الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -34

حرب وسجن ورحيل -34

مابعد أيقاف الحرب
وضعت الحرب أوزارها في ذلك القيظ اللاهب من شهر آب عام 1988 بعد تلك السنين الثمان التي أنهكت أقتصاد البلدين وحصدت مئات الآلاف من شبابهما ومنهم نسبة كبيرة من خريجي الكليات والمعاهد وكان بالأمكان أن يكونوا ثروة علمية وثقافية وتنموية مستقبلية لاتقدر بثمن ورغم وطأتها وثقلها على مجمل مساحة العراق ودخول مآسيها الموجعة ألى معظم العوائل العراقيه بفقدها فلذات أكبادها فقد تنفس الجميع الصعداء لآعتقادهم بأنها ستكون آخر الحروب ألا أن اعتقادهم كان في غير محله فقد كانت في ذهن الطاغية أشياء أخرى مناقضة لطموحات المجتمع في العيش آمنا مطمئنا بعيدا عن ويلات الحروب ومآسيها وأهوالها . كان رئيس النظام يفكر بعمل كبير آخر يكون مهلكة حقيقية للعراقيين وقد احتار علماء النفس في تلك الشخصية النرجسية التي كانت تميز رئيس النظام والتي هي خليط من شخصية السوبر مان وهتلر وستالين لكي يثبت للعالم أنه الرجل الأقوى في العالم ! كل هذا على حساب المسحوقين والفقراء من أبناء الشعب العراقي الذي منحه الله ثروات هائلة حولها الحاكم ألى محرقة تلتهم مئات الآلاف من البشروتقضي على عدة أجيال ولم يدر بخلدهم أن في الأفق يوما آخر من شهر آب أشد وطأة وهولا وقساوة ومأساوية ينتظرهم وكانت كارثة عظمى وفاجعة رهيبة ومهلكة للعراق وشعبه حيث وقع عراق الرافدين تحت الوصاية الدولية وما سمي بالبند السابع الذي قضى على كل أمل للعراقيين بالنهوض بعد حرب السنوات الثمان بعد أن دمر اقتصاد العراق تماما وبلغت ديونه بمئات المليارات من الدولارات والتي كانت كافية لبناء دولة عصرية متقدمة في كافة مجالات الحياة ومازالت آثار ( أم المهالك ) الكارثة ماثلة أمام أعين العراقيين في كل مفاصل الحياة ومازال آل الصباح يطالبون بالمزيد من الأموال الطائلة من أموال الشعب العراقي ويضعون العراقيل تلو العراقيل لخروج العراق من آثار تلك الحرب الثانية القاصمة لظهر العراق وشعبه كل ذلك بفعل تلك الغطرسة اللامتناهية التي ركبت رأس حاكم العراق وحالة جنون العظمه والغرور المطلق الذي أصيب به بعد أن أعلن انتصاره على ( الفرس المجوس ) وهو لم يكن كذلك أبدا .
فبعد وقف أطلاق النار مباشرة أنطلقت وسائل الأعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لرئيس النظام ببث الأغاني عن الأنتصار الباهر والأناشيد الصاخبه والمقالات التي تمجد شخص الرئيس وأقيمت الأحتفالات الصاخبة في المقرات الحزبية والساحات العامة والشوارع أحتفاء ب ( يوم النصر العظيم ) وخرج رئيس النظام بسيارته الخاصة ومعه رتل من سيارات الحمايه وقد لبس العقال والعربي والكوفية البيضاء وكان سائقه أبن عمه صاحب الحظ العاثر ( صدام كامل )الذي قتله مع أخيه حسين كامل أثر هروبهما ألى عمان ورجوعهما ألى بغداد بعد أن أعطاهما الأمان وهو الذي مثل دور صدام في ماسمي برواية ( الأيام الطويلة )وهي تحكي قصة هروب صدام من العراق بعد تنفيذ جريمته مع المجرم عبد الوهاب الغريري وآخرين في ضرب الزعيم الوطني الخالد عبد الكريم قاسم في رأس القريه في السابع من تشرين الأول عام 1959م و التي ألفها الشاعر عبد الأمير معله وعينه على أثرها نائبا لوزير الثقافه وكانت تتألف من جزأين ووزعت على موظفي الدولة قسرا .
خطب رئيس النظام وطلب بأن تقام الأحتفالات لمدة شهر كامل وعلى كل عراقي أن يحتفل ( على طريقته الخاصة ) كما قال وأخذت الأحتفالات تأخذ منحى صاخبا وتناول الرفاق البعثيون كؤوس الخمر والويسكي حتى الثماله فرحا بالنصر! وأحضرت الراقصات في تلك الحفلات التي أقيمت في كل مكان . وكأن تلك الدماء الغزيرة الطاهرة التي سفكت في تلك الحرب الدموية تحولت بتلك السرعة ألى ماء . وكانت العوائل المنكوبة بأبنائها الشهداء والمفقودين والمعوقين ترى وتسمع ويعتصرها الألم والحسره ولا تستطيع أن تفعل شيئا سوى ذرف الدموع والنعي في البيوت المغلقه وكنت أمر في الليل وأسمع النعاوي العراقية تنطلق من أفواه الأمهات في تلك الأحياء الفقيره وهي تذيب الصخر في تراجيديتها العميقة الحزن والتي تتفرد بها الأم العراقية على نساء العالم برمته . لقد كانت تلك الحفلات الصاخبة المرفوضة دينيا وأخلاقيا بداية أنهيار القيم في المجتمع العراقي حيث أخذ الكثيرون الذين خاضوا تلك الحرب يميلون نحو العنف والجريمة والسلب والنهب على الطرقات لأنهم وجدوا أنفسهم ضائعين بعد أن رمتهم السلطة الحاكمة على الأرصفه دون أن تجد لهم عملا يسدون به رمقهم بعد معاناتهم الطويله . وازداد التسيب بين تلاميذ وطلاب المدارس الذين فقدوا آباءهم في تلك الحرب أكثر فأكثر وأفرزت الحرب حوالي نصف مليون أرملة شابه وبدأ الدينار العراقي يفقد قيمته وبلغت ديون العراق حولي 50 مليار دولار وكانت الضحية الأولى في المجتمع هم طبقة الموظفين وطبقة العمال والكسبة والحرفيين الصغار وكان النظام وأجهزة دعايته مشغو لين فقط في أقامة الأحتفالات ب ( يوم النصر العظيم ) الذي أذهل الدنيا وكسر شوكة خامس جيش في العالم بفعل عظمة وحنكة بطل القادسية صدام حسين كما كانت أجهزة الدعاية الصدامية ومعها وسائل الأعلام العربية تروج لذلك وأولها وسائل أعلام حكام الكويت .
حرك النظام جماعة ماتسمى ب ( مجاهدي خلق ) وأمرهم بغزو الأراضي الأيرانية بعد أن صورت لهم الأستخبارات العراقية أن النظام الأيراني بدأ يترنح وبالضربة القاضية من ( مجاهدي خلق ) سيسقط ويستلم مسعود رجوي الحكم فتوغل المئات من تلك العناصر في الأراضي الأيرانية عن طريق محافظة عيلام الأيرانيه وتبخرت آمال مسعود رجوي بعد تم القضاء عليها من قبل قوى التعبئة الأيرانية وتم تكفين القتلى بخام ( الستن ) الأبيض الغالي الثمن والفاتورة تدفع من قبل النظام العراقي في الوقت الذي كانت جثث أبناء العراق متناثرة في الصحارى والوديان تعبث بها الضباع . وقد قال لي أحد البزازين في الكوت لقد نفذ خام الستن في المدينه حيث حجزه جماعة ( مجاهدي خلق ) وقد رأيت بأم عيني نساء تلك دالمنظمة وهن ببزتهن العسكرية يدخلن في مايسمى ب (مستشفى صدام) آنذاك ويخرجن منه بكل حريه بعد أن حجز جناح خاص في المشفى لجرحى المنظمه وقد حاولت أن أزور طبيبي الذي أجرى لي العملية الجراحية في ذلك الوقت فمنعت من ذلك وعندما استفسرت عن السبب وقلت للشخص الذي منعني لماذا أمنع من زيارة طبيبي وغيري يتحرك بكامل حريته ؟ فأجابني هؤلاء الذين تقصدهم يحملون تصاريح خاصه من وزارة الداخليه فهل تحمل أنت تصريح لكي أسمح لك بالدخول ؟ وكانت هذه المنظمة الأرهابية تحظى برعاية خاصة من رأس النظام ولها كافة التسهيلات بينما كان المواطن العراقي سجين في وطنه . وقد كان فندق الكرامة في الكوت وهو من الفنادق الكبيرة محجوزا لتلك المنظمه على حساب السلطات العراقيه والكثير من العوائل العراقية تعيش في العراء في أكواخ طينية متهالكة لاتصلح حتى لسكن الحيوانات كل ذلك من أجل رغبات ذلك الحاكم في تسخير كل شيئ لمجده الشخصي البعيد كل البعد عن آمال ورغبات شعبه .
بدأت الوفود العربية تترى من جديد لتقديم التهنئة ألى رأس النظام في قصر المؤتمرات وأخذت المقالات تدبج في الصحافة العربية لهذا النصر المؤزر الغير مسبوق في تأريخ الأمة العربية وأن عصر النهضة العربية قد بدأ على يدي القائد العربي الهمام صدام وقد قال أحد السياسيين لصدام ( هذا أول نصر عربي حاسم في التأريخ يتحقق على يديك وأنك اليوم على مرمى حجر من القدس بأذن الله ) وقد غنت سميره سعيد وصباح وورده الجزائريه ولطفي بوشناق ووديع الصافي وغيرهم للنصر العظيم لقاء أموال طائلة كان يهبها لطيف نصيف جاسم وزير الثقافة والأعلام لقاء تلك الأغاني التي تمجد رئيس النظام وانتصاره الباهر . وطلب من المعلمين والموظفين وضع باجات خاصه لرئيس النظام على الصدور صنعت في أيطاليا وفرنسا وتم تزيين المدارس والدوائر الحكومية وواجهات الدوربأدوات الزينة وكثرت الجداريات والتماثيل لرئيس النظام وأقيم قوس النصر وركب صدام حصانا أبيضا ومر من تحته محفوفا بحماياته الخاصه خوفا من ذلك الحصان ان يقوم بحركة معينة . في الوقت الذي كان الفقر والمرض يفتك بالكثيرين من أبناء الشعب .
بعد مرور أشهر على تلك الحاله بدأت الدعاية الحكومية وخاصة صحيفة بابل التي كان يرأسها عدي أبن رئيس النظام تتجه شيئا فشيئا نحو تشويه سمعة ومواقف حكام الخليج ( الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ) وأن (من شيوخ البترول عملاء للأجنبي ولم يقفوا مع العراق موقفا مشرفا أثناء حربه مع أيران ولولا القائد صدام حسين لكانت نساء دول الخليج العربي تباع في أسواق أيران لغرض المتعه ) هكذا صورت صحيفة بابل وبعدها الثوره التي كان يرأسها البعثي القابع في اليمن صلاح المختار وشعر معظم المحللين السياسيين بأن هذه اللهجة الجديدة من وسائل أعلام مقربة للنظام ضد دول وأمارات كانت السبب المباشر في أطالة الحرب بمساعداتها المادية المستمرة للنظام تخفي وراءها شيئا وأن وراء الأكمة ماوراءها .

جعفر المهاجر- السويد
19/ 9/2009