الرئيسية » مقالات » علاوي بين الحكيم والمالكي

علاوي بين الحكيم والمالكي

تواترت الاخبار حد القطع من ان القائمة العراقية الوطنية برئاسة رئيس الوزراء الاسبق الدكتور اياد علاوي قد حسمت خيارها والتحقت بركب الائتلاف الوطني العراقي الذي يضم الاحزاب والقوى العراقية الاسلامية مثل المجلس الاعلى والتيار الصدري وحزب الفضيلة وتيار الاصلاح الوطني مع عشائر وقوى سنية متفرقة، فضلاً عن المؤتمر الوطني العراقي برئاسة الدكتور احمد الجلبي.

خطوة مثل هذه عدّها بعضهم هزيمة ً للتيار الليبرالي وخضوع تام للاسلام السياسي باعتبار ان كتلة علاوي تمثل اقوى الكتل الليبرالية قياساً بالقوى والتيارات العلمانية الاخرى في العراق.

باعتقادي الشخصي ان انضمام علاوي للائتلاف وقبله الدكتور الجلبي يعد نجاحاً ملموساً لقادة الائتلاف العراقي الوطني من الانفتاح على غير الاسلاميين بعدما استطاع الائتلاف تجاوز حدود المذهبية بضمه قوى سنية ومن بينهم رجل الدين السني المعتدل الشيخ خالد عبد الوهاب الملا رئيس جماعة علماء العراق فرع البصرة .. وبهذا يكون الائتلاف الوطني قد خرج من خندق الطائفية ودخل في حيز الوطن الاكبر ..

ومثله فعل ائتلاف دولة القانون وهي كتلة رئيس الوزراء الحالي الاستاذ نوري المالكي بعد ان استطاع استقطاب شخصيات سنية مؤثرة وبعض قوى الصحوات والحوار مازال مفتوحاً لضم كتلة التيار الوطني بقيادة رئيس البرلمان العراقي السابق الدكتور محمود المشهداني.

الجديد في هذه التشكّلات يوحي بان القوائم الانتخابية التي تعمل من الآن على خوض الانتخابات القادمة في يناير 2010 باتت تحوي مختلف الطوائف والتوجهات السياسية، وهو بلاشك تقدّم ملحوظ تشهده الساحة العراقية حالياً ربما لان الكتل باجمعها وصلت حد القناعة بضرورة التغيير في برامجها الانتخابية انطلاقاً من رؤية وطنية شاملة وملحة للاربع سنوات القادمة.

وعوداً على عنوان المقالة، يبقى السؤال الاهم، ماذا سيستفيد الائتلاف من دخول علاوي وكتلته فيه؟ وماذا سيجني علاوي من هذا الدخول؟

بلاشك ان دخول الدكتور علاوي في الائتلاف اذا ما تم التأكيد رسمياً بهذا الخصوص سيشعل لهيب المنافسة على منصب رئاسة الحكومة المقبلة فيما لو حقق الائتلاف فوزاً في الانتخابات القادمة .. حيث يضم الائتلاف الحالي عدداً من الشخصيات الطامحة لهذا المنصب كالابرز حظاً الدكتور عادل عبد المهدي من المجلس الاعلى والغريم التقليدي الدكتور ابراهيم الجعفري الذي مازال ايضاً طامحاً في الحصول على النسبة الاكبر من اصوات الائتلافيين تؤهله العودة للرئاسة مجدداً، فضلاً عن الدكتور احمد الجلبي وهو الاقل حظاً في هذا المنصب بينهم ..

اي نعم، قد يخسر الدكتور علاوي شيئاً من جمهوره وهو ما تخوّف منه بعض قيادات قائمته العراقية لكنه بالمقابل سيربح شيء من جمهور الآخرين .. وقناعاتي الشخصية تقول بان علاوي سياسي ذكي استقرى الواقع العراقي جيداً وعلم بان لا امل له او لقائمته في الانتخابات القائمة مالم ينضم لاحدى القوائم الكبار، خصوصاً ان الشعور الطائفي والتخوّف وعدم الثقة بين مكونات المجتمع العراقي مازالت هي الظابط في قناعات الناخب العراقي ولم يتخلص منها البلد حتى هذه اللحظة.

اما الائتلاف تحت قيادته الشابة المتمثلة بالسيد عمار الحكيم نجل الراحل السيد عبدالعزيز الحكيم فقد وجّه بضمه للقائمة العراقية ضربة تحت الحزام للمالكي وقائمته .. حيث بقي الاخير في موقف لا يحسد عليه ويبدو من الصعب اتخاذ القرار المناسب .. اذ ليس من السهل على المالكي الاستمرار وحيداً وبعيداً عن تحالفات قوية يستطيع من خلالها ان يحكم العراق اربعة سنوات اخرى، ولا حتى اتخاذه خطوة الانضمام للائتلاف الوطني … خياران احلاهما مر بالنسبة للمالكي وكان الله بعونه كيف سيجتاز حاجز النصف من مقاعد البرلمان القادم بوجود تجمّع رهيب ضم الكثير من القوى والتيارات المتنوعة والفاعلة على المستوي السياسي اسمه الائتلاف الوطني العراقي.

حيث يعي الرجل ان من الصعب الحصول على رئاسة الحكومة المقبلة اذا ما بقيت دولة القانون بعيدة عن تحالفاتها السابقة، والاصعب ربما الانضمام للائتلاف الجديد على اعتبار العودة لسدة الحكم فيه شبه مستحيلة بوجود منافسين اقوياء كعبد المهدي وعلاوي اذا ما اخرجنا الجعفري والجلبي من دائرة المنافسة لانهما الاقل حظاً وحظوة من مكونات الائتلاف الاخرى. هذا بالاضافة الى ان المالكي يعي بان الصدريين سوف لن يقفوا الى جانبه هذه المرة نظراً لتردّي العلاقة بينهم وبينه اثر المواجهات العسكرية الاخيرة التي وقعت بينهما وبهذا خسر المالكي بيضة القبان التي رجّحت كفته على كفة عبد المهدي في انتخابات 2005 الماضية.

هذا على المستوى الشيعي، اما على المستوى الوطني العام .. فالواضح ايضاً بان هناك جفاء وبرود ملحوظ في علاقته مع الاكراد اثر جملة من الاشكالات التي يحفظها له التحالف الكردستاني ولن ينساها سيما وهو المتهم من وجه نظر القادة الكرد بتعطيل ملف كركوك وسعيه للاستحواذ على مكتسبات الكرد لصالح الحكومة المركزية على حد رؤية الاكراد انفسهم، ومما لاشك فيه سيكون من الصعب استمالة التحالف الكردستاني لتغيير موقفه او الانفكاك عن الشريك التاريخي القوي المجلس الاعلى وبقية قوى الائتلاف الوطني الحالي لصالح المالكي.

وبشكل عام الاحزاب والقوى السياسية السنية الممثلة للعرب السنة في العراق غير راغبة على مايبدو بالدخول في تحالف قوي مع المالكي لاسباب تتعلق بالمصالحة الوطنية وطريق ادارة الملف الامني في البلاد، حيث مازالت هذه القوى ومنها الحزب الاسلامي وتجمّع الدكتور عدنان الدليمي تتهم المالكي بعدم الجدية في موضوعة المصالحة الوطنية وملفات سياسية اخرى كملف المعتقلين .. وهذه القوى بلاشك ان لم تكن في صف الائتلاف الوطني بعد الانتخابات القادمة فسوف لن تكون ايضاً بجانب المالكي وقائمته دولة القانون على الارجح.

وفي ظل زحمة الافكار تلك لا ينبغي لنا نسيان او تجاهل الموقف العربي والذي هو الآخر له حساباته الخاصة في التعاطي مع نتائج الانتخابات القادمة .. اذ ليس سراً بان الدول العربية وخصوصاً المجاورة منها لديها تحفظاتها على الحكومة الحالية ورئيسها المالكي ولم يتسنّ للمالكي ان يبنى علاقات متينة معها في ظل الاربع سنوات المنصرمة، نتيجة ظروف العراق المعقدة وعدم وجود رغبة حقيقية من بلدان الجوار مساندة هذه الحكومة والانفتاح عليها .. ولعل التوتر الاخير بين العراق وسوريا والتصعيد الاعلامي المتبادل بينهما اثر ضلوع سوريا في تفجيرات الاربعاء الدامي، اتى في غير صالح المالكي لتكون ربما القشة التي قصمت ظهر العلاقات المرجوّة بين العراق والمحور العربي، وربما ايضاً قضت حتى على مستقبل المالكي السياسي لتستفيد اطراف سياسية اخرى لعبت على وتر التهدئة وعدم الانجرار في مواجهة سوريا في الوقت الحالي.

بل لعله السبب ذاته الذي استدعى المتحدث باسم القائمة العراقية السيد جمال البطيخ ان يقول بان قائمته احسّت تغييراً جدياً في سياسة الائتلاف الحالي نحو الخطاب الوطني العام ونبذ الطائفية بعد ان انسجمت مواقف الدكتور علاوي مع قادة الائتلاف ومنهم المجلسي عبد المهدي في قضية المطالبة بمحكمة دولية واتهام سوريا بالارهاب.

ان كان ثمّة ظنون لدى المالكي بان الانضمام للائتلاف الحالي قد يبدو عودة للخندق الطائفي وخسارة لرصيده السياسي والجماهيري، فستنتفي هذه الظنون بوجود كتلة علاوي فيها ولربما البقاء داخل دولة القانون هي الطائفية اذا ما قرر علاوي فعلاً الانضمام للائتلاف، مع التذكير وبكل صراحة بان هذا الرصيد الجماهيري لم يأت من خارج اصوات اهل الجنوب الجياع، اذ ان المالكي نفسه كان ثمرة الائتلاف العراقي السابق وما يُعيب ذلك الائتلاف يُعيب كتلة المالكي نفسها.

وبزحف الائتلاف الحالي يوماً بعد يوم على القوى الكبيرة والمتنوعة وضمّها الى صفوفه، يقلل من فرص حصول المالكي على رئاسة الحكومة القادمة، ويجعل المنافسة محصورة بين الدكتور عادل عبد المهدي والدكتور اياد علاوي .. وهو ما قرأه الاخير بدقة استناداً لمعطيات الواقع السياسي الراهن التي ذكرناها.

حيث بانضمامه للائتلاف سيدخل حلقة ال (اما .. او)، اي اما رئيس وزراء او منصب رفيع قد يكون نائباً لرئيس الجمهورية اذا ما حظي عبد المهدي برئاسة الوزراء .. في حين لا (اما) ولا (او) خارج الائتلاف.