الرئيسية » مقالات » لماذا يسكت المسلمون والحكومة العراقية عن قتل المندائيين والمسيحيين واليزيدية ؟

لماذا يسكت المسلمون والحكومة العراقية عن قتل المندائيين والمسيحيين واليزيدية ؟

قبل كل شئ نقدم التهاني والتبريكات للمسلمين في العراق والعالم بمناسبة عيد الفطر المجيد ونتمنى في الأعياد القادمة ان يفكر المسلمون ان المسلم هو اخو كل البشر وليس المسلم اخو المسلم فحسب .

الغريب العجيب هو السكوت المطبق الذي يسود المنطقة والعالم في هدر الدم العراقي وكأن هؤلاء البشر خلقوا لكي يكونوا وقوداً للعمليات الأرهابية ولتصفية الحسابات الطائفية والسياسية والحزبية واصبحت اخبار القتل اليومي من الأخبار المتوقعة الرتيبة ليس ثمة من يهتم بسماعها .

ويكاد يكون وضع الأقليات الدينية في العراق بشكل خاص من اخطر وأصعب الأوضاع في العالم بالنسبة للاقليات الدينية ، فقد فرّغت هذه البلاد من سكانها الأصليين الذين قطنوا بلاد ما بين النهرين قبل الأسلام وقبل المسيحية ، وحينما دخل الأسلام الى هذه الأصقاع في مطاوي القرن السابع الميلادي كان اول عمل قام به هو جعله السكان الأصليين من الكلدان والسريان والآشوريين والصابئة المندائيين واليهود واليزيدية والذين احتفظوا باديانهم ، بأنهم اهل الكتاب ثم قال عنهم اهل الذمة ، ومعنى ذلك ان هؤلاء بذمة المسلمين وشرفهم فلا يقبل الأسلام باعتداء اجنبي عليهم ناهيك عن الأعتداء الداخلي ، هذا ما نفهمه حسب مداركنا عن اهل الذمة ، لكن هذه الفرضية قد اثبت بطلانها على مدار التاريخ بعد الحكم الأسلامي ، فإن من يعتدي على هؤلاء المواطنين العراقيين هم الأسلام العراقيين تحديداً .

إن الخلل الديمغرافي الذي ألحق بهذه الأقليات من اليزيدية والمسيحيين والصابئة المندائيين جلي وواضح لا يحتاج الى براهين .

إن أي فرد من المكونات غير المسلمة يبدو وكانه يعيش في غابة ، وهو يحلم ببلد يلجأ اليه ليشعر فيه بأمان ويحترم كرامته الأنسانية ، حيث افتقد هذا الأحترام والمواطنه الحقة في وطنه العزيز على قلبه ، فالعنف الأجتماعي ، والقوانين الحكومية وموقفها المتفرج والمتواطئ من العمليات التي تطال تلك المكونات ، قد خلق هذا الواقع المزري لتلك المكونات التي شكّلت الحلقات الضعيفة في المجتمع .

المراقب للاوضاع يتساءل :

هل قدمت الحكومة شخصاً الى المحاكمة العلنية ليكون عبرة لغيره ؟

ماذا فعلت الحكومة بمن خطفوا وقتلوا المطران الكلداني فرج رحو واغتالوا زملائه المؤمنين ؟

هل رأينا وشاهدنا محكمة علنية كالتي عقدت لرجال العهد السابق حيث قدموا للمحاكمة امام الملاء ؟

لماذا تصبح قيد النسيان كل الجرائم التي تطال الأقليات الدينية من اليزيدية والمسيحيين والمندائيين ؟

لقد قرأنا خبراً مؤلماً على موقع عنكاوا يقول :
(( لقى شابان من الطائفة المندائية مصرعهما، صباح اول يوم من عيد الفطر المبارك، الاحد 20 ايلول الجاري في مدينة البصرة بعد تعرضهما الى هجوم في محل عملهما في قضاء الزبير من قبل مسلحين مجهولي الهوية، اطلقوا عليهما الرصاص، وسرقا محتويات محليهما في حين نظم ابناء الطائفة تظاهرة سلمية طالبوا خلالها الحكومة العراقية حمايتهم من العابثين.
واضاف : ان المسلحين الاربعة اطلقوا النار من خلال مسدسات كاتمة للصوت على الشاب فرقد فائق عثمان الخميسي، من مواليد البصرة 1984، وسرقوا كل المصوغات الذهبية التي كانت في المحل، ليهاجموا بعدها محل الشاب مهند قاسم غريب الكحيلي، من مواليد البصرة 1984، وسرقة محتويات محله.
واضاف اخر ” استنجدنا بسيارة الجيش التي كانت تبعد عن موقع الحادث 150 متر غير ان احدهم قال لنا بأن هذا ليس من واجبنا بل من واجب الشرطة”. )) .

الأسئلة تتوارد : لماذا تختار العصابة من المكون المندائي لتنفيذ جريمتها لماذا لم تختار محلات الصياغة ليكون اصحابها من الأسلام ؟

وماذا كان واجب افراد الجيش في السيارة التي تبعد عن موقع الحادث 150 متر ، هل كان واجبهم صد الهجمات الخارجية على العراق ، ام كانوا هناك في نزهة من اجل اللعب في مراجيح ودولاب الهوى ايام العيد ؟

ألا يكون هنا التساؤل مشروعاً للقول بأنهم كانوا يحرسون عصابة القتل والسرقة ؟

وإلا ما هو صلب واجبهم إن لم يكن حماية ارواح المواطنين وممتلكاتهم ؟

إنها اسئلة تطفو على السطح مهما حاولنا التملق والمجاملات والتزلف الفارغ .

وعلى صعيد متصل ورد في الخبر ان ابناء الطائفة نظموا تظاهرة سلمية طالبوا خلالها من الحكومة العراقية حمايتهم . وسؤالي هو :

لماذا يقوم ابناء الطائفة المندائية حصراً بالمظاهرة ؟

لِمَ لم يتظاهر معهم الآلاف من المسلمين من الجيران ومن المعارف ومن يزعم انه لا يقبل بإعمال السرقة والقتل ؟ هل يكتفي الجيران المسلمون بتعزية اقارب الضحايا وشرب القهوة في الفاتحة ؟

أهكذا تكون الجيرة ؟ اهكذا تكون الشهامة ؟

اهكذا تكون الذمة في اعناقكم ؟

هل الذمة هي فقط في تقديم التعازي والمواساة فحسب وكفى المسلمون شر القتال ؟ اما كان ينغي لاهل البصرة الكرام ان يعتصموا امام المحافظة ويطالبوا السلطات المختصة بالقبض على المجرمين وتقديمهم للعدالة ، عندها سنقول هكذا تكون الشهامة والمروءة .

انه غير مقبول من المسلمين المعتدلين والمثقفين والكتاب والأدباء ان يستنكروا الأعتداء على الأقليات الدينية فحسب ، لكن عليهم ان يدعموا هذا الأستنكار بالوقوف الى جانب هذه الأقليات فعلياً ، كقيام بمظاهرة او اعتصام ، وكان ينبغي ان تكون تلك المظاهرة التي كان عدد افرادها العشرات او المئات من الصابئة المندائيين كان ينبغي ان يكون معهم الآلاف من المسلمين ، حينذاك نقول إن الدنيا بخير ، وإن المسلمين يقومومون بواجبهم الديني والأنساني .

وياتي دور رجال الدين المسلمون والذين يجدر بهم ان يكون لهم دور فاعل في كبح جماح الحملات الموجهة لغير المسلمين ، من صلب واجبهم الديني والأنساني هو زرع بذور المحبة والتعايش بين المكونات العراقية من مسلمين وغير مسلمين لوأد كل محاولات النيل من العراق بتأجيج المشاعر الطائفية والدينية .

إن رجال الدين الأسلام مطلوب منهم ان يكون لهم دور فاعل في هذا التعايش . لا يكفي ان يقوم رجال الدين المسيحيين فقط بزرع بذور التعايش والمحبة بل المهمة الكبيرة تقع على عاتق رجال الدين من السنة والشيعة ، ولا نقبل بمنطق اهل الذمة بالتعامل مع الأقليات الدينية ، بل بمنطق المواطنة العراقية والجميع مواطنون عراقيون متساوون بناحية الحقوق والواجبات وجميعهم لهم نفس الدرجة من المواطنة ، وبدون ذلك سنبقى في مستنقع التفرقة في حالة الغاء وتهميش حق المواطنة من مكون مكونات الشعب العراقي .

اما موضوع الحكومة العراقية التي لحد الآن موقفها يوصف بالمتواطئ او الساكت على ما يطال المكونات الدينية الأصيلة من غير الأسلام ، فإن عليها ان تقتدي بإقليم كوردستان في هذا الصدد ، لكن يبدو ان الفرق كبير جداً بين النهج العلماني لحكومة اقليم كوردستان وبين النهج الديني او الطائفي للحكومة العراقية ، وما دامت الحكومة العراقية لها مثل هذا التفكير ستبقى الحكومة مشلولة وعاجزة عن القيام بواجبها اتجاه المكونات الدينية اللاأسلامية ، لقد افلحت حكومة اقليم كوردستان في خلق لغة مجتمعية مبنية على التعايش بين المكونات الدينية والعرقية في هذا الأقليم ، ليس عيباً ان تستفيد الحكومة المركزية من تجربة الأقليم في التعامل مع المكونات غير المسلمة .

على الحكومة العراقية ان تقدم القتلة على المحاكمات العادلة ليكونوا عبر لغيرهم ، وإلا سنقول ان الحكومة متواطئة وساكتة عن الأعمال الأجرامية التي تطال المواطنين العراقيين الأبرياء من المسيحيين والمندائيين واليزيدية .

حبيب تومي / اوسلو في 23 / 09 / 2009