الرئيسية » مقالات » مابين المحبة والصفاء والكراهية والبغضاء

مابين المحبة والصفاء والكراهية والبغضاء

بين هاتين الصفتين اللتين حملتهما النفس البشرية منذ أن أوجدها الخالق العظيم على هذه الأرض سبعة بحور أو ماصنع الحداد كما تقول الأمثال وصراعهما أزلي منذ هابيل وقابيل عندما تجسدت تلك البغضاء في نفس قابيل المظلمة فارتكب جريمته بحق أخيه ثم ندم على فعلته الشنيعة ولكن بعد فوات الأوان . فالمحبة بين البشر تورث الصفاء وتعمر الكون وتجعله زاهيا غامرا بالعطاء والقيم الأنسانية العليا التي تجسدها النفس الأنسانية الطاهرة المشعة بالخير والنبل والفضيلة لبني جنسها والبغضاء تورث الدمار والقتل بغير حق وتزرع الشك والعداء وتمزق اللحمة الأنسانية بين البشر وتنتج الحروب التي تدمر كل مابنته يد الأنسان الخيره من حضارة ورقي وتقدم وتكون نتيجتها الفقر والمرض وانهيار القيم الأنسانية .

وقد بعث الله الأنبياء لأصلاح البشرية وزرع المحبة بين بني الأنسان ولينشروا راية العدل والسلام والحرية ويشحنوا النفوس بقيم الخير والمحبة والصفاء . وعندما تسمو النفوس بشآبيب المحبة والرحمة تشع على الوجود بالمعطيات الأنسانية الرفيعة التي توصل المجتمعات البشرية ألى شاطئ الأمن والسلام والألتقاء على أسس ثابتة من المنطق والحكمة التي تحملهما نفس الأنسان المحب لبني جنسه من البشر.

وكل أنسان في هذا العالم يحمل بذرة الحب النقي في قلبه يحمل معه مصباحا يضيئ السبل المعتمة لأخوانه في الأنسانية لأنه الأقدر على العطاء والأبداع والأيثار والتضحية من أجل الآخرين وتخفيف وطأة الأحزان وثقلها على النفوس التعبى التي تعرضت لقسوة وظلم الآخرين الذين حرموا من نعمة المحبة لبني جنسهم وفقدوا هذه الصفة الأنسانية الجليلة فراحوا يزرعون الموت والدمار في كل مكان يستطيعون الوصول أليه فأصبحوا أعداء لأنفسهم وأعداء لمجتمعهم وأعداء للبشرية جمعاء. وعندما يكثر المحبون في المجتمع تنهزم أرادة الشر والحقد والبغضاء التي يريد أعداء الأنسانية أن تسود اليوم في عالمنا الراهن وآثار الأربعاء الدامي المأساوية وما قبلها من عمليات القتل العشوائي الأعمى من هؤلاء المجرمين هي أبلغ شاهد على أهداف دعاة الحقد والكراهية والبغضاء . وبالحب النقي الصادق تتلاشى العنعنات الطائفية والعنصرية والعصبيات العمياء التي تحجر القلوب والعقول معا وتنقلها ألى سراديب الأنغلاق وتقتل بذرة العطاء في نفس الأنسان .

فالسياسي الذي يحب شعبه لايساوم أبدا على دمائه الطاهرة التي يسفكها دهاقنة الحقد والكراهية والغضاء من أجل مصالح حزبية ضيقة سرعان ماتخبو وتتلاشى كالدخان . وهو بذلك لايمكن أن يصبح بوقا يردد مايقوله أعداء شعبه في الخارج ويحمل أجندات هؤلاء الذين يضمرون أبشع أنواع الحقد والكراهية لشعبه . والسياسة أن لم تكن مفعمة بالحب الصادق من أجل هدف نبيل وهو خدمة الشعب وتخفيف أعباء الحياة عن كاهله وكاهل فقرائه وأيتامه وأرامله تكون ضربا من الدجل والزيف والخواء والكلام المعسول والوصولية التي لاتفضي ألا ألى زعزعة الثقة وبث روح التنافر بين أبناء المجتمع الواحد.وعلى السياسي الحقيقي الذي يحب شعبه أن لايطلق الأتهامات الكاذبة بالجملة على منافسيه لأنهم اختلفوا معه في الرأي ولابد أن يسلك الطرق الأخلاقية في المنافسة الشريفة الخالية من التجريح والتسقيط لأن يكون أهلا للثقة وصوتا محبا صافيا لشعبه.وهذا مايحتاجه الشعب العراقي اليوم وأقولها بكل أسف وألم ماأكثر خطابات السياسيين اليوم المغلفة بالحب الزائف للشعب والتي تحمل في طياتها الكثير من السم الزعاف.

والمعلم حين يحب تلامذته ويزرع في نفوسهم قيم الخير والمحبة والصفاء والأيثار والتضحيه يكون قد أدى رسالته الأنسانية بكل صدق وأمانة وساهم في أنشاء جيل محب لشعبه وأمته وعصي على دعاة الكراهية والحقد والغدر والدمار . وهذا ينطبق على رب الأسرة الذي يعامل أسرته بالمحبة دون تمييز يكون قد أنشأ أسرة متحابة متعاونة تساهم في فعلها الأيجابي في المجتمع وقادرة على تذليل كل صعوبات الحياة وتحمل قيم المحبة والود لمجتمعها .

والكاتب والأديب أذا كان محبا لمهنته ومخلصا لها ويقدر قدسية الكلمة لابد أن يسخر طاقاته لنشر الحب الأنساني الخلاق بين أفراد مجتمعه ويشجع على المبادرات الطيبة والفعاليات الأنسانية التي توطد أواصر المحبة والصفاء بين أبناء الوطن الواحد وتبعدهم عن الشحناء والبغضاء والفتن الطائفية والعنصرية التي تدمر المجتمع وتفكك الروابط الأنسانية بين أفراده.

فما أعظم المحبة التي لو غمرت النفوس فأنها تصبح السلاح الأمضى بيد المحبين لمقاتلة الشر والحقد والكراهية والبغضاء . أنها كالمصباح الذي ينير كهوف الظلمة . وتصنع المعجزات الخلاقة وتبني النفوس المؤمنة بربها وبنبيها . وما أبشع وأظلم تلك الكراهية التي توصل الأنسان ألى الدرك الأسفل من الحياة وتجعله وحشا بل أحط من الوحش وهو يمضغ لحم أخيه الأنسان بسم الله الرحمن الرحيم ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه؟ ) 12- الحجرات وقد بين الله جلت قدرته البون الشاسع بين الحب والكراهية في هذه الكلمات . وقال جلت قدرته في آية أخرى بسم الله الرحمن الرحيم : ( ولكن الله حبب أليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره أليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون . ) 7- الحجرات فربط الله سبحانه بأعجازه الحب بالأيمان وربط الكره بالكفر والفسوق والعصيان . وقال تجلت قدرته في آية أخرى يصف فيها المنافقين بسم الله الرحمن الرحيم : ( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أعظم . ) وقد وصف الله جلت قدرته رسولنا الكريم باللين المحب العطوف على قومه والمحب لهم بأمر الله والذي شذ عنه الكثير من المسلمين في هذا الزمن بسم الله الرحمن الرحيم : (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لآنفضوا من حولك . ) وقد وصف الله سبحانه أولئك القساة الغلاظ بأنهم أقسى من الحجر لأن بعض الأحجار يتفجر منها الماء الذي هو أكسير الحياة والذي جعل منه الله كل شيئ حي بسم الله الرحمن الرحيم : ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وأن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وأن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون . ) 74- البقره . فمن هم هؤلاء القساة الذين هم أشد قساوة من الحجر الصلد . ومن المؤكد والبديهي أنهم أولئك الذين امتلأت قلوبهم ونفوسهم بالحقد والضغينة والبغضاء على كل شيئ خير ونبيل ونقي في هذه الحياة وهؤلاء الذين سلكوا طريق البغضاء هم القتلة الذين يقتلون أنفسهم ويقتلون الناس دون تمييز لأنهم تعاموا عن رؤية الحق وأصبحت قلوبهم أقسى من بعض الأحجار التي تمنح الحياة وأصبحوا عوامل هدم وتخريب ودمار وسفك دماء للبشرية برمتها . ولقد رأيت بأم عيني صخورا صماء نبتت فيها أشجار وارفة الظلال ولاشك أن قدرة الخالق العظيم أودع في قلوب هذه الصخور الصماء الحب والرحمة التي نأى عنها بعض البشر فتفتحت مساماتها لكي تحتضن هذه الأشجار التي تسر الناظرين وتمنحهم عطاءها الخلاب البهي وهي من حكم الخالق العظيم التي فيها الكثير من الدروس لمن وعى وسار على طريق الهدى .لقد ذكر الله الكثير من كلمات المحبة والكراهية والبغضاء في محكم كتابه العزيز و بين التنافر والتناقض الصارخ بينهما .

قال رسولنا الكريم محمد ص : ( لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه ) وقال ص في حديث آخر ( والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا . ) وقال الأمام على ع ( من لانت كلمته وجبت محبته ) وقيل في الأمثال ( أذا أحب الله عبدا حببه ألى الناس . )

فالمحبة هي روح الوجود وأكسير القلوب وصمام الأمان لبني الأنسان وهي تجعل المر حلوا والتراب تبرا والكدر صفاء والألم شفاء والمؤمن أيمانا حقيقيا بالله هو الذي يحب حبا خالصا لوجهه والحب الصادق شاعر يحب الكون برمته لأن أي أنسان مهما بلغ من القساوة والكره والحقد ينقلب شاعرا في اللحظة التي يلامس الأيمان شغاف قلبه . بالحب تسمو النفوس ويزدهر الوطن وتضاء شعابه بالأجمل والأفضل والأكمل وتجعل من الناس لوحة نابضة بالحياة الحرة الكريمة البعيدة عن الفحش والسوء والخواء والحبة الخالصة لوجه الله هي محراب الأنسانية المقدس التي تنمو في أفيائه وجوانحه كل عوامل والخير والسعادة والأمل ونستطيع تحت ظلاله الوارفة من بناء وطن قوي مزدهر في جميع مجالات الحياة نباهي به أمم العالم والعكس بالعكس فعسى أن يدرك الحقيقه بعض من غلبت على روحه وأرادته الكراهية العمياء وغلفت قلبه غيوم البغضاء الداكنه وقادته ألى بئر سحيقة مظلمة لاقرار فيها .

جعفر المهاجر

24/9 /2009