الرئيسية » مقالات » الشاشة تعوّض خسارات الأنظمة العربية

الشاشة تعوّض خسارات الأنظمة العربية

السفير – لبنان: فجأة، قرّرت الـ«تيتيتاينمانت» (المصطلح يشير الى «رضاعة الترفيه» واشتقه مستشار الرئاسة الأميركية السابق زبغينو بريجنسكي للإشارة الى الأثر الإدماني للبث الفضائي المتلفز الذي رافق العولمة) الرمضانية عربياً، أن ترتدي ملابس الحرب، إضافة الى أزياء التكلّس الفكري والثقافي الذي هيمن، للأسف، على شاشات التلفزة العربية، أرضاً وفضاء.
في ظل خواء النظام العربي وتهاويه سياسياً، نهض التلفزيون بمهمة الخيال التعويضي، كي تستمر الأمة في استسلامها الى حاضر النظام العربي المتكلس والخاوي. طوال شهر رمضان، سارت مشاهد العسكرة الذكورية العربية، من «باب الحارة 4» الى «هدوء نسبي» مروراً بـ«الشام العدية» و«أدهم الشرقاوي» و«البوابة الثانية»، لترسم تعويضاً وهمياً بالبصريات، يُعيد إنتاج البنية الخيالية للنظام العربي. سقطت بغداد بيد الاحتلال الأميركي بعد سقوطها بيد الدكتاتورية الدامية؟ لا يهم. سينهض النظام العربي وهمياً بما لم ينجزه واقعياً، فتنهال البطولات بصرياً. وسوف يذهب الى النسيان أمر التصارع الدموي تحت جزم الاحتلال، والتمزيق الذي مارسته عقود الدكتاتورية للنسيج الوطني العراقي، والهلاك المتكرر المتطاول للأكراد على يد النظام الصدامي السابق وغيرها.
إنسَ أيضاً أمر «الترّهات» (بحسب منطق المسلسلات) التي يلهج بها لسان الأستاذ محمد حسنين هيكل وقبلها قلمه في برنامجه على «الجزيرة»، عن التفوّق الاسرائيلي المدعوم أميركياً في الاستخبارات، والذي ظهر في الهزائم العربية المتكررة. إنس أن الرجل من ضمن الدائرة الأقرب الى الرئيس جمال عبد الناصر، وأنه أغرق نفسه في الوثائق المصرية والغربية، قبل أن يقول إن نكسة 1967 كانت ضربة استخباراتية متفوقة للاستخبارات الإسرائيلية قبل جيشها. دعك من أمر هيكل. إنسه. استمتع بالوهم التعويضي الذي حقن العيون المحبطة على الشاشات العربية، بأسماء مثل «حرب الجواسيس» و«رجال الحسم». انتهى رمضان. لتفرح الأعين بأن الشاشات المتلفزة، التي يملكها النظام العربي الرسمي بطرق مختلفة، باتت مُكرّسة لتجديد بنية النظام العربي خيالياً (مع ما يتضمنه من قيم وأنماط وسلوك وثقافة)، بدل ان تتحوّل الى مساحة لنقده ولظهور ثقافة بديلة فعلياً.

النقاش ممنوع
سار رمضان 2009، مع 65 مسلسلاً وعشرات البرامج الملحقة به، فأي مساحة نقدية حمله؟ أين هي الثقافة البديلة التي افتُرِض ان الثقافة البصرية المتحررة من ملكية الدولة ستساهم في صنعها؟ مثلاً، ما الفارق بين خطاب النظام العربي الرسمي حيال صعود الخطاب الإسلاموي وتنوّعاته التي تخنق الحرية في الثقافة والحياة اليومية؟ إنس أمر ذلك، وانس التكاثر الهائل للأقنية التلفزيونية التي تمطر الحياة اليومية بما لا يحصى من الفتاوى، فتعمّق أزمتها وتناقضاتها، خصوصاً إخضاع مؤسساتها ومعطياتها وقوانينها لنظرات ضيّقة وتفسيرات فقهية مُسيسة عن الإسلام، إضافة الى نهوضها بالمهمة الأثقل: منع نقاش التراث الديني نفسه، ومنع التبصر نقدياً في التاريخ والتراث. وعلى رغم هذه الهجومية الهائلة لهذا الخطاب، فقد ظهر في «خاص جداً» وكأنه في موقف دفاعي يستمطر البكاء. وانحصر أمره في تفاصيل (مثل الحجاب) في الوقت الذي ذاب وجدانياً في التناقض بين الرقص والسكر وضرورات الإيمان! هل الخطاب الذي قلب حياة مصر هو دفاعي ومستكين الى هذا الحدّ؟
في «خاص جداً»، إنس ما تعرفه عن بيوت المصريين وملابسهم وعيشهم، إمسح من ذاكرتك أن قرابة ربعهم يعيشون تحت خط الفقر. ههنا الخيال المتلفز يقدّم عيشاً تعويضياً بهيجاً، يمتد بين دبي والقاهرة.
وللداعية وعده!
في ترفيه رمضان، إنس أن الداعية عمرو خالد وعد بأن يقدّم قصصاً دينية في إطار مشهدي عالي المستوى، فجاءت معظم حلقاته في إطار بصري فقير مدقع، لم يزد أحياناً عن صور جامدة وخالية من البشر، مأخوذة من فتات ما هو منتشر على الانترنت والكومبيوتر عن الحضارات القديمة في الشرق الأوسط. وقف الداعية الذي باتت ثروته ترد في إحصاءات مجلة مثل «فوربس»، ضمن المشهدية الفقيرة والجامدة، ليقدّم ما هو أبعد من مجرد استعادة القصص القرآني، إذ تخطاها الى إعطاء تفسيرات ومعان محدّدة لما جاء في هذا النص. من أعطى خالد سلطة التوسّع في تفسيره للآيات (ربما ذلك من حقه)، في ما جعل توسّعاً أقل بكثير في التفسير على يد مفكر مثل نصر أبو زيد، مدعاة للتكفير والنفي؟ وما الذي استطاعت الشاشات الفضائية المدعومة من القطاع الخاص (بادعاءاته المتعالية) أن تجدّده في النظرة الى التراث والتاريخ؟ ما الذي ميّز مسلسل «صدق وعده» مثلاً، عن ما تكرّر عن القصة الثابتة الجامدة المتكررة التراثية على مدار عقود الثقافة البصرية الممتدة من دخول السينما (قبل قرن) إلى شاشات الأقمار الاصطناعية؟ من يجرؤ تحدي تلك الرواية الثابتة الملامح والتفاصيل؟ ثمة خيط يجمع أمر تكلّس الفكر العربي في تفكيره بالتراث، مع تكلّس فهمه لحاضره وماضيه القريب أيضاً.
تناسل السيرة
مثال يبرز ما سبق؟ «أبو ضحكة جنان». ما الذي جدّده هذا المسلسل في تناول سير «السلف» فنياً، على النحو الذي تناسل منذ مسلسل «أم كلثوم» سوى تكريس السلف كصورة ملائكية لامعة؟ قُدّم ياسين وكأنه هبط رأساً من أفلامه الى حياته، وليس بالعكس. ممنوع أن تنقد سير من سلف، أياً كان ذلك السلف. وإذ جرؤ مسلسل «أسمهان» في «تيتيتاينمانت» رمضان 2008، بعض التحدي، فإن الأمر لم يتكرّر بعدما قضّ هدوء المجتمع والثقافة السائدة من ذلك التحدي المتواضع. كل ما سلف ملائكي. ثمة عبادة آباء مديدة، في قلب المنطقة التي ولدت فيها ديانات التوحيد: النقيض المباشر لعبادة الآباء! لا داعي للحديث عن الماضي المجيد سياسياً، فقد تولى «باب الحارة 4» (مع إسقاطات معاصرة) و«الشام العدية» و«المصراوية» و«الحصرم الشامي» و«أدهم الشرقاوي» و«بلقيس»، أمر تنميطه في صورة تريح خيال الأمة الى ماضيها و… حاضرها وربما مستقبلها أيضاً!
لم يخل ترفيه رمضان 2009 من الإيجابيات، من دون تهكم. تقدمها الإخراج السينمائي غير المألوف للمسلسلات العربية، وقد تألّق فيه شوقي الماجري («هدوء نسبي») وغادة سليم («خاص جداً»). وبرزت نظرة نقدية جريئة نسبياً في «زمن العار». وحضرت إناث العرب في صورة حداثية متفاعلة في «حكايات بنعِشها» «صبايا» و«بيت العيلة» و«كلام نسوان». وترّكزت المسلسلات الدينية في الأقنية المتخصصة دينياً. كما ظهر يهود مصر في صورة بشرية، غير ملائكية ولا مشيطنة ولا مفتعلة، في «أنا قلبي دليلي». كما استُعملت الكاميرا العالية الوضوح في كثير من المسلسلات، ولكن التوفيق في استخدامها ظلّ متفاوتاً.