الرئيسية » مقالات » الدكتورة هالة مصطفى والمحرقة الانتقائية..

الدكتورة هالة مصطفى والمحرقة الانتقائية..

يبدو ان الادخنة الكثيفة المتصاعدة من الحملة القاسية التي تشنها نقابة الصحفيين المصريين على الدكتورة هالة مصطفى..والناشئة عن استقبالها السفير الاسرائيلي شالوم كوهين في مكتبها في الاهرام ..تجبرنا على استعادة مشهد الحملة الاقل قسوة والمغايرة بالشخوص ولكن المشابهة بالاسلوب التي طالت الفنان سعد الصغير عند ظهوره في فيديو كليب مع الراقصة الاسرائيلية ميطال ساسي..

فلكون الفنان سعد “صغيرا” ..فقد انهالت عليه الانتقادات واللعنات والويلات الورقية والالكترونية..ومن كل فج عميق ..حتى جعلته يصرخ في البرية اما من توبة يا اهل القلم..ويتوسل حد التشفع بان والده كان من مقاتلي العاشر من رمضان.. ولكن لم يخطر ببال غلاة المقاومين وقتها..من عتاة رافضي التطبيع والتعامل مع “العدو”.. التطرق الى “الكبار” في ادارة الفندق الذي تمايلت الراقصة على مسرحه ..ولا الى الجهة التي منحتها عقد العمل ..ولا من الذي اجازه..ولا من منحها التاشيرة اصلاً..

وبنفس السياق.. فاننا نجد ان المحرقة التي اعدت لرئيسة تحرير مجلة “الديمقراطية” الصادرة عن مؤسسة الاهرام -والتي كانت تعرف في السابق بصديقة جمال مبارك- قد فصلت لتناسب مقاسات الدكتورة اعتمادا على اتهامات يبدو انها منفصلة عن سياقها القانوني والتاريخي..

فاننا وان كنا نتفهم الحساسية المفرطة التي تحكم العلاقة ما بين القاهرة وتل ابيب ..بسبب كون الاخيرة لها سجل مغمس بخمس حروب طاحنة -بما فيها حرب الاستنزاف- اكلت الحرث والزرع والنسل، مما احاط العلاقات بين البلدين بطوق التعامل الرسمي المقنن المحكوم بالمعاهدات والاتفاقيات المعتمدة ..بدون ان يكون لتلك الصلات امتدادا شعبيا مفترضا بين دولتين متجاورتين لهما التزام باتفاقية سلام تبلغ من العمر عتيا..

ولكن نفس هذه المعاهدات والاتفاقيات المعتمدة ..والعلاقات الرسمية على اعلى المستويات..ومن ضمنها الفعاليات الاعلامية..تسقط صفة التخابر مع دولة اجنبية او تسريب معلومات امنية عن مثل هذه اللقاءات.. او تصويرها كـ” سجاداً أحمر للاختراق الصهيوني للصحافة المصرية “وعزلها عن سلسلة متصلة من اللقاءات السابقة واللاحقة التي جمعت بين شخصيات اعلامية وسياسية اسرائيلية وبعض الصحفيين من الاهرام بالذات..خصوصا وان” الأهرام لا يعبر عن رؤية اليسار الذى يهاجم مثل تلك اللقاءات.. بل يعبر عن رؤية وتوجهات الدولة المصرية” كما صرحت الدكتورة هالة..

ومن هذا المنطلق..يكون من غير المستبعد في ظل هكذا مناخ ان يجتهد البعض في العمل على تلمس الموقف الاسرائيلي عن قرب ضمن الاطار المهني او الوظيفي..استنادا على هدف اللقاء المعلن وهو بحث تنظيم مؤتمر يضم بعض المثقفين المصريين والاسرائيليين..واعتمادا على كون الدكتورة لم تكن أول صحفية مصرية تقيم علاقات مع إسرائيليين..

فلقد صرح السفير شالوم كوهين منذ أيام لصحيفة الشرق الأوسط أن السيد عبد المنعم سعيد رئيس مجلس إدارة الأهرام يلتقي به في بيته.. وان هناك البعض من كبار الكتاب ..أعلنوا من قبل زيارتهم لإسرائيل وتعاطفهم مع إقامة علاقة طبيعية معها ..ومنهم الراحل لطفي الخولي والكاتب أنيس منصور، وعلي سالم، إضافة إلى أسامة الغزالي حرب، كما زار باحثون إسرائيليون الأهرام أكثر من مرة، وبالتحديد مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية أثناء رئاسة عبد المنعم سعيد له.

وهذا مما يجعل موقف السيد سعيد..الذي سرب- بدون كثير من النجاح- معلومات عن عدم علمه بالزيارة ..اقرب الى المسخرة مع تأكيد السيدة مصطفى علم الاهرام والخارجية والجهات الامنية بالزيارة وعدم التدخل لمنعها..

ومن الصواب ان لا نغفل المزاج الراهن الداعم لاتخاذ خطوات تطبيعية ذات وتيرة متسارعة مع اسرائيل عبر اشارات وملاحظات تتخلل ثنايا احاديث وتعليقات الرسميين العرب ..وكون السفير الاسرائيلي يتمتع بوضع دبلوماسي خاص ويفوق باهميته وضع سفراء وممثلي بعض الدول العربية والاسلامية –العراق مثلا – وكون التطبيع احد وجهي المبادرة العربية للسلام التي تتمتع بتأييد جميع الدول العربية..

لذا.. وكدعوة متواضعة للابتعاد عن الازدواجية وخداع الذات… من المفروض على جميع العناوين والفعاليات المتصدية لمناهضة التطبيع الاتفاق على مفهوم معين للحدود التي يمكن ان تتحرك ضمنها العلاقات المصرية – الاسرائيلية ..وعدم ممارسة التنويم الذاتي للنفس وللمجتمع من خلال تصيد الاسماك الصغيرة..وممارسة اسلوب التسقيط السياسي والاخلاقي بحقها ..والتغافل عن المعطيات والبيئة السياسية التي دفعت باتجاه هذه الخيارات … فان من الانصاف ان يعرف المثقف الاشتراطات التي تدخل افعاله في باب التخوين والتطبيع اذا كانت هذه الممارسات لا تتعارض.. بل تتماهى.. مع السياسة العليا المعلنة للدولة..خصوصا مع الاحصائيات التي تشير لوجود 20.000 عامل مصري في اسرائيل..وان صحت هذه الارقام ..فمنهم اكثر من سبعة الاف متزوجون من اسرائيليات.. لاولادهم الحق بالحصول على الجنسية الاسرائيلية..وقد يكون من بينهم سفير اسرائيل القادم في مصر..