعات وخصوصا بين قائمة التغيير والجماعات الإسلامية والحزبيين الرئيسيين مما يهدد قدرتهم على توحيد صفوفهم في جبهة كردستانية موحدة لتحقيق مطالبها القومية لعمق ما بينهم من خلافات تصل حد العداء وبذلك لا يمكن للقوى الكردية أن تكون حليفا للقوى الديمقراطية واليسارية لوجود اختلافات كبيرة في الرؤى والتوجهات وخصوصا بين الأطراف القومية التي لا زالت عند حدود مطالبها في رفض الفيدرالية وإنهاء ملف المناطق المتنازع عليها وكركوك والموصل بالذات لذلك لا يمكن التقاء القوى القومية العربية مع القوى القومية الكردية حتى في الحد الأدنى من التحالفات وبذلك أفتقد التيار العناصر المؤثرة فيه لما بينها من اختلافات.

أما على صعيد الوسط والجنوب فالقوى الديمقراطية واليسارية تعاني من تقاطعات حادة لاختلاف رؤيتها للكثير من القضايا على الصعيد المحلي والإقليمي ووجود أجندات مختلفة لقوى التيار ولا أعتقد أنها قادرة على الوصول الى الحد الأدنى من التوافق بسبب التجارب التي أثبتت أن بعض التيارات تحاول احتواء الأخرى وأذابتها دون النظر لخصوصيتها وتصوراتها وبالتالي لا يمكن لهم الالتقاء في تحالف متين يكون له تأثيره في العملية السياسية .

أمام ذلك يبرز تساؤل كبير أين هو الحزب الشيوعي بين هذه التيارات وما هي خياراته في التحالف مع القوى الموجودة على الساحة العراقية،هل يتحالف مع القائمة الكردستانية التي تتقارب معه في الكثير من القضايا ،وإذا قدر له التحالف معها ما هي منفعته أو حظوظه في الحصول على مقاعد في الوسط والجنوب إذا علمنا إن القوى الكردستانية ليس لها التأثير الفاعل في هذه المناطق و لا يمكن لها أن تصل القاسم الانتخابي في هذه المحافظات إذا كان القانون الانتخابي ضمن الدوائر المتعددة.

هل تتحالف مع القوى القومية التي تتقاطع معها في الكثير من الأمور وأكثر هذه القوى لها توجهاتها البعثية الواضحة وعدائها التاريخي للشيوعيين ،أم تتحالف مع العشائر والأعيان وهؤلاء بينهم وبين الشيوعيين الكثير من الاختلافات العقائدية والمبدئية والفوارق في البناء السياسي والاقتصادي للبلاد وهذه القوى لا تشكل ضمن السياق التاريخي للحزب أي لقاء مشترك على صعيد التوافق في التوجهات.

تبقى أحزاب السلام السياسي وهذه الأحزاب التي شكلت على أساس طائفي لا يمكن لها أن تتخلى عن أصولها وتوجهاتها الطائفية لأنها المنطلق الأساسي لتحركها ولا يمكن لها ولو ظاهريا تبني مشروع الدولة المدنية الديمقراطية لأن جل هذه الأحزاب لا تحمل في داخلها أي توجه ديمقراطي وترى في الديمقراطية آلية للوصول الى السلطة لبناء دولتها الإسلامية التي ترفض الآخر رغم التقائه معها في الدين والتوجهات العامة ولا يمكن للقوى السنية أن تلتقي مع القوى الشيعية لقاءا حقيقيا إلا في حالات المواجهة مع طرف آخر هو التيار العلماني، والتيار العلماني لا يشكل في الوقت الحاضر قوة يحسب لها حساب وبالتالي فان تحالفات الأحزاب الدينية لا يمكن لها الخروج من شرنقة الطائفية حتى وأن أدخلت في غمارها بعض الشخصيات من المذهب الآخر ،وبذلك فان الحزب الشيوعي لا يمكن له أن يدخل في تحالف انتخابي مع هذه الأطراف إلا إذا دخل في مقامرة لا يمكن حساب نتائجها في المستقبل القريب والبعيد.

تبقى هناك قوى لها توجهها الديمقراطي وإمكانية اللقاء معها في الكثير ن الأمور ولكن هذه القوى لا تمتلك التأثير الفاعل بين الجماهير ولا تمتلك ألامتداد الجماهيري المؤثر ،ولم يكن الحزب في تلك القوة التي تؤهله التعبئة لها وإبرازها كقوة حقيقية كما هو الحال في أيام العز الثوري ،وربما تكون هذه الأطراف عالة عليه كما رأينا في انتخابات مجالس المحافظات،رغم أن التحالف معها من ضرورات المرحلة من أجل بلورة تيار ديمقراطي وأن يكون له الفاعلية أو التأثير في مسير الأحداث.

أذا ما العمل ؟هل يمكن للحزب الشيوعي النزول بقائمة مفردة خصوصا إذا طبق قانون الدوائر المتعددة الذي سيجعل فرص الحزب ضعيفة في مجال الوصول المؤثر الى البرلمان لتفرق الأصوات وتشرذمها في ظل ضعف الإقبال الشعبي للمشاركة في الانتخابات بسبب الإحباط الذي أوصل الكثيرين الى حافة اليأس وهذا الأمر بحد ذاته سيقدم خدمة كبيرة للقوى الحاكمة التي تستطيع حشد المستفيدين منها ممن منحوا فرصا للعمل أو امتيازات ممن لهم تأثير اجتماعي بوجه من الوجوه وما لها من تأثير كأحزاب في السلطة قادرة على الاستفادة مما يتوفر لها من ممارسات ليس بإمكان القوى الأخرى الوصول إليها، وتأثيرهم على المفوضية التي هي صنيعة تلك القوى بما ظهر من انحيازها لهم وإهمالها للاعتراضات الكثيرة وبالتالي فان قوى السلطة المهيمنة على مجالس المحافظات والسلطة المركزية هي التي ستحصد النسبة الكبيرة من الأصوات وسيكون لها النصيب الأوفر في قيادة السلطة وبناء الدولة بما يضمن هيمنتها لدورات عديدة وقد تتحول الى سلطة مستبدة إذا لم تجد من يستطيع الوقوف بوجهها وإجبارها على تبني مواقف الجماهير،وربما ستعمد هذا القوى لإلغاء المظاهر الديمقراطية كما هو عليه اغلب دول المنطقة من دكتاتورية ملفعة بأبراد شفافة من الديمقراطية الزائفة.